لست "أبو علي" ولا داعي لأن أشبه فتيات الحيّ

الثلاثاء 29 مارس 202211:39 ص


منذ أن وُلدت في دمشق، ولم أحمل صفة "شامية"، بدأت أولى معاركي في الحياة، وحملت صفة النزوح معي أينما حللت، وتحديداً عندما بدأت دراستي الابتدائية. هناك اكتشف أصدقائي أنني لست "شاميةً أصليةً"، وأننا من منطقة اسمها "الجولان"، وأننا نُسمَّى نازحين، وما يُعرف عنا أننا سود البشرة نعيش في عشوائيات دمشق، وأننا أقل تحضراً. في تلك الأيام، سألت أبي: لماذا يناديني خال والدتي بـ"النازحة" دائماً، ليشرح لي قضيتي وأنا في عمر الخامسة، وليستخدم اللغة العربية بذكاء، فيقول: "النزوح فعل وليس صفةً... كلنا سننزح يوماً ما"، كونه كان معارضاً للنظام السوري، ويتوقع أن يطردنا من البلاد في أي لحظة، وهذا ما حصل!

منذ أن وُلدت في دمشق، ولم أحمل صفة "شامية"، بدأت أولى معاركي في الحياة، وحملت صفة النزوح معي أينما حللت.

وبحكم أنني سمراء عاشت طفولتها في مدينة "قدسيا"، جاء حظي التعيس في سنوات تعليمي الأولى ضمن صفوف "الشاطرين/ المتفوقين"، مع كثير من الشقراوات من عمري، ويتمتّعن بجميع مقاييس الجمال السورية؛ بيضاوات بعيون خضراء أو زرقاء أو عسلية في أسوأ الحالات، الأمر الذي لم يعنيني في البداية، ولكن بعد ذلك جاءت نائبة المديرة يوماً، وأخبرتني أمام كلّ الصف بأن أعود إلى المقاعد الخلفية لأنني "أفسدت المنظر". كانت هذه معركتي الثانية. حينها، حصنّت نفسي بالأغاني والشعر، وكل ما قيل في السمراء، ردّدته كتعويذة، وتهويدة قبل أن أنام. حينها تعرفت على الشاعر السوري نزار قباني الذي عنون ديوانه الأول: "قالت لي السمراء". عنوان حملته رايةً أمام كل من يقلل من قيمتي "كطفلة"، بسبب لوني الذي للمصادفة كان مختلفاً عن قريباتي من العائلة نفسها لأن أمي أيضاً سمراء.

بعد أن أصبحت مراهقةً، واضطررت إلى أن أترك شغفي بكرة السلة، كوني من عائلة "لا تنام بناتها خارج منازلهنّ"، مُنعت من السفر إلى السويداء لأخوض بطولة الجمهورية لكرة السلة للناشئات. كُسر حلمي حينها، وبطبيعة الحال ازداد وزني، فلم يعد هناك ما أجهد لأجله ولا أمارس رياضةً غيرها

في مناسبات أخرى، وبعد أن أصبحت مراهقةً، واضطررت إلى أن أترك شغفي بكرة السلة، كوني من عائلة "لا تنام بناتها خارج منازلهنّ"، مُنعت من السفر إلى السويداء لأخوض بطولة الجمهورية لكرة السلة للناشئات. كُسر حلمي حينها، وبطبيعة الحال ازداد وزني، فلم يعد هناك ما أجهد لأجله ولا أمارس رياضةً غيرها، وهنا تحديداً بدأت مرحلة "مجذّبة"، أي ليست جميلةً، وإنما تسرّ من ينظر إليها، بالإضافة إلى عشرات العبارات من نوع "انتبهي ع جسمك، ما حدا بقى ياخدك"، وأخرى ألطف تمدح وجهي وعيني وأنفي وفمي بعبارة بسيطة يقولونها وما زالوا: "وجهك حلو"، وكأنني لا أستحق أن أسمع غزلاً في ما تبقّى. هنا تحديداً كانت أولى ثوراتي حينما هجرت حياة صالونات البنات ونزلت إلى الشارع حرفياً، لأشاهد جميع مباريات الدوري الإنكليزي، والإسباني، وألعب "طاولة الزهر" كالمحترفات، وأسهر في مقاهي دمشق الذكورية، وأستمع إلى أم كلثوم في الثانية صباحاً وأنا غير ملزمة حرفياً بالتزامات الصبايا والنساء، ففي جميع الأحوال لن أجد من يتزوجني كما أنا، فبالنسبة إليه أيضاً، أنا لا أشبه والدته وخالته وابنتها، وسأغلبه في الورق، ولن يستطيع أن يمارس سلطةً ذكوريةً أمامي، ولا أن يكون له عالمه "الرجالي" الذي لن أفهمه.

عندما قطعت العشرين بعام واحد فقط، بدأت الثورة في سوريا، وبدأت معها اكتشافي ذاتي ومن أكون، وكيف أن هذه البلاد لم تكن تشبهني

عندما قطعت العشرين بعام واحد فقط، بدأت الثورة في سوريا، وبدأت معها اكتشافي ذاتي ومن أكون، وكيف أن هذه البلاد لم تكن تشبهني، ليس من فيها فحسب. إحساس غامر بالتقدير والإنجاز، جعلني أحبُّني وأتعرف إلى نفسي، كما أتعرف على حمص وحماه ودير الزور والرقة. رفعت رأسي وقرأت الكثير، واكتشفت أنني نسوية بامتياز، وأنني لست "أبو علي" -لقبي العائلي- أو علاء كما كانت تناديني أمّي. أنا ولاء كاملة الأنوثة وبقلب شجاع، ولا داعي لأن أشبه فتيات الحيّ، وليس مطلوباً مني أن أعود إلى أمي بعريس، ولا أن آكل الخس والزيتون لشهرين متتاليين كي أنحف قبل "عرس بنت خالتي". لا تعلم أمي ولا عماتي أنّه وعلى مدى تلك السنوات، هناك من كان يهيم بي، وأنّ علاقاتي كانت أعمق مما يظنن. مع أولئك الذكور أيضاً كوّنت جزءاً مهماً من نظرتي إلى نفسي، وأخذت جميع عبارات الغزل على محمل الجدّ، وكل من حاول أن يمسّ ما وصلت إليه من توازن تجاه شكلي على الأقل، أسقطته عمداً وتجاوزته بكل سرور.

قبيل ولادتي، تهافتت النصائح حول الرياضة بعد الحمل، وأهمية "الكريمات" كي لا أصاب بتشققات البطن، وأنّ منظرها القبيح سيكدّر عيشي، وأن من حقّ زوجي عليّ ألا يتغير شكل جسدي عمّا ألفه سابقاً. وأنا أنتظر أهم موعد في حياتي، لم تكن هناك مساحة لأستمع. كنت أستمتع فقط، لكني حين واجهت جسدي أمام المرآة وخطوطاً طويلةً تكاد تملؤه، ابتسمت كما لم أبتسم لنفسي من قبل، وتذكرت كمّ مرةً تملّكتني فكرة "التاتو" عن أحداث مهمّة في حياتي أردت توثيقها بالدم والحبر. لماذا سأرفض وشم أمومتي، وذكرى لا أريد أن أنساها ثانيةً واحدةً أو أنسى تفصيلاً فيها، وبالطبع كان وما زال كلامي هذا محطّ استغراب واستهجان ومكابرة، وما زلت أقول لمن حولي: أنا أتقبلّني، ماذا عنكم/ ن؟!

هنا تحديداً كانت أولى ثوراتي حينما هجرت حياة صالونات البنات ونزلت إلى الشارع حرفياً، لأشاهد جميع مباريات الدوري الإنكليزي، والإسباني، وألعب "طاولة الزهر" كالمحترفات، وأسهر في مقاهي دمشق الذكورية، وأستمع إلى أم كلثوم في الثانية صباحاً وأنا غير ملزمة حرفياً بالتزامات الصبايا والنساء

أقبل بالتشققات، وبصدر طريّ. أقبل بخصري طالما أني أستطيع إمالته على أغاني محمد منير عندما يقول: "دول عايروني وقالولي يا أسمر اللون يا للي". أٌقبل بطبيعة شعري، وأقبل بانحناء بسيط في شفتي اليسرى أمام الكاميرا. أعرفهم جميعاً. ليسوا مثاليين ولست كذلك. سنوات من حديث احترام الذات وحبها، حتى صارت "كليشيه"، إلا أننا وبدءاً من أنفسنا ما زلنا نرفضنا ونتعامل باستحقاق دونيّ مع خبراتنا وتجاربنا التي صنعت جزءاً من أشكالنا، وجزءاً من صورتنا أمام الآخر. منذ عمر الخامسة وصولاً إلى أبواب الثالثة والثلاثين، وأنا "أحبنّي وأتقبلني"، والآن أقولها علانيةً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard