"قوة الدولة في اتّباع الدين"؟... مناقشة لفرضية مشهورة

الجمعة 28 يناير 202210:05 ص

"المُلك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع". هذه العبارة أوردها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ)، في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين"، وهي واحدة من أشهر العبارات المؤثرة في فهم بنية النظام السياسي الإسلامي، وتطوره.

لقد عمل العقل الإسلامي الجمعي التقليدي، عبر تاريخه، على الربط بين الديني والسياسي، إلى درجة ظهور قناعة تؤكد أن كل تفوّق في الدنيا، يجب أن يكون مبنياً في الأساس على اتّباعٍ سليم للدين والشريعة.

هذا الربط جرى التأكيد عليه، بشتى السبل، في الخطاب الإسلاموي المعاصر، ذاك الذي يرى أن الرجوع إلى الدين من شأنه أن يقدّم الحلول النهائية لكافة المشكلات التي لم تُحَلّ بعد.

فهل هذه الفرضية صحيحة على ضوء البحث في مجموعة من الفترات التاريخية التي لطالما رسمها المِخيال الإسلاموي الجمعي على كونها حقباتٍ نموذجيةً، لما شهدته من تفوق سياسي، أو عسكري، أو إداري؟

الخلفاء الأمويون... هيبة إمبراطورية مع مخالفة للشريعة

قامت الدولة الأموية عام 41هـ، بعد فترة اضطراب كادت أن تعصف بقوة الإمبراطورية الإسلامية الوليدة، وذلك بعدما اندلعت حرب أهلية بين العراقيين والشاميين، عقب مقتل الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، في 35هـ.

تمكّن الأمويون الذين وصلوا إلى السلطة بعد الاتفاق الذي عُقد بين معاوية بن أبي سفيان، والحسن بن علي، من استعادة هيبة الإمبراطورية في عيون أعدائها، فتابعوا حركة التوسعات، وتمكّنوا من غزو شمال إفريقيا، والأندلس، فضلاً عن أجزاء متفرقة من آسيا الوسطى والصين.

وعلى العكس من النظرة الإسلاموية الشائعة، والتي تعمل على تمجيد الحقبة الأموية، لدورها السياسي المهم، فإن القراءة المتأنية لسِيَر الخلفاء الأمويين، وللوقائع التي شهدتها دولتهم، من شأنها أن تقدّم دليلاً دامغاً على بُعد تلك الدولة عن التطبيق الصارم للشريعة.

على سبيل المثال، اشتهر خبر بطش الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان بأعدائه، وأنه أقدم على قتل بعضهم، وأشهرهم حجر بن عدي الكندي. أيضاً ورد في كتاب "تهذيب الآثار"، لمحمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ)، أن معاوية كان يبيع الأصنام المصنوعة من الذهب والفضة لأهل الهند، وذلك في مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية.

من جهة أخرى، لم يتورّع معاوية عن سبّ علي بن أبي طالب، وبنيه، في صلاة الجمعة، وذلك حسب ما يُفهم من الكثير من الروايات، والتي ورد بعضها في صحيح مسلم (ت. 261هـ)، بما يؤكد على وقوع الخلط والتماهي بين الديني والسياسي، وذلك على الرغم من كل ما حملته الشريعة من تأكيدٍ على رفعة مقام الصحابة، والنهي عن الخوض في سيرتهم، أو النيل منهم.

وأقدم الخليفة الأموي الثاني، يزيد بن معاوية، على الكثير من المنكرات التي ترفضها الشريعة الإسلامية: قتل الحسين بن علي، حفيد الرسول، في موقعة كربلاء عام 61هـ، وأصدر أوامره بغزو المدينة المنورة واستباحتها عام 63هـ، وقصف مكة التي تحصّن فيها عدوّه، عبد الله بن الزبير، بالمنجنيق، عام 64هـ، ما تسبب بانهيار بعض أجزاء الكعبة... كل تلك الموبقات دفعت بعض المؤرخين لأن يشككوا في صحة إسلام يزيد، خصوصاً بعدما نُسبت إليه أبيات شِعر يُفهم منها قدحه في صحة الرسالة المحمدية، مثل قوله: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا/ جزع الخزرج من وقع الأسَلْ/ قد قتلنا القوم من ساداتكم/ وعدلنا ميل بدر فاعتدل/ فأهَلّوا واستَهَلّوا فرحاً/ ثم قالوا يا يزيد لا تشل/ لست من خندف إن لم أنتقم/ من بني أحمد ما كان فعل/ لعبت هاشم بالملك فلا/ خبر جاء ولا وحي نزل.

المخالفة السافرة لأوامر الشريعة تكررت مرة أخرى في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وذلك عندما منع الحج إلى مكة في بداية حكمه، خوفاً من مبايعة الحجيج لعدوّه عبد الله بن الزبير، الذي كان يفرض سطوته على الحجاز في تلك الفترة، وعندما أطلق يد الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق، فبطش بأهله، ومنع العطاء عن المعارضين للدولة، في الوقت الذي تعقّب فيه الموالين للبيت العلوي، فقتل البعض، وسجن البعض الآخر.

تمكّن الأمويون من استعادة هيبة الإمبراطورية الإسلامية الوليدة، بعد سنوات من حرب أهلية أعقبت مقتل عثمان بن عفان. فهل كان حكمهم مقيّداً بالشريعة؟ ما يُنسب إلى يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان يشي بعكس ذلك

كل تلك الأحداث تفسّر ما نقله ابن الأثير الجزري (ت. 630هـ)، في كتابه "الكامل في التاريخ"، عندما ذكر أن عبد الملك أعلن صراحةً عندما صار خليفةً، بأنه "لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه".

عصر الرشيد وبنيه... حقبة ذهبية تزامنت مع مجون

وصلت الإمبراطورية الإسلامية إلى أقصى حدودها في عهد الخليفة العباسي الأشهر، هارون الرشيد، إلى درجة حدت بالمِخيال الإسلاموي التقليدي إلى ترسيم تلك الفترة، بصفتها الحقبة الذهبية للإسلام، الأمر الذي يفسر سبب شيوع القصة التي تذكر أن الرشيد كان ينظر إلى السحابة من شرفة قصره، فيقول لها متباهياً: "أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجك".

على الرغم من قوة الدولة العباسية في عهد الرشيد، وبنيه الثلاثة، محمد الأمين، وعبد الله المأمون، وأبي إسحاق المعتصم بالله، إلا أن النظر إلى تلك الفترة يوضح لنا بُعد الدولة عن أوامر الشريعة.

على سبيل المثال، شاعت أخبار تربط بين الرشيد من جهة، وحفلات المجون والخلاعة من جهة أخرى، حتى أُقحم الرشيد في قصص ألف ليلة وليلة، وظهر فيها على أنه ملك مترَف، لا يقضي ليله إلا بين أحضان الجواري، وكؤوس الخمر والشراب.

على الرغم من دفاع الذاكرة الدينية عن الرشيد، على أنه الخليفة الذي كان "يغزو عاماً، ويحج عاماً"، إلا أن قصص حفلات الرشيد كان لها صدى عالٍ، إلى درجة دفعت بعض المؤرخين السنّة للإشارة إليها، ومن ذلك ما أورده شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ)، في كتابه "سير أعلام النبلاء"، عندما تحدث عن الرشيد، فقال معترفاً بصحة تلك القصص: "له أخبار شائعة في اللهو واللذات والغناء".

حالة الترف التي شاعت في عهد الرشيد، والتي تخالف أوامر الدين الواضحة الداعية للتقوى والاقتصاد، استشرت في عهد ابنه وخليفته محمد الأمين، ومما يعبّر عن ذلك ما ذكره الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، عن حالة الانحلال الأخلاقي للأمين، وعن أنه "طلب الخصيان وابتاعهم، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره... ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رمى بهن"، وأنه اشتهر بعشقه لفتى يُدعى كوثر، حتى كتب فيه قصائد ذاع صيتها.

على الرغم من أن الابن الثاني للرشيد، المأمون، لم يُعرف عنه الوقوع فريسةً لشهواته الجنسية والحسية، كأبيه وأخيه، إلا أنه اشتهر بإقدامه على أفعال تخالف المعتقد السنّي الأرثوذكسي التقليدي، ومن أهمها قيامه بترجمة كتب الفلسفة والمنطق عن اللغة اليونانية للعربية، وميله إلى أفكار المعتزلة والجهمية، وكونه أول الخلفاء الذين أصرّوا على القول بخلق القرآن، هذا فضلاً عن ميله في بعض الأوقات إلى الشيعة، حتى أنّه عيّن الإمام علي الرضا، ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية، لولاية عهده.

شاعت قصة عن هارون الرشيد تقول إنه كان ينظر إلى السحابة من شرفة قصره، ويقول لها متباهياً: "أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجك"، في دلالة على اتّساع إمبراطوريته... ولكن للرشيد "أخباراً شائعةً في اللهو واللذات والغناء"

أما الابن الثالث للرشيد، المعتصم بالله، والذي ارتبط اسمه في العقل الإسلاموي الجمعي بحادثة فتح عمورية، وبأنه سيّر الجيوش لقتال البيزنطيين، بعدما وصلته أنباء استغاثة إحدى المسلمات الأسيرات به، فقد نفّذ وصية أخيه المأمون في حمل الفقهاء على القول بخلق القرآن، فأمر بحبس الرافضين وامتحانهم وضيّق عليهم حتى يقولوا بمقالته، وكان من أهم الفقهاء الممتحنين الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241هـ)، الذي تذكر بعض المصادر أخبار "محنته" بنوع من أنواع التهويل، حتى حُكي أن الجلادين جلدوه حتى تقطعت بطنه، وتدلّت أمعاؤه، حسب ما يذكر محمد بن أحمد التميمي، في "كتاب المحن".

الأيوبيون والمماليك... انتصارات مبهرة وظلم للرعية

تحظى الدولتان الأيوبية والمملوكية برصيد هائل في الذاكرة الإسلاموية الجمعية، بسبب ما تحقق على يد بعض سلاطين الدولتين من انتصارات عظيمة على أعداء الإسلام، من الصليبيين أو المغول.

ولكن هذه الانتصارات العسكرية في ميادين المعارك، لم تكن مرتبطةً باتّباع الدين الحنيف، بقدر ما كانت مرهونةً في المقام الأول بالظروف الجيوسياسية، والتغيرات الحادثة في موازين القوى الحربية في تلك الفترة، ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الترويج للتفوق العسكري كان في الأساس عملاً دعائياً يهدف إلى إسباغ صفة الشرعية على الحكم.

على سبيل المثال، نجد أن الدولة الأيوبية التي حققت نصرها العظيم على مملكة بيت المقدس الصليبية في حطين، عام 583هـ، آثرت أن تتخلى بعد فترة قصيرة عن الغالبية الغالبة من المدن المُحررة، بما في ذلك مدينة بيت المقدس نفسها، رغبةً في توطيد العلاقة مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

وتحدّث الباحث المصري الدكتور قاسم عبده قاسم، عن تلك الواقعة في كتابه "الأيوبيون والمماليك"، وذكر أن ملك صقلية وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فريدريك الثاني، قدم عام 626هـ مع قوة صغيرة من فرسانه إلى بلاد الشام، في التجريدة التي اشتهرت في ما بعد باسم "الحملة الصليبية السادسة"، وعقد بعض المفاوضات مع السلطان الكامل الأيوبي، وفي نهاية المطاف، وافق الكامل على تسليم بيت المقدس، كنوع من أنواع المساندة لفريدريك في حربه ضد البابوية، وبقية القوى الأوروبية المتحالفة ضده.

وتحدّث المؤرخ ابن الأثير، الذي كان معاصراً لوقوع تلك الحادثة، في كتابه "الكامل"، عن موجة الغضب الشعبي العاتية التي اندلعت في البلدان الإسلامية، عقب تسليم بيت المقدس للإمبراطور، وبيّن أن قسماً كبيراً من المسلمين وجّه للكامل، الاتهامات بالخيانة والتقصير والخذلان، لكونه سلّم تلك المدينة المقدسة لأيدي الأعداء.

أما الدولة المملوكية التي حكمت مصر وبلاد الشام لما يقرب من القرنين، فإنها أظهرت نفسها بمظهر المدافع عن الإسلام، وذلك بعدما أوقفت الزحف المغولي في موقعة عين جالوت، عام 658هـ، وتمكّنت من استعادة مدينة عكا، آخر معاقل الصليبيين في المشرق، عام 691هـ، الأمر الذي حدا بالذاكرة الإسلاموية الجمعية لتمجيد ذلك العصر، على أنه عصر القوة والشوكة والعزة، من دون النظر في طبيعة تعامل المماليك مع الرعية من جهة، أو التمعن في كيفية تفاعلهم مع الدين والشريعة من جهة أخرى.

فقد شهدت غالبية فترات العصر المملوكي مخالفاتٍ واضحةً للشريعة، وكان الجور والظلم الملمحَين الأكثر بروزاً، خصوصاً مع تطور النظام الإقطاعي، وزيادة المغارم والمكوس، وفرض الكثير من المظالم المشتركة التي طولبت القرى بدفعها على مدار العام. كل هذا عبّر عنه الباحث المصري البيومي إسماعيل، في كتابه "النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك"، بقوله: "الضريبة في عهد المماليك امتدّت إلى أمور لم تكن موجودةً قبلهم، وشملت كل شيء إلا الهواء الذي أُخلي سبيله وحده، وبقي حراً".

وعن التفاعل مع الدين والشريعة، ذكرت الكثير من المصادر التاريخية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال "الخطط والآثار"، لتقي الدين المقريزي (ت. 845هـ)، و"النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، لابن تغري بردي (ت. 874هـ)، أن العديد من سلاطين المماليك لم يجدوا بأساً في الأخذ بقوانين المغول التي وضعها الزعيم المغولي الأشهر، جنكيز خان، والتي كانت معروفةً باسم الياسق، وأنهم، أي المماليك، كانوا يتعاملون بتلك القوانين في ما بينهم، فيسيرون على ما ورد فيها من دون مخالفة.

وعلى الصعيد الشعبي، أقبل سلاطين المماليك على تعزيز النزعة الصوفية في كلٍّ من مصر وبلاد الشام، إذ رحّبوا بقدوم المشايخ والأولياء من بلاد المغرب، فبنوا لهم المساجد، وأقاموا على قبورهم المزارات والقباب، كما أوقفوا الكثير من الأراضي للإنفاق على الطرق والخلوات والتكايا، الأمر الذي سهّل من انتشار الصوفية، وغلبتهم، وهذه كلها أمور يمجّها العقل السنّي التقليدي الذي اعتاد أن ينظر أصحابه إلى الصوفية على أنها نوع من أنواع الشرك المستتر، أو وثنية قبورية بدعية لا تتفق مع محددات الدين وضوابط السنّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard