عندما أُصبت بفيروس كورونا في زنزانة مساحتها 2×3 متراً داخل السجون المصرية

الأربعاء 26 يناير 202201:37 م
Read in English:

Infected with Coronavirus in a 6’ by 9’ prison cell in Egypt

كان ذلك في مساء الثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر 2019. فور عودتي من عملي بعد منتصف الليل، سمعت طرقاً عالياً على باب شقتي، فأسرعت لأفتح الباب، ولأُصدم ببعض رجال الأمن يقتحمون شقتي، ويفتشونها، وعندما لم يجدوا شيئاً، أخذوا الهواتف ومعدات التصوير خاصتي، واصطحبوني إلى مقر الأمن الوطني. بقيت هناك مدة 85 يوماً في اختفاء قسري، إلى أن تم عرضي على نيابة أمن الدولة العليا، بتهمة ازدراء الأديان. بعدها نُقلت إلى قسم ثانٍ في طنطا، وبقيت هناك مدة 40 يوماً، حتى تم نقلي إلى سجن طنطا العمومي، في 30 أيار/ مايو 2020، وكان ذلك في أثناء الإغلاق بسبب تفشي فيروس كورونا. 

إن الوضع داخل السجون المصرية من الصعب تخيّله، أو وصفه بالكلمات السريعة، فالإمكانيات المتاحة للمساجين ضئيلة جداً، ولا ترتقي إلى أدنى درجات الحياة الآدمية.

إن الوضع داخل السجون المصرية من الصعب تخيّله، أو وصفه بالكلمات السريعة، فالإمكانيات المتاحة للمساجين ضئيلة جداً، ولا ترتقي إلى أدنى درجات الحياة الآدمية، خاصةً في سجن طنطا العمومي، حيث لا توجد مراحيض داخل الزنزانة، ولا ماءً للطهارة، بعد قضاء الحاجة، كما أن مساحة الزنزانة التي قُدّر أن يعيش فيها ستة أفراد لا تتعدى الـ2×3 متراً، منها مكان للمطبخ مساحته 50 سم، فيه سخّان لإعداد الطعام و"برنيكا".

وتكثر الأقاويل حول أن السجن يعود إلى أيام الاحتلال الإنكليزي لمصر، أي عمره 150 عاماً، وكان إسطبلاً للخيول، وأقاويل أخرى تقول إنه كان سجناً للمعارضين الإنكليز والجنائيين. 

وقد عايشت تجربة الإصابة بفيروس كورونا داخل سجن طنطا العمومي، وكان ذلك في بداية انتشار الفيروس عندما طبّقت الدولة إجراء الإغلاق للحد من التفشي.

ففي إحدى الليالي شديدة البرودة في زنزانة"26أ"، في سجن طنطا العمومي، وفي تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شعرت بحالة إعياء شديدة إذ ارتفعت حرارتي إلى الدرجة التي جعلتني أرى "الهلوسات"، وأنطق بكلام غير مفهوم، وقد شعرت ببعض رفاقي في الزنزانة يحاولون إيقاظي، ثم شعرت ببرودة يد أحدهم على رأسي وهو يتحسس حرارتي، ثم سندوني لأذهب إلى مكان" البرنيكا"، وهي عبارة عن برميل يُستخدم كحمام داخل الزنزانة، وساعدوني في إفراغ زجاجات المياه على رأسي، من أجل التقليل من درجة الحرارة ولو قليلاً، ولم أستطع الوقوف على قدميّ على الرغم من كل المحاولات. وسمعت همهمات حولي بأني ربما أُصبت بفيروس كورونا الذي نسمع عنه من العاملين في السجن منذ فترة. كنت أتمنى بشدة أن أرى أهلي قبل أن أموت، بسبب الإهمال الطبي داخل السجن عموماً، وفي زنازين السياسيين بشكل خاص. وفي الصباح، سمعت باب الزنزانة يُفتح، وقد دخل بعض الشبان للبحث عن أي أدوية تصلح للتخفيف من ألمي وإعيائي، لكن لم يجدوا سوى المسكّن، فأجمع كل من في الزنزانة على عدم إخبار أحد بحالتي، حتى لا يتم نقلي إلى العزل، حيث لا توجد خدمات أو حتى أي شكل من أشكال الرعاية، وقالوا لي: "لو رحت هتموت أكيد".

وفي الصباح، سمعت باب الزنزانة يُفتح، وقد دخل بعض الشبان للبحث عن أي أدوية تصلح للتخفيف من ألمي وإعيائي، لكن لم يجدوا سوى المسكّن، فأجمع كل من في الزنزانة على عدم إخبار أحد بحالتي، حتى لا يتم نقلي إلى العزل، حيث لا توجد خدمات أو حتى أي شكل من أشكال الرعاية، وقالوا لي: "لو رحت هتموت أكيد"

لكني، في الوقت نفسه، كنت خائفاً على من معي في الزنزانة، لئلا يتعرضوا للأذى بسببي، ولكن كان الأوان قد فات، فقد مرض زميلي الذي ينام بجواري على النمرة (وهي بعض البطاطين المفروشة على الأرض حتى ينام عليها المعتقلون)، وبعدها تحوّل جميع من في ذلك العنبر إلى مصابين بالفيروس، وذلك بسبب عدم وجود مادة لتطهير الحمامات التي يستخدمها المصاب وغير المصاب على حد سواء، وأيضاً لوجود مجموعة كبيرة من الأشخاص داخل زنزانة مساحتها 2×3 متراً، فالمساحة الشخصية لكل فرد في الزنزانة هي شبر وقبضة يد، لذا ما كان بإمكاننا عمل شيء سوى أن ينام المصاب عكس الآخرين، لكن كل ذلك لا يفيد طبعاً في شيء، بسبب ضيق المكان، وانعدام التهوية.

وبعد إصابتنا جميعاً بالفيروس، أصبح الوضع صعباً جداً. كنا نواجه صعوبةً شديدةً عند ملء المياه، وإفراغ "البرنيكا"، وتحضير الطعام، وكان لدينا في الزنزانة مسكّن قوي، كنا نأخذه حتى نستطيع الوقوف، وأداء تلك الأعمال. 

الخوف من العزل في سجن طنطا العمومي

كان قد سبق وتعرّض بعض الزملاء في السجن للإصابة بفيروس كورونا، وذلك قبل إصابتي بأيام عدة، وكانت حالتهم صعبةً إلى درجة كبيرة، وتم نقلهم إلى الحجر الذي لا تتوفر فيه سوى بطانية السجن المتسخة، وطعام السجن الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والعلاج عبارة عن مضاد حيوي فحسب، وقد سبب هذا الوضع الذعر لجميع السجناء.

كان الحجر يقام في عنبر "ب". وفي أحد الأيام، عندما كانت الساعة نحو الحادية عشرة ليلاً، تم إغلاق النور داخل عنبر "أ" الذي كنت فيه، وعندما وقفت لأنظر من شبّاك الباب، وجدت شابين محمولين على كرسيَين متحركين، تم نقلهما إلى غرفة في آخر العنبر، فأبلغت جميع من معي في الزنزانة، ورفعت صوتي حتى يسمع كل من في العنبر، وحتى نوقف دخول المزيد من المصابين، خوفاً من الإصابة، ومن تراجع حالة المرضى أكثر، فصاح جميع من في العنبر حتى قدم رئيس مباحث السجن، وأخذ الشابين بعدما طلبنا أن يتم نقلهما إلى المستشفى، لكن بعد يومين سمعنا أقاويل بأن الشابين قد فارقا الحياة في العنبر "ب".  

تحوّل جميع من في ذلك العنبر إلى مصابين بالفيروس، وذلك بسبب عدم وجود مادة لتطهير الحمامات التي يستخدمها المصاب وغير المصاب على حد سواء، وأيضاً لوجود مجموعة كبيرة من الأشخاص داخل زنزانة مساحتها 2×3 متراً، فالمساحة الشخصية لكل فرد في الزنزانة هي شبر وقبضة يد

الإضراب عن الطعام

وبعد مرور ثلاثة أيام من تفشي الوباء داخل السجن، قرر أغلب المساجين أن يضعوا حداً لهذا الإهمال، على أمل توفير العلاج، أو السماح لنا بالذهاب إلى مستشفى خارج السجن، بسبب عدم توافر أي إمكانات تساعدنا على تخطي الأزمة، فبدأ البعض بالإضراب عن الطعام، ورفضوا استلام التعيين (طعام السجن)، وبعدها نفذ الجميع ذلك الإجراء عينه، واستمروا على ذلك الإضراب مدة أسبوعين كاملين، وظلوا على ذلك الوضع على الرغم من التعب الذي كان يصيبهم يومياً، بسبب قلة الطعام. ففي الأسبوع الثالث، أذن رئيس المباحث بدخول بعض الأدوية، وكنا نقايض الأدوية بالسجائر، وكانت تتوفر بعد يومين من طلبها، وفي أثناء كل تلك الفترة، كانت زيارات الأهل متوقفةً، ولا توجد وسيلة لطلب العلاج من الخارج. 

وبعد أسبوع من التعب، فُتح مشفى السجن أخيراً، وطُلب منا الذهاب إليه حتى نُجري الفحص، والحالات التي ثبتت إصابتها ولكن بنسبة بسيطة، كانت تدخل الحجر داخل مستشفى السجن، والحالات التي كانت تستدعي الخروج إلى مستشفى خارجي، كانوا يسمحون لها بالخروج.

لقد عايشت تجربةً مريرةً مع إصابتي بفيروس كورونا داخل السجن، فقد فقدت الأمل في النجاة خلال تلك الأيام، لكن رحمة الله شملتني وتمكنتُ من تخطي تلك الأزمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard