التحرش الجنسي داخل الجامعات المغربية... هل يكفي القانون لردع المتحرشين؟

الخميس 13 يناير 202205:20 م

لم تكن القضية التي تم تفجيرها مطلع أيلول/ سبتمبر 2021، على إثر نشر رسائل تحمل طابعاً جنسياً جرى تبادلها بين أستاذ جامعي وطالباته على تطبيق واتساب، إلا نقطة بدايةٍ لسلسلة طويلة من الملفات المتشابهة التي تم فضحها لاحقاً في جامعات مغربية أخرى عدة.

تعود تفاصيل القصة إلى انتشار صور محادثات عبر الواتساب، بين طالبة في جامعة الحسن الأول في مدينة سطات، قريباً من الدار البيضاء، وأستاذٍ جامعي في المؤسسة نفسها، إذ يتوجه هذا الأخير إلى الطالبة بكلام جنسي صريح، وحثّها على التوسط لدى زميلاتها، من أجل القبول بممارسة الجنس معه، هو وأربعة من الأساتذة الجامعيين، مقابل حصولها على علامات جيدة. هذه القضية جرّت إلى الواجهة معها قضايا أخرى، والحبل على الجرار... إذ لا زالت الجامعات المغربية إلى اليوم تستيقظ على ملفات جديدة مرتبطة دائماً بقضية "الجنس مقابل النقط".

فإذا كانت القضية الأولى قد تُوّجت بالمتابعة القضائية لخمسة أساتذة استغلوا الطالبات جنسياً، فإن القضايا الأخرى لا زالت لم تُفضَح بعد، في حين ينتظر بعضها قرار المتابعة نفسه. ففي وقت لاحق، تداول طلبة "المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير"، في مدينة وجدة، صوراً لمحادثات عبر تطبيق المراسلات التابع لفيسبوك، تجمع بين أستاذ في المدرسة نفسها، وبعض طالباته، إذ يقوم بشكل واضح بالتحرش بهن، ومطالبتهن بالاستجابة لرغباته الجنسية، مقابل تمكينهن من النجاح.

من لم يردعه قانون واضح عن ممارسة ذكوريته، لن يثنيه عن ذلك طبعاً "رقم أخضر"، من أجل التبليغ عن التحرش، أو خلية استماع، خصوصاً وأن المشكلة في الجامعات في الأساس أصلها السلطة المطلقة التي يتمتع بها الأستاذ الجامعي، والتي تجعله فوق أي مساءلة

"مدرسة الملك فهد العليا للترجمة" في طنجة، كانت هي الأخرى مسرحاً لـ"فضيحة جنسية" مشابهة، لا تقل خطورةً عن تلك التي شهدتها "كلية الحقوق" في سطات، و"المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير" في وجدة، فقد كشفت طالبة أن أحد أساتذتها قام بالتحرش بها جنسياً، أمام مرأى من زملائها، ما دفع 12 طالباً وطالبةً إلى تقديم شكوى ضده إلى النيابة العامة، ومقاطعة الدراسة إلى أن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة في حقه.

هذه الجرائم والممارسات الحاطّة من كرامة الطالبات، والتي تدخل في إطار العنف المبني على النوع الجنسي (الجندر)، والذي تتعرض له النساء بشكل روتيني، يمسّ بأوضاعهن الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والجسدية، ويسائل جميع مكونات المجتمع المغربي، بدءاً بالأسرة، ووصولاً إلى المؤسسات العمومية التي يُفترض أن تسهر على ضمان السير العادي للدراسة في الجامعات، وتضمن للطالبات حقوقهن على قدم المساواة مع الطلبة، ومع الأساتذة أنفسهم.

والجواب دائماً موجود في الثقافة الذكورية المنتشرة داخل المجتمع المغربي، وداخل أغلب المجتمعات حول العالم، ولن يردع مرتكبيها "رقم أخضر" كهذا الذي وضعته الجامعات من أجل تسهيل التبليغ عن مثل هذه الممارسات، أو فضح بعض الحالات أحياناً، فوفقاً لإحصائية حديثة العهد تعود إلى تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فقد تعرضت 57% من النساء، سنة 2019، إلى عنف مبني على النوع، على الرغم من أن القانون المجرّم لهذه الممارسات دخل حيز التنفيذ قبلها بسنة فقط، وقد أشارت الإحصائية نفسها التي جاء بها تقرير المندوبية السامية للتخطيط، أن الوسط التربوي، مدرسياً كان أو جامعياً، يأتي في المرتبة الثانية لتفشي العنف ضد النساء، بعد الوسط الزوجي.

إن سيادة العقلية الذكورية هي ما تغرس في أذهان المتحرشين أن ما يفعلونه هو حق مطلق لهم، بحكم أن المجتمع في الأساس يمنحهم الحرية للتصرف وفق أهوائهم.

وعليه، فمن لم يردعه قانون واضح عن ممارسة ذكوريته، لن يثنيه عن ذلك طبعاً "رقم أخضر"، من أجل التبليغ عن التحرش، أو خلية استماع، خصوصاً وأن المشكلة في الجامعات في الأساس أصلها السلطة المطلقة التي يتمتع بها الأستاذ الجامعي، والتي تجعله فوق أي مساءلة، إلى درجة أنه يستطيع تدمير مستقبل الطالب بنقطة موجبة للسقوط، من دون أن يحاسبه أحد.

هذه الممارسات، بالإضافة إلى سلطوية أصحابها، تجد لها حافزاً أيضاً في التنشئة الاجتماعية، والثقافة المغربية في بعض البيوت، التي ساهمت ولو بشكل غير مباشر، في تكوين شخصية خنوعة تتفادى التصادم، وتقدّم تنازلاتٍ حتى لو على حساب كرامتها، من أجل قضاء حاجة ما.

وهي المبادئ نفسها التي نجدها منتشرةً بكثرة في الأمثلة الشعبية المغربية، مثل "إذا كانت لك حاجة عند الكلب، نادِه يا سيدي"، و"اليد التي لا تقدر عليها، صافحها... إلى آخره.

اهتراء المنظومة الأخلاقية والعقائدية، وانتشار الأعراف والتقاليد السائدة، هما ما شجعا سلطوية المتحرشين، وأخرسا الضحايا لمدة طويلة، ومحاربة هذه الظواهر تحتاج إلى إصلاح شامل يبدأ بالأساس، ويغير مبادئ الأسر المغربية.

فسيادة العقلية الذكورية هي ما تغرس في أذهان المتحرشين أن ما يفعلونه هو حق مطلق لهم، بحكم أن المجتمع في الأساس يمنحهم الحرية للتصرف وفق أهوائهم، ويدعم سلوكهم عبر منظومة كاملة من القيم والأعراف والتقاليد والتربية غير السليمة التي ترسّخ لدى الطفل/ الذكر، كل ما سبق ذكره.

لا حل يمكنه الوقوف في وجه طوفان الضياع الفكري، والانحلال الأخلاقي الذي تعرفه الجامعات، وموجة التحرش الجنسي التي غزتها، سوى اجتثاث هذه المنظومة من جذورها، وإعادة النظر في المعايير التربوية ومبادئ التنشئة الاجتماعية، بشكلٍ يضمن لنا أن أطفال اليوم/ مواطني المستقبل، سيكونون على قدر من الوعي بحقوقهم والقوانين التي تحميهم، مما يمكنهم من الدفاع عن حقوقهم، وفضح ما يجب فضحه في حينه من دون أن يلجمهم عن ذلك عرف أو تقليد.

هذا ما يجب التركيز عليه حالياً: ورشات وتكوينات، وإعلانات توعوية في الشارع العام، وفي التلفزة، وعلى الإنترنت، تقنع النساء ضحايا التحرش بأن المسؤولية المعنوية لا تقع عليهن، وبأن معاقبة الجاني هي ضرورة لحماية المزيد من الضحايا المحتملين

وهو العمل الذي يقوم به حتى الساعة على أكمل وجه، "ائتلاف 290 من أجل الحريات الفردية"، من خلال تشجيعه لضحايا التحرش والابتزاز على فضح ما تعرضوا له، وتوفيره للترسانة القانونية والاجتماعية من أجل دعم الضحايا نفسياً وعملياً، حتى وإن كان هذا المجهود الجبار أحياناً يذهب سدى، نتيجةً لبعض التصرفات غير المفهومة التي يرسّخها الجهل، وأيضاً قصور التوعية القانونية، مثل أن تتنازل إحدى الطالبات الضحايا لأستاذ متحرش، مقابل مبلغ مالي.

وهذا ما يجب التركيز عليه حالياً: ورشات وتكوينات، وإعلانات توعوية في الشارع العام، وفي التلفزة، وعلى الإنترنت، تقنع النساء ضحايا التحرش بأن المسؤولية المعنوية لا تقع عليهن، وبأن معاقبة الجاني هي ضرورة لحماية المزيد من الضحايا المحتملين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard