أنا طالب طبّ مع "بيرسينغ"... لماذا كلّ هذه الأفكار المسبقة؟

الاثنين 11 أبريل 202207:48 ص

"هيك صاروا دكاترة هالأيام؟" و"مين بكرا بدو يروح لعند هيك دكاترة؟" هما عيّنة من عبارات سمعتها أنا وصديقتي أثناء ذهابنا إلى كلية الطب، حاملين المعطف الأبيض بين أيدينا، وآمالنا وطموحاتنا الدراسية، و"بيرسينغ" واحدة فقط. و"البيرسينغ" هي قطعة معدنية شبيهة بحلق الأذن توضع في أماكن أخرى من الجسم.

في الواقع، كلانا اختار البيرسينغ لأسباب مختلفة. كان هدفي الأول جمالياً، إذ لم أكن راضياً عن شكل أنفي ورغبت في جعله أفضل دون الحاجة لعملية جراحية. أما هدفها فكان بهدف التغيير، وبخاصة بعد خروجها من علاقة عاطفية.

أسباب مختلفة، ولكن النتيجة واحدة، لم نعد طالبي طب كفؤين.

أسباب مختلفة، ولكن النتيجة واحدة، لم نعد طالبي طب كفؤين.

لم يزعجني الموضوع بقدر ما أثارني لأفكر في مدى تأثرنا بأشكالنا الخارجية، ومدى صعوبة أنْ أكون "أنا" في عالم ممتلئ بـ "هم".

ولا أقصد أنْ أسيء لأي أحد بقولي "هم"، ولكنّي أشير إلى الفئة الغالبة في المجتمع، والتي كثيراً ما تفرض معاييرها على الآخرين. وقد تعود "هم" إلى جهة موظِّفة، شركة، صديق، أو حتى أي عابر طريق يظن أنّ له الحق في تقييمنا.

وأنا الآن أخصّ طلاب الطب بالذكر كَوني على تواصل مع وسطهم، وأدرك ما يعانونه يومياً والتضحيات التي يبذلونها. وعلى الجانب الآخر، كمية الإجحاف والأحكام المسبقة التي تطالهم.

 "هالدكتورات آخر همهن المريض، هي يلي بتجي مظبطة حالها وعم تطقطق بالكعب". وكأنّ الكعب أو المكياج أو أي نوع من الزينة يتعارض ويضرّ بالمعلومات الطبية التي يمتلكنها ويقلل من قدرتهن على أداء عملهن

وفي منشور للـ "ميددوز" منصة أطباء سوريا بعنوان "وجاي عالمشفى آخر طرز" ونقلاً عن الدكتورة رهف سليمان ذكرت فيها تعليقات تقال لبعض الطبيبات المقيمات في المستشفى من قِبل بعض أهل المرضى وذويهم، منها: "هالدكتورات آخر همهن المريض، هي يلي بتجي مظبطة حالها وعم تطقطق بالكعب". وكأنّ الكعب أو المكياج أو أي نوع من الزينة يتعارض ويضرّ بالمعلومات الطبية التي يمتلكنها ويقلل من قدرتهن على أداء عملهن.

وبالرغم من أنّ بعض المرضى يكونون في حالة من الهلع والقلق، وقد يكونون غائبين عن وعيهم، فإن منصة الصحة السورية قدّمت تعليقاً شافياً على مثل هذه الحوادث أوضحت فيه أنه حقّ الطبيب الذي يفني معظم وقته في البحث والسهر والدراسة، أن يهتم بنفسه كأيّ شخص آخر، لا بل أكثر.

نشرت الدكتورة Vera Bajarias، وهي أخصائية أمراض كلى في الفلبين، صورة لها بالبيكيني مع عبارة، "يمكنني ارتداء ملابس السباحة على الشاطئ في وقت فراغي وأن أكون طبيبة مختصة ورحيمة في العمل".

والجدير بالذكر أنّه في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى، وبالرغم من حرية الرأي والقوانين التي تنظم المجتمع، فإن الكثير من المستشفيات والمؤسسات الطبية لا توظف الأطباء الذين يملكون وشوماً على أجسادهم أو يطالبونهم بتغطية الوشوم أثناء ساعات العمل، وقل الأمر ذاته فيما يخص تسريحة الشعر غير الاعتيادية و"البيرسينغ".

وبمراعاة فكرة أنّ المؤسسات الطبية، وأي مؤسسة رسمية أو توظيفية معينة، تتطلب نمطاً معينا من اللباس، لا يجوز، على سبيل المثال، ارتداء ثياب ضيقة جداً أو غير مريحة خلال إجراء عمليات جراحية معقدة لأنها قد تعوق سير العملية. ما عدا ذلك، لا يحق لأحد أن يحكم على الأطباء بناء على شكلهم أو خياراتهم الشخصية.

ومن المهم هنا ذكر أحد الحوادث المهمة التي أثارت الرأي العام وحرّضت العديد من الأطباء على التكلم، وهي ورقة بحثية نُشرت في مجلة "الجراحة القلبية" الطبية. تضمنت هذه الورقة دراسة تحت عنوان: "انتشار محتوى غير مهني على مواقع التواصل الاجتماعي بين جراحي الأوعية الدموية من الشباب". أظهر المقال الصور التي تضمنت "وضعيات صور في البكيني / ملابس السباحة" و "حمل / شرب الكحول". وعدّتها تصرفات من المحتمل أن تكون غير أكاديمية، الأمر الذي أثار غضب العديد من أفراد الطاقم الطبي الذين أشاروا إلى أنّ محتويات الورقة تستهدف النساء وتسلّط الضوء على التمييز بين الجنسين في المجال الطبي.

كما نشرت الدكتورة Vera Bajarias، وهي أخصائية أمراض كلى في الفلبين، صورة لها بالبيكيني مع عبارة، "يمكنني ارتداء ملابس السباحة على الشاطئ في وقت فراغي وأن أكون طبيبة مختصة ورحيمة في العمل". الأمر الذي تبعته حملة كبيرة على تويتر شاركت فيها نساء نشرن صورهن بملابس السباحة مع قصصهن أثناء إنقاذهن حياة مرضى على الشاطىء مرتديات الملابس "غير المهنية" ذاتها.

بالنسبة لي ولصديقتي، ولأي شخص آخر، نرى أنفسنا وحدة كاملة ممزوجة بندوبنا، وخياراتنا الشخصية، وتعليمنا، ومهنتنا، ودراستنا للطب وحتى بحياتنا ورغباتنا الجنسية

من المهم أن نتذكر أنّ المعايير المجتمعية التي تحدد الصلاحيات والامتيازات الممنوحة للأفراد تتنوع كثيراً، كما تُعَد أموراً نسبية، فالـ"بيرسينغ" في كل مكان ظاهر من الجسد أو وشم على شكل جماجم مشتعلة وكلمات نابية لا يحمل طبعاً نفس الصفة أو المعنى الذي يحمله "بيرسينغ" واحد أو وشم صغير بعبارة ذات معنى. وذلك ينطبق على مهنة الطب وعلى أي مهنة أخرى.

بالنسبة لي ولصديقتي، ولأي شخص آخر، نرى أنفسنا وحدة كاملة ممزوجة بندوبنا، وخياراتنا الشخصية، وتعليمنا، ومهنتنا، ودراستنا للطب وحتى بحياتنا ورغباتنا الجنسية. وتقييم أي شخص بناء على مظهره الخارجي هو خسارة لموهبة وإضاعة لخبرة، ليس غير. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard