كيف استخدم الحرس الثوري الإيراني المساعدات الطبية جسراً ضد الوجود الأمريكي في ليبيا؟

الأربعاء 5 يناير 202212:19 م

لم يكن ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني الأسبق، علي أكبر صالحي، مؤخراً، عن أنشطة عسكرية لفيلق القدس في ليبيا، وتقديم خدمات لمجموعة ليبية تحت غطاء الهلال الأحمر الإيراني، مفاجئاً على الاطلاق.

صالحي الذي  يعرف أكثر من غيره حقيقة ما حدث، قال في تصريحات لوسائل إعلام إيرانية، إنه رأى خلال زيارته إلى ليبيا عام 2011،  مساعدات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لجرحى الثوار خلال الحرب الأهلية الليبية، تحدّث أيضاً عن مرافق أنشئت بمساعدة الهلال الإيراني.

لم تكن تلك هي أول مرة يوجه فيها مسؤول إيراني اتهاماتٍ إلى الهلال الأحمر الإيراني باستخدامه كغطاء للعمليات، إذ سبق وأن كشف الضابط المتقاعد في الحرس الثوري الإيراني، سعيد قاسمي، أن الأخير كان يدخل البلاد تحت غطاء الهلال الأحمر.

لاحقاً، ستخبرنا إحدى رسائل البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، بأن الحرس الثوري الإيراني استغلّ الهلال الأحمر الإيراني كغطاء لتهريب أسلحة وعملاء إلى دول عدة، من بينها لبنان.

كان صالحي شاهداً على تفاصيل تورّط الحرس الثوري الإيراني في ليبيا، بحكم موقعه وقتها كوزير لخارجية إيران، وما اقتضاه من اتصالات مع أطراف ليبية عدة فاعلة في المشهدين العسكري والسياسي آنذاك.

لم تكن تلك هي أول مرة يوجه فيها مسؤول إيراني اتهاماتٍ إلى الهلال الأحمر الإيراني باستخدامه كغطاء للعمليات، إذ سبق وأن كشف الضابط المتقاعد في الحرس الثوري الإيراني، سعيد قاسمي، أن الأخير كان يدخل البلاد تحت غطاء الهلال الأحمر

أصل القصة

بحلول الساعة الواحدة صباحاً من اليوم الأخير لشهر تموز/ يوليو من عام 2012، وبينما كان وفد يضم سبعة عناصر تم تقديمهم على أنهم تابعون للهلال الأحمر الإيراني، يغادر مقرّ الأمانة العامة لجمعية الهلال الأحمر الليبي في مدينة بنغازي شرق ليبيا، قامت مجموعة مسلحة في موكب يضم سيارات عدة باختطاف الوفد الذي كان في طريقه إلي مقر إقامته في فندق تيبستي في المدينة، واقتادتهم إلى جهة غير معروفة.

بيان جمعية الهلال الأحمر الليبي آنذاك، الذي أوضح أن سائق الوفد، وهو متطوع ليبي، لم يُختطَف، طالب بإطلاق سراح الوفد، وأشاد بالجهود التي قدموها من دعم ومساندة خلال ثورة 17 شباط/ فبراير التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وعلى الرغم من أن البيان لم يشِر إلى تلك الجهود، وماهيتها، بقيت مسألة عدم اعتقال سائق الوفد الإيراني مؤشراً على احتمال تورطه في الحادث، أو على الأقل ارتباطه بالمجموعة التي داهمت الوفد، واعتقلته.

كانت عملية الاختطاف مثيرةً للانتباه، خاصةً أنها أتت عقب وصول الوفد الإيراني إلى بنغازي، بيوم واحد فقط، بدعوة من الهلال الأحمر الليبي لبحث "أوجه التعاون المختلفة في مجال العمل الإنساني".

روايات متعددة

في حينه، رأت منظمة العفو الدولية الحادث أمراً "يبعث على القلق العميق"، ودعت الخاطفين إلى إطلاق سراحهم فوراً، وبلا أي شروط.

في روايتها لما حدث، قالت المنظمة إن مجموعةً من المسلحين المجهولين اعترضت سبيل الوفد الإيراني في أحد شوارع بنغازي، واقتادتهم إلى مكان غير معروف، من دون أن تبرز أي أمرٍ رسمي بالقبض عليهم، مشيرةً الى أن الخاطفين لم يتعرّضوا لسائق السيارة الليبي بسوء، وتركوه يمضي إلى حال سبيله.

الاتصالات التي أجراها الأمين العام للهلال الأحمر الليبي، عبد الحميد المدني، بجميع الجهات الأمنية والعسكرية والمدنية المعروفة في بنغازي، لم تحدد مكان الوفد الإيراني على وجه الدقة، أو تكشف عن هوية خاطفيهم.

كان صالحي شاهداً على تفاصيل تورّط الحرس الثوري الإيراني في ليبيا، بحكم موقعه وقتها كوزير لخارجية إيران، وما اقتضاه من اتصالات مع أطراف ليبية عدة فاعلة في المشهدين العسكري والسياسي

وزير الخارجية الإيراني، على أكبر صالحي، طالب الحكومة الليبية مجدداً بضمان عملية إطلاق سراح الوفد، عبر اتصال هاتفي بنظيره الليبي عاشور بن خليل، الذى طمأنه بشأن جهود تبذلها حكومته للإفراج عن الوفد الإيراني.

قيل لاحقاً إن ثواراً ليبيين سابقين ينتمون إلى كتيبة تضمّ إسلاميين معروفين بالتشدد، حققوا مع أعضاء الوفد الإيراني حول مدى تورطهم في نشر المذهب الإسلامي الشيعي في ليبيا، وتلقّى الفريق الإيراني معاملةً حسنةً، ولم يتم التعرض لهم بأي إساءة من الكتيبة.

مساعد وزير الداخلية الليبي السابق، ونيس الشارف، قال إن الخاطفين طالبوا إيران بالتدخل لدى الحكومة العراقية لإطلاق سراح عشرات الليبيين المعتقلين في السجون العراقية.

وبعد أسابيع عدة، وفي السادس من شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية الليبية الإفراج عن الإيرانيين السبعة، ومغادرتهم بنغازي إلى تركيا، ومنها إلى إيران، حيث "كانوا بصحة جيدة وسعداء بالعودة إلى ديارهم"، حسب وصفه.

الرواية الأمريكية

في شهر آب/ أغسطس من عام 2020، كشفت وثائق جديدة عن تورّط إيران بشكل مباشر في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2012، التي استهدفت القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي، وراح ضحيتها أربعة أمريكيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز في ليبيا.

في تقرير كتبه كينيث تيمرمان، في صحيفة نيويورك بوست، كشف عن وجود أكثر من 50 وثيقةً حذّرت من عمليات للاستخبارات الإيرانية في بنغازي، وتنبّأ بعضها بهجمات إيرانية على المنشآت والمواقع الدبلوماسية الأمريكية.

ووفقاً للتقرير، فإن عملاء مختلف الجهات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، كانوا يراقبون في بنغازي وطرابلس النشاط الإيراني في بنغازي، قبل أشهر من الهجوم، تحدثتوا عن "أن عملاء فيلق القدس الإيراني كانوا يسيرون علانيةً في شوارع بنغازي في الأيام الأولى للانتفاضة ضد القذافي".

ورصدت المخابرات الأمريكية هجوماً يعدّه الإيرانيون على المجمع الأمريكي في بنغازي، عبر ميليشيا أنصار الشريعة المدعومة من إيران، والتي تلقّت تمويلاً من طهران.

وكلّف الإيرانيون اللبناني خليل حرب، من قيادة  ميلشيات حزب الله اللبناني، بتجنيد هذه الميلشيا وتدريبها، وتجهيزها، وبعد وقت قصير من هجوم بنغازي، ظهر اسمه في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية ترصد فيه مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار، مقابل معلومات أدّت إلى اعتقاله.

وانعطافاً على قصة وفد جمعية الهلال الإيراني، فإن التقرير كشف عن إرسال إيران ضابطاً كبيراً في الحرس الثوري، يُدعى الجنرال مهدي رباني، إلى بنغازي، تحت غطاء الفريق الطبي التابع للهلال الأحمر الإيراني.

في هذا التوقيت، كشف السفیر الإیراني في لیبيا، حسين أكبري، عن إجراء اتصالات مع مجموعة مسلحة تحمل اسم لواء 17 شباط/ فبرایر، اتّهمها باختطاف الوفد الإیراني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard