في ذكرى يحيى حسن، صديقي الذي مات قبل أن ألقاه

الخميس 28 أبريل 202209:08 ص

عشرات الكاميرات توثّق وداعاً، ليس له أن يكون ملحمياً أكثر من ذلك:

شيخٌ يخطب بوجهٍ متجهّمٍ، ويرفع يداً في وجه الكاميرا، بينما تصطفّ مئاتٌ من الناس حول يحيى حسن، الذي صار جسده العشرينيّ جثماناً في نعشٍ أبيضٍ تحاوطه شجرة كرزٍ، تكاد تظنّها -من شاعرية المشهد- تتواطأ مع النعش، لئلا يدخل بطن الأرض قبل أن يعبر بصاحبه ثلاثة أمتارٍ من الهواء، نحو زهر الكرز، كلمةً بيضاء تعرج إلى السماء بخفة الورق الخفيف الفارّ من ثقل الحياة في حمرة حبةٍ من الكرز.

أكان موتك المبكر نهايةً حتميةً لثلاثيةٍ شعرية؟

أثار موت يحيى فيّ حزناً، وكأنني فقدت صورته الملأى بألوانه الباذخة في رأس كلّ من قرأ قصائده. واليوم بعد سنتين من موته، أعود إلى تلك القصائد لأتذكر صديقي الذي مات قبل أن ألقاه.

في كلّ مرة أقرأ فيها قصائده، أسأل نفسي: من كان هذا الشاعر؟ أيّ حياة تلك التي عاشها، حتى تخلق فيه كلّ هذا الغضب؟ وماذا فعل ليجد أعداءً في كل مكان؟

في كلّ مرة أقرأ فيها قصائده، أسأل نفسي: من كان هذا الشاعر؟ أيّ حياة تلك التي عاشها، حتى تخلق فيه كلّ هذا الغضب؟ وماذا فعل ليجد أعداءً في كل مكان؟

تقدّم نصوص يحيى حسن غضباً سريع الوتيرة، في صورةٍ قاسيةٍ، تُظهِرُ سيرةً ذاتيةً صارمةً عن طفولةٍ دمويةٍ -بأسلوبٍ غير منمَّقٍ، لا يتعمّد فيه إخفاءَ عدوانيّته، ولا خلق أبطالٍ وهميّين في علاقته مع فلسطين والدنمارك والله والجريمة والعقاب. فالغضب الذي يظهر في قصائده لم يكن مجرّد استعاراتٍ لخطبٍ سياسيةٍ، لاحقته هنا وهناك، بل كان شعراً له قوةٌ هائلةٌ، كانت على ما يبدو سبباً جعل الوسط الأدبي يتهافت نحوه، للترويج عنه كشاعرٍ دنماركيٍّ بكل الطرق، وليُدخِل غضبه في بوتقة الصراعات العرقية، مستغلاً عدم رغبة الشاعر في المشاركة في مناقشات الاندماج حول اللاجئين الجدد.

في غضب يحيى شيءٌ أكثر مما نربطه عادةً بالغضب الذي يخلقه الكلام. غضبه بحدّ ذاته قصيدة، لا يحتاج إلى مفردةٍ كي يصير مرئياً ومسموعاً. إنه مثل الغضب الذي نحسّه في الأعمال الأدبية العظيمة، حين يغضب ابنٌ على أبيه. لكأن فيه وجه آرثر رامبو السّاخط والحزين، كما في الخمس قصائد والنصوص المكتوبة عن قراءته في مدينة لايبتزغ الألمانية. وفيها يتحدّث عن طفولته في آرهوس، وعن غيتو المهاجرين وعن مكالماته مع عمته في فلسطين، وشوقه إلى بلادٍ بعيدةٍ لم يعرفها، ولعنة الأرض التي لم يعِش فيها، وعن غربته هنا وهناك، من دون أن ينسى هراوة أبيه، الذي ملأ طفولته عنفاً وألماً واضحَين في صوت قصائده.

فضّل الشاعر "بؤس الشهوة" على التظاهر بالفضيلة. تمرّد بقدر ما عاش ولم يخَف من ذكر تمرّده واضحاً كما هو: "روحي هناك... في الكوكايين/ على الإنترنت/ في المواقع الإباحية، وفي السجن". فكانت كلّ سلطةٍ من حوله ملعونةً، بدءاً من سلطة أبيه وانتهاءً بسلطة الدين. تحدّث عنها جميعاً بلغةٍ خفيفةٍ وبشيءٍ من الدعابة. أحياناً بصوت عالٍ وبعنفٍ واضحٍ لا هوان فيه ولا مسايرة، وأحياناً بفخر الضعيف بوحدته التي لم يرد كسرها بالاندماج في أي فئةٍ مجتمعيةٍ من حوله، سواءً مع أبناء جلدته من اللاجئين، أو مع الدولة العنصرية التي يحمل جواز سفرها.

فضّل الشاعر "بؤس الشهوة" على التظاهر بالفضيلة. تمرّد بقدر ما عاش ولم يخَف من ذكر تمرّده واضحاً كما هو: "روحي هناك... في الكوكايين/ على الإنترنت/ في المواقع الإباحية، وفي السجن". فكانت كلّ سلطةٍ من حوله ملعونةً، بدءاً من سلطة أبيه وانتهاءً بسلطة الدين

تعرّفت قبل سنواتٍ إلى الشاعر الدنماركي ذي الأصول الفلسطينية عندما وجدتُ قصائده المُترجمة مصادفةً فوق رفوف المكتبة في العمل. يحيى حسن شاعر ذو لغة واضحة وراديكالية. نبرة صوته السّاخطة بإيقاعها المكثف والعنيف حيناً، والمُرهف والرقيق أحياناً أخرى، أثارت فيّ الدهشة والفضول.

حاولت التّواصل معه عام 2017، رغبةً مني آنذاك في ترجمة قصيدتين له من الألمانية إلى العربية. لم أجد يومها سوى صفحته على الفيسبوك، فأرسلت له طلب صداقة ورسالةً خجولةً جداً. لم يردّ حسن أبداً على محاولاتي التواصل معه، لتبقى رغبة ترجمته قابعةً في صدري، تصيبني بالحسرة كلما تذكرته، مع علمي بمساوئ الترجمة بين ثلاث لغات، عوضاً عن الترجمة المباشرة من لغة القصائد الأصيلة. لكنني لرغبة ما، أحاول!

ولرغبةٍ مني في أن أقول لك شيئاً، أحاول... لربما سمعتني وأنا أتدخّل في صدى كلماتك!

لربما غضِبتَ بوجهك القاسي، وعدتَ لِلحظةٍ كما هذي القصائد!

لربما عدتَ... غضباً حزيناً كما عيناك!

غضباً عذباً كما صوتك!

وغضباً يائساً كما صوتك وأنت تصرخ إلى الله، متمسّكاً بحزنك... لا لتحزن! بل لتبحث عن طريق الخلاص!

وياه... كأنك وجدت خلاصك الأبديّ بين أوراق الكرز!

يحيى حسن شاعر ذو لغة واضحة وراديكالية. نبرة صوته السّاخطة بإيقاعها المكثف والعنيف حيناً، والمُرهف والرقيق أحياناً أخرى، أثارت فيّ الدهشة والفضول.

-

في الـ29 من نيسان/ أبريل 2020، وُجد الشاعر ذو الـ25 عاماً ميتاً في شقته في مدينة آرهوس في الدنمارك. لا تزال أسباب موته غير واضحة، أولاً بعد ربطها من جهة بانتقاده للمعايير المزدوجة في حياة الجالية المسلمة في الدنمارك، التي أدت إلى تلقّيه تهديدات بالقتل واتّهامه بتعزيز الكليشيهات الأوروبية حول الأجانب والمسلمين في أوروبا، وقد تحدّث في مقابلةٍ له عن حمله مسدساً في الأماكن العامة. وثانياً بعد ربطها بتجربته النفسية مما عاناه في طفولته من عنصرية المجتمع الدنماركي من حوله، ومن فترة قضاها مسجوناً وتحت العلاج النفسي، بعد إقراره في محكمة آرهوس بجميع التهم الـ42 الموجهة إليه ومنها: الاعتداء والتخريب والمطاردة.

-

طفولة

"خمسة أطفالٍ مصطفّون على التوالي

وأبٌ يحمل الهراوة

بكاءٌ يعلو بركةً من البول

نمدّ أيدينا، الواحدة تلو الأخرى

متنبّئين بالقادم

إذ يعلو أزيز الصفعات، كأنه مطرٌ

وتقفز الأخت في الهواء

من قدمٍ لأخرى

فتنهمر شلالات البول

من بين ساقيها حتى أخمص القدمين،

ومن يدِ لأخرى

صفعةٌ... صرخةٌ... وَعَدٌّ... للثلاثين أو للأربعين وأحياناً للخمسين

وآخر صفعةٍ على المؤخرة -في الطريق خلف الباب.

يكمشُ أخي من كتفيه

يُعْدِلُ وقفَته... ويكمل عدّ الصّفعات.

وأنا واقفٌ أشيح عنهم بوجهي للأرض

أنتظر دوري

بينما تهشّم أمي الصحون في الردهة

وبينما تُظهِرُ "الجزيرةُ"

بلدوزراً مفرط النشاط

بقايا جسدٍ غاضبٍ

غزة في الشمس

أعلامٌ تحترق

لا يعترف الصهاينة بوجودنا

ونحن... حينما بكينا الخوف والألم

ونحن... حينما شهقنا الهواء بعدها، والمعنى

كنا موجودين

أكثر من أي وقتٍ مضى.


في المدرسة يُمنع علينا التحدث بالعربية

وفي البيت يُمنع علينا التحدث بالدنماركية"

-

"جلستُ في ركن الملابس وفي يدي قطعةٌ من حلوى القرفة

أتعلّم ربط حذائي بصمتٍ.

برتقالٌ وقرنفلٌ، وشرائط حمراء تتدلّى من السقف

كأنها دُمى الفودو المجوّفة،

تلك هي طريقتي لتذكّر روضة الأطفال

حينما كان الآخرون يتطلّعون لِلِقاء سانتا كلوس

كنت خائفاً منه -خوفي من أبي".

-

"نحن من يدّخر النقود تحت السجاد

لننقذ الآخرين من بأسهم.

نحن من نغير العملة بالدولار

لنتضرّع إلى الله".

-

مع بيع أكثر من مئة ألف نسخة من كتابه الأول في الدنمارك، وهي دولة لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، أصبح اسم يحيى حسن موجوداً في كل مكانٍ، بل ومترجَماً في المشهد الشعري في بلدان مجاورة كألمانيا، ليصبح بذلك أنجح شاعر دنماركي معاصر

مع بيع أكثر من مئة ألف نسخة من كتابه الأول في الدنمارك، وهي دولة لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، أصبح اسم يحيى حسن موجوداً في كل مكانٍ، بل ومترجَماً في المشهد الشعري في بلدان مجاورة كألمانيا، ليصبح بذلك أنجح شاعر دنماركي معاصر، وحسب تعبير مجلة"دير شبيغل" الألمانية، "آخر شعراء أوروبا الرومنسيين".

كما ورُشّحتْ مجموعته الثانية "يحيى حسن 2"، لجائزة مجلس الشمال الأوروبي للآداب لعام 2020.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard