شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
وصف الفيل في العمى الافتراضي... حروب الذائقة وصراع الأجيال

وصف الفيل في العمى الافتراضي... حروب الذائقة وصراع الأجيال

ثقافة

الثلاثاء 18 يناير 202204:34 م

‏ دلتني تجربة تحكيم في مسابقة للقصة القصيرة، عام 2020، على مصادر للفرح. أربع كاتبات ‏لم تسبق لي القراءة لأي منهن. شيرين فتحي، وسارة شحاتة، وأميمة صبحي، وأماني خليل. أربع ‏مجموعات قصصية تُسعد روح يوسف إدريس الذي تحمل المسابقة اسمه. إضافات كانت سترضي ‏ذائقة رائد أجاد التقاط المواهب، وسعى بدهشة الاكتشاف إلى التبشير بها.

لم تفز أي منهن ‏بالجائزة، ولكني فزتُ، وفاز غيري. فرحت بمصادفة الاقتراب من تجارب جيل مبشّر، يؤمن بفن ‏القصة القصيرة، ويستوعب منجزها ويضيف إليه، ولا يشغله الهوس بثرثرات غير فنية تحمل ‏تصنيف "رواية"، غاية أصحابها أن ينالوا لقب "روائي"، وينتشون بسكرة أضواء منتديات القراءة ‏في العمى الافتراضي.‏

‏ لا يحتاج كتاب راسخون تنافسوا في المسابقة إلى شهادتي، ولا إلى هذه المقدمة التي تخص ‏تجارب كاتبات ربما ينشرن للمرة الأولى. أهتدي بتراث رموز نجوا من آفة صراع الأجيال، وأترحم ‏على يحيى حقي راعي جيل الستينيات.

والاستثناءات تثبت قاعدة الاطمئنان إلى الراسخ، ‏والانتصار للقديم، ومقاومة الجديد بوسائل تبدأ بالسخرية، ولا تنتهي بالتأكيد على أنه موجة قصيرة ‏العمر. لكن الكتابة فن شخصي، تكفي الكاتب/ة أصالة الموهبة للتحدي، وفرض الذائقة الجديدة، ‏على العكس من فنون تكون فيها الموهبة الفردية ترساً في آلة إنتاجية قد تدفن الموهبة ما لم يتمتع ‏صاحبها باستبسال قتالي. في هذه الفنون يجري أحياناً اللجوء إلى أسحلة غير شريفة.‏

 في تلك الفترة كان نجيب محفوظ قد أسس مشروعه... وباستعلاء وصف عباس ‏العقاد الروايةَ بأنها لا تزن بيتاً من الشعر، وجادله محفوظ بأنها "شعر الدنيا الحديثة"

‏ حتى المحامي الشاب أحمد راشد، في رواية "خان الخليلي" لنجيب محفوظ، ينتصر لما نشأ ‏عليه. المحامي يحب الموسيقى الغربية، ويعجبه نيتشه، ويعتبر فرويد وماركس من رسل العصر ‏الحاضر، لكنه يرى أن الغناء العربي القديم هو "الطرب".

تجري الأحداث في خريف 1941، وقد ‏اطمأنّت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب إلى التربع على قمتي الغناء والموسيقى، بتراث من أغنيات ‏وألحان وأفلام لم تفلح في زعزعة يقين محام شاب يقول إنهما "عظيمان فيما يرددان من وحي ‏القديم تافهان فيما عداه!". ويوافقه أحمد عاكف بطل الرواية، ذو الأربعين عاماً، فيقول إن صوت ‏أم كلثوم لا خلاف عليه، "ولكن حديثنا عن الغناء من الناحية الفنية!".‏

‏ أحمد راشد المحامي تخرج في الجامعة، وأحمد عاكف موظف لم يدخل الجامعة، وقنع من ‏الدراسة ومن الحياة بما يجعله حيّاً، كلاهما يخلص للقديم، على العكس من المعلم زفتة القهوجي ‏الذي لا يمنع نفسه من الاستمتاع بالجمال قديمه وجديده: "اسمعوا القول الفصل: أجمل ما تسمع ‏الأذن سي عبده (الحامولي) إذا غني يا ليل وعلي محمود إذا أذن للفجر، وأم كلثوم في إمتى ‏الهوى. وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب!". وطأة القديم دفعت عبد الحليم حافظ، في فيلم ‏‏"ليالي الحب" (1955)، إلى التحايل على الباشا (الممثل محمد عبد القدوس)، فأرضاه بغناء: ‏‏"وحقّك أنت المنى والطلب"، وأتبع ساخراً: "والله يجازي اللي كان السبب".‏

‏ النزوع إلى القديم ضعف إنساني. يستسهل الأقدمون النظر إلى المحدثين باستخفاف وريبة، ‏وخوف على تراث لو كان راسخاً ما هددته أعمال تتهم بالسطحية والتفاهة. كتب دريني خشبة، عام ‏‏1945، في مقدمة ترجمته لملحمة "الأوديسة" أنه يقدمها إلى "قراء الأدب الرفيع... وسط تلك ‏الزحمة من مئات الكتب في الأدب الرخيص"، وذلك "لتحبيب روائع الأدب القديم إلى نفوس القراء ‏في هذا الزمن المُتْرَف العَجول المَـلول". في تلك الفترة كان نجيب محفوظ قد أسس مشروعه، ‏وانتقل من أجواء مصر القديمة إلى واقعية فرضتها وطأة الحرب العالمية. وباستعلاء وصف عباس ‏العقاد الرواية بأنها لا تزن بيتاً من الشعر، وجادله محفوظ بأنها "شعر الدنيا الحديثة".‏

‏ لا يعدم الجديد أنصاراً من المؤمنين بالتطور، الداعمين للقفزات النوعية. في المرحلة الثانوية ‏بدأ محفوظ ترجمة كتاب جيمس بيكي "مصر القديمة"، لتقوية مهاراته في اللغة الإنكليزية، ‏وأرسل الترجمة والأصل الإنكليزي إلى سلامة موسى صاحب مجلة "المجلة الجديدة".

هناك، في منتديات ‏القراءة، يلتمس الكثيرون فيلاً، ويفرحون بالإعلان عن وصفه بمجرد لمس أي من أعضائه. في هذه ‏المنتديات صوت واحد، ربما أصوات قليلة واحدة، وأصداء لا نهائية تردد النغمة الأولى

رجح ‏محفوظ أن الترجمة لو أعجبته فسوف ينشر فصولاً من الكتاب. وفوجئ بالترجمة مطبوعة، عام ‏‏1932، في كتاب يوزع مع المجلة. بعد فوزه بجائزة نوبل قال لغالي شكري إن سلامة موسى سأله ‏في وقت مبكر عما إذا كان متاحاً للرواية أن تنجح في مصر؟ لأنها تعتمد على تصوير الرجل ‏والمرأة في الحياة العامة. ألم يكن العقاد أولى من موسى بالقلق على فن الرواية؟

‏ راهن موسى على محفوظ، وحسم اختياره الأدبي. ورفض تجاربه الأولى: "أنت تملك موهبة ‏روائية ولكن هذه الكتابات لا تصلح للنشر. وقد كرر على مسامعي هذا الكلام مراراً، حتى أطلعته ‏على مسودة "عبث الأقدار" ففاجأني: "هذه تصلح". وحجزها لديه.

وكانت فرحتي لا تقدر. كنت ‏أسميها "حكمة خوفو"، فلم يعجبه، وقال لي: "هذا عنوان غير روائي ولن يحبه الناس"، واستقرّ ‏الرأي على "عبث الأقدار". عشر سنوات كاملة بين 1929 و1939 كان سلامة موسى هو ‏الراعي والمربي الأدبي لي. نشر لي وأنا بعد في الثانوي ثم في الجامعة عشرات المقالات، وكتاباً ‏مترجماً وأول رواياتي. إنه أستاذي العظيم. ومن النادر أن نجد رجلاً مثله.‏

‏ أعود إلى ما بدأت به المقال، إلى أربع مجموعات قصصية لافتة: "رأس مستعمل للبيع" ‏لشيرين فتحي، "كل علب الشوكولاتة" لسارة شحاتة، "رؤى المدينة المقدسة" لأميمة صبحي، ‏‏"سارقة الابتسامات" لأماني خليل. هذه المجموعات، وغيرها من الأعمال القصصية والروائية ‏الجديرة بالاهتمام النقدي، لن نجد لها وجوداً في غابة العمى الافتراضي.

هناك، في منتديات ‏القراءة، يلتمس الكثيرون فيلاً، ويفرحون بالإعلان عن وصفه بمجرد لمس أي من أعضائه. في هذه ‏المنتديات صوت واحد، ربما أصوات قليلة واحدة، وأصداء لا نهائية تردد النغمة الأولى. هناك ما ‏يشبه التنافس على التباهي باقتناء كتاب وقّعه مؤلفه النجم. النجوم تصنعهم آلات إعلامية، ودور ‏نشر، ولحظات تستجيب لنغمة كتابية.‏

‏ تصادفني قوائم يعلن أصحابها قراءتها عام 2021، بعضها يقترب من المئة، ولا يقل أغلبها ‏عن خمسين. متى قرأوها؟ وإلى أي درجة يتمثلونها؟ ومعظمها يخلو من كتب علمية وفكرية ‏ونقدية. في غياب النقد تتساوى قراءة "خريف البطريرك" وروايات الألغاز. وفي الظلام يجرؤ أعمى ‏على تحديد لون الفيل.

أما التفاؤل بانتعاش الرواية فانتهى بسيادة لون يضخّه بغزارة جيل إلكتروني ‏نشأ في غفلة من النقاد. يستعلي النقاد، ولا يبالي قراء هذه الأعمال، ولا كتّابها بالنقد. لا يصحّ فرض ‏وصاية على كتّاب أو قرّاء، وما أضيع أعماراً سيفاجأ أصحابها باكتشاف أن "الحشيش مغشوش ‏بتراب"، كما قال المعلم زفتة القهوجي. الآن ضبطتني أقدم نصائح. هرمتُ!‏ 

Website by WhiteBeard