وزير الطاقة وقضية الاعتداء عليه، أم قارب الموت في طرابلس؟

الثلاثاء 26 أبريل 202202:11 م

يحتار الإعلام الجديد على أيّ القضيتين يسلّط الضوء، فقضايا الرأي العام في لبنان لا تُعدّ ولا تحصى بين تفجير المرفأ وتعطيل القضاء، وبين حجز أموال المودعين والمس باحتياطات المصرف المركزي، وبين التلاعب بالدولار وتحليق غلاء المعيشة.

ولكن يبدو أن تلك القضايا كلها، توازي قضية الاعتداء على الوزير صاحب الألقاب المتعددة، من وزير الليل، ووزير الكحول، ووزير اللا طاقة، وغيرها من الألقاب التي اكتسبها من خلال مواهبه ومهاراته المتعددة أمام عدسات الكاميرا، وكأنه يجتهد في آفّاته ونهفاته سعياً وراء التراندات على الشاشات الصغيرة والكبيرة.

بعد يوم واحد فقط على مجزرة قارب طرابلس، يُصدر وليد فياض بياناً يطالب فيه بمحاسبة المعتدين عليه الذين استوقفوه وباغتوه بكفٍّ ودفعةٍ وصرخةٍ، انتقاماً لأرواح ابتلعها بحر طرابلس في عتمة الليل، وهي في طريقها إلى الهرب من موت محتمل بطيء نحو موت محتّم كان أسرع من الزورق العسكري الذي يُفترض أنه هرع لبضعة كيلومترات إلى إنقاذ أجساد ربما تكون قد نجت، ولكن قتلتهم لعنة الحياة في أرض مدنّسة للمرة الألف وأكثر.

"أستاذ فياض، عذراً، يا د. وليد فياض، يا حضرة الوزير، يا معالي الدكتور الوزير وليد فياض، يا وزيراً على مديرية صفقات سياسية جعلتك خادماً لمعلمك الذي جعلت مكتبك له مزاراً، وعلى صفقات تجارية جعلتك سمساراً صعلوكاً للمولدات الكهربائية... لو كنت كما تدّعي وادّعيت، "فيق" وانظر ليس حول نفسك، بل أبعد بقليل"

ذلك الشاب الدكتور "الجغل"، المتعطش دوماً إلى الأضواء في المناسبات العامة والجلسات الخاصة، استيقظ اليوم بعد ليلة "ولعانة"، واستدعى مستشاريه وقام باتصالاته ووافق على نص البيان واستكمل -ربما- نهاره في الوزارة المشلولة. فهو مشغول بتصحيح لقبه في المراسلات والمقابلات وبتدريب أوتاره الصوتية بعد كل جلسة وزارية يخرج منها مدندناً أغنيةً أو لحناً أو شعراً يرثي فيه الوضع العام، ويشكو ضعف حاله، ويتذمر من تفاقم الأزمات.

وسط كل تلك الزحمة في عهد وزارة فياض، ربما لم يتسنَّ له الوقت ليراجع أحداث الليلة الماضية في طرابلس المكروبة، وكيف أن آباءً وأمهاتٍ رموا أنفسهم وأطفالهم لآلهة البحر والسفر هرباً من شياطين الوطن، ولم يسمع أحد الناجين يصرخ من حجرة الطوارئ في المستشفى المهترئ: "برجع بعيدها وبضحّي بحالي وولادي، بس أنا ما فيني عيش هون، واحد فينا بدو يموت يا أنا يا هنّي".

وزير الطاقة على الأرجح لم يرَ الوجوه التي أعادها البحر واجمةً، ولم يرَ الأجساد التي بصقتها الأمواج جثثاً هامدةً، ومؤكدٌ أنه لا يعلم اسم ضحية واحدة، فالأسماء في هذه الحالات تصير أرقاماً أو تصبح أعداداً. أسماء العلم ليست مزايا متاحةً للجميع، خاصةً خلال الأزمات.

والوزير "اللبيب" يتقن لعبة أسماء العلم، ويعلم أن الشأن العام مجال مفتوح أمام الجميع للانتقاد والقدح والذم، وحتى الرشق بالبيض والحجارة.

أستاذ فياض، عذراً، يا د. وليد فياض، يا حضرة الوزير، يا معالي الدكتور الوزير وليد فياض، يا وزيراً على مديرية صفقات سياسية جعلتك خادماً لمعلمك الذي جعلت مكتبك له مزاراً، وعلى صفقات تجارية جعلتك سمساراً صعلوكاً للمولدات الكهربائية، وصفقات بشرية جعلتك سفاحاً مموّهاً بجانب زعمائك السفّاحين... لو كنت كما تدّعي وادّعيت، "فيق" وانظر ليس حول نفسك، بل أبعد بقليل.

وزير الطاقة على الأرجح لم يرَ الوجوه التي أعادها البحر واجمةً، ولم يرَ الأجساد التي بصقتها الأمواج جثثاً هامدةً، ومؤكدٌ أنه لا يعلم اسم ضحية واحدة، فالأسماء في هذه الحالات تصير أرقاماً أو تصبح أعداداً. أسماء العلم ليست مزايا متاحةً للجميع، خاصةً خلال الأزمات

تصالح مع نرجسيتك قليلاً. روّضها أكثر بقليل، واخرج نهاراً لا إلى مكتبك الأنيق، بل إلى الشوارع الشعبية وانظر طويلاً في عيون الأطفال، فهم الأكثر شفافيةً، وشاهد بعيونهم حياتهم القصيرة وكم ورثوا من خوف وحزن وأسى وخيبة ممن حولهم.

اخرج ليلاً، ليس إلى حاناتك، بل إلى الأحياء الساهرة تحت عتمة قراراتك وسياساتك التقنينية، المحكومة بجشع أصحاب المولدات، شركائك بشكل مباشر أو غير مباشر. اخرج وافهم الأبعد مما هو حولك، وستفهم أن هذه الصفعة هي صرخة عنيفة في وجه عنف أعنف، وهي صرخة محقة.

إن الاعتداء على الآخرين أمر غير أخلاقي وغير قانوني، لا سيما أن فياض كان مسالماً ويحاور المعتدين، ويتنقل من دون مواكب ومراققة مثل كثيرين غيره، ونشهد أنه لم يمرّ على عهده أكثر من ستة أشهر، إلا أن اعتداء وليد فياض على من يستخف بألمهم، يسبق اعتداء من ضرب الوزير وليد فياض، الذي سيفوز حتماً "بالقانون"، على من ليس لديه اسم علم بجانب لقب.

لا أهاجم الوزير ولا أدافع عن المعتدين، ولكني أعلم أن انكسار أب وفاجعة أم، أقوى من تلك الصفعة، وكنت تمنيت لو رأيت حضرة الوزير يعلن للمعتدين وأنصارهم، أمام الكاميرا وبكل رصانة ورزانة، أنه سيتنازل عن حقه في رفع دعوى لأنه يفهم وجعهم.

لو فعلت هذا يا معاليك، لكنت سجلت موقفاً شخصياً وحقيقياً في ستة أشهر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard