العلاقات الإيرانية القطرية: تاريخ من المصالح المشتركة

الأربعاء 14 يونيو 201712:04 م
قبل أيام، استيقظت الشعوب العربية على خبر قطع عدد من الدول العربية لعلاقاتها مع دولة قطر. لم تكن الخطوة مفاجئة، فقد تم استباقها بمجموعة من التراشقات الإعلامية والرسمية ما بين قطر من جهة والدول المقاطعة لها من جهة أخرى. ورغم أن الأسباب المعلنة لتلك القطيعة تتضمن أموراً مختلفة، بدءاً من دعم الجماعات الإرهابية والتكفيرية في المنطقة ونهاية بشق الصف الخليجي، فإن الكثيرين من المحللين اعتبروا أن السبب الرئيسي يكمن في العلاقات التي تربط الدوحة بالعاصمة الإيرانية طهران، إذ أدى نمو وتطور تلك العلاقات في السنين الأخيرة إلى إثارة المخاوف الخليجية من اختراق الجار الفارسي لتخومه العربية.

العلاقات السياسية

كان غنى منطقة الخليج بالموارد الطبيعية النفطية سبباً في إبرام إيران اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع قطر وتقسيم الجرف القاري بين الدولتين بتاريخ 20 سبتمبر 1969. وفي عام 1971، حصلت قطر على استقلالها السياسي، وكانت علاقتها السياسية في ذلك الوقت هادئة بالشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، مثلها مثل علاقات باقي الدول الخليجية به. ولكن بعد اندلاع الثورة في إيران والإطاحة بالشاه وإقرار نظام الحكم الإسلامي في إيران، عام 1979، بدأت حالة من العداء الصريح ما بين إيران من جهة وحكام الخليج من جهة أخرى، واعتاد آية الله الخميني انتقاد الحكام العرب ووصفهم بالخيانة والتآمر والخضوع لأمريكا. وظهر ذلك أثناء حرب الخليج الأولى (1980-1988)، حين وقفت قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي في موقفها المساند للجارة العربية، ودعمت العراق ووقفت في صف رئيسه الأسبق صدام حسين في حربه ضد إيران، وتُرجم ذلك الدعم في تقديم الكثير من القروض والمنح للنظام العراقي. يمكن أن نلمح الانفراجة الأولى في العلاقات ما بين قطر وإيران، عام 1992، حين ساهم الخلاف الحدودي بين السعودية وقطر على منطقة الخفوس، في تطبيع العلاقات الثنائية بين طهران والدوحة، بعدما استغل الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني ذلك الخلاف وأعلن مساندة إيران لقطر، ما حدا الأمير القطري خليفة بن حمد آل ثاني، جد الأمير الحالي، إلى إرسال رسالة شكر له لموقفه الداعم لقطر. وفي بدء عام 1999، قام الرئيس الإيراني محمد خاتمي بزيارة مهمة إلى الدوحة. يؤكد الدكتور عرفات علي جرغون في كتابه "العلاقات الإيرانية الخليجية: الصراع، الانفراج، التوتر"، أن تلك الزيارة شهدت "توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات مختلفة، أهمها التفاهم حول عدد من القضايا السياسية الإقليمية والدولية، وإدانة الدولتين لظاهرة الإرهاب، وضرورة التمييز بين العمليات الإرهابية والمقاومة المشروعة". وشهدت تلك الزيارة أيضاً دعم إيران للدوحة لاستضافة مؤتمر القمة الإسلامية حينها. وكان أحد الآثار المهمة لتلك الزيارة التنسيق بين الطرفين لدعم حركة حماس الفلسطينية، وهو الأمر الذي صار من أقوى نقاط التقارب بين الدولتين في الفترة اللاحقة.
قطر وإيران... أحمدي نجاد كان أول رئيس أجنبي يحضر قمة دول مجلس التعاون الخليجي، بدعوة من قطر
عام 2010، ​استقبلت الشواطئ القطرية سفناً عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني...
في عام 2000، قام أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، بزيارة إلى طهران، وكانت تلك الزيارة هي الأولى التي يقوم بها حاكم دولة خليجية إلى الدولة الفارسية منذ اندلاع الثورة الإسلامية والإطاحة بحكم الشاه.

وفي عام 2006 قام الأمير القطري بزيارة أخرى إلى العاصمة الإيرانية، وظهر أثر التقارب الناتج عنها في يوليو من العام نفسه، عندما كانت قطر العضو الوحيد، من بين 15 عضواً في مجلس الأمن، الذي صوت ضد قرار المجلس رقم 1696 والذي طالب إيران بوقف العمل في برنامجها النووي.

ودعت قطر آنذاك إلى حل كافة القضايا والخلافات بين الدول بالطرق السلمية، معربةً عن أن من حق إيران امتلاك برنامج نووي سلمي وفي الوقت نفسه من حق المنطقة أيضاً أن تعيش في أمن واستقرار.

بلغ التعاون بين الدولتين ذروته في ديسمبر 2007، عندما قامت قطر بتوجيه دعوة رسمية للرئيس الإيراني المنتخب محمود أحمدي نجاد، لحضور مؤتمر قمة الخليج الثامنة والعشرين في الدوحة كضيف شرف، وكان نجاد أول رئيس دولة أجنبية يحضر تلك القمة، ما أثار دهشة بعض الدول الخليجية واستهجانها. وفي مايو 2017، وبعد فوز حسن روحاني بولاية رئاسية ثانية في إيران، حرص الأمير تميم بن حمد آل ثاني على الاتصال به لتهنئته، وأكد على "ضرورة توسيع العلاقات الثنائية خاصة مع عدم وجود أي عائق أمام تطويرها"، بينما أكد الرئيس روحاني، في المقابل أن جميع الشروط مؤاتية لتوسيع أفق التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية مؤكداً على ضرورة ذلك. [timeline/]

العلاقات الاقتصادية

العلاقات السياسية الهادئة بين البلدين بعد حرب الخليج الأولى، ألقت بظلال إيجابية على العلاقات الاقتصادية بينهما. وبحسب ما يذكر عرفات علي جرغون في كتابه "قطر وتغيير السياسات الخارجية: حلفاء وأعداء"، نما التبادل التجاري بين الدولتين باطراد في السنوات الأخيرة، حتى وصل إلى ما يزيد عن 500 مليون دولار عام 2010، مع توقعات بمضاعفة ذلك الرقم في السنين المقبلة. العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تقتصر على التبادل التجاري، بل تمتد أيضاً إلى التنسيق حول الاستثمار المشترك للثروة الغازية في الجرف القاري، حيث أنهما يشتركان في عدد من الحقول الغازية الضخمة، ومن أهمها حقل غاز الشمال، الذي تصفه تقارير الوكالة الدولية للطاقة بأكبر حقل غاز في العالم إذ يضم 50.97 تريليون متر مكعب من الغاز، وتبلغ مساحته نحو 9,700 كيلومتر مربع منها 6,000 في مياه قطر الإقليمية و3,700 في المياه الإيرانية. وقد قام الجانبان بتوقيع اتفاقية بخصوص تنظيم العمل المشترك بالحقل في عام 2015.

inside-QatarIranHistory1

ويمتد التعاون بين البلدين إلى بعض الأفكار المبتكرة والجديدة كذلك. فعقب حرب الخليج الثانية، أسهمت مشاريع المياه المقترحة بين إيران وقطر في تعزيز العلاقات المشتركة بينهما.

فانطلاقاً من رغبة إيران في إعادة توثيق علاقاتها من جديد مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولمحاولة كسر جدار العزلة المفروضة عليها، عرضت الحكومة الإيرانية على قطر مشروعاً طموحاً يهدف إلى تزويدها بالمياه العذبة عبر مد شبكة أنابيب، تبدأ من نهر الكارون الواقع جنوب غرب إيران في منطقة الأحواز ثم تمتد مع محاذاة الساحل الإيراني مروراً تحت مياه الخليج وصولاً في النهاية إلى قطر، بهدف مساعدتها في حل مشكلتها المائية.

وبحسب ما يذكره الباحث ريان ذنون العباسي في بحث بعنوان "إيران ومشروع تزويد قطر بالمياه"، التقى وزير الكهرباء والماء القطري مع نظيره الإيراني عام 1995 وعقدا سلسلة من المباحثات تناولت إمكانية قيام إيران بتأمين ما تحتاجه قطر من المياه العذبة، وهو الأمر الذي جرى التفاهم بشأنه في المحادثات الثنائية بين زعماء الدولتين لأكثر من مرة بعدها، وإن لم يتحقق بشكل عملي على أرض الواقع حتى الآن.

العلاقات الأمنية والعسكرية

بعكس الملفين السياسي والاقتصادي اللذين يشهدان غلبة واضحة للاتجاهات التنسيقية والتوافقية، يشتمل الملف الأمني والعسكري للعلاقات ما بين إيران وقطر على الكثير من الأحداث التي قد يُفهم منها ودية العلاقات بينهما في بعض الأحيان وتدهورها في أحيان أخرى.

ويمكن القول إن هناك تفاهماً بين الطرفين في ما يتعلق بالعلاقات الثنائية، بينما يوجد تضارب في المصالح في ما يخص الرؤى الإستراتيجية والإقليمية، خصوصاً في مناطق النزاع والقتال في سوريا والعراق واليمن.

ففي ديسمبر من عام 2010، وبحسب ما أعلنت بعض الوكالات الإعلامية الإيرانية، استقبلت الشواطئ القطرية سفناً عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، وحملت تلك السفن قيادات عسكرية إيرانية لإجراء لقاءات من أجل التوصل إلى تفاهمات أمنية مع الجانب القطري، وحضر الاجتماع سفير إيران في قطر والممثل العسكري في السفارة وانتهى إلى توقيع اتفاقية أمنية بين البلدين.

inside-QatarIranHistory

وفي أكتوبر عام 2015، أعلنت وكالة "الجمهورية الإسلامية للأنباء"، توقيع اتفاق عسكري بين البلدين، تحت مسمى "مكافحة الإرهاب والتصدي للعناصر المخلة بالأمن في المنطقة"، ووقعه كل من قائد حرس الحدود الإيراني قاسم رضائي ومدير أمن السواحل والحدود في قطر علي أحمد سيف البديد، وشهد ذلك الحدث توقيع اتفاقية تعاون لـ"حماية الحدود المشتركة"، كما شمل "إجراء تدريبات عسكرية مشتركة ما بين قوات البلدين". السمة الواضحة التي تميز الاتفاقات السابقة، أن معظمها أُعلن عنه من الجانب الإيراني، بينما لم تحاول الدوحة التباهي بها، خشية إثارة ردود الأفعال السعودية الغاضبة. في المقابل، ألقت المصالح الأمنية المتشابكة والمتعارضة بين إيران وقطر بظلالها القاتمة على المشهد في بعض الأحيان. ففي ديسمبر من عام 2015، تم اختطاف مجموعة من القطريين في العراق، ووجهت سهام الشك لمجموعات حزب الله العراقية وحلفائها من كتائب الحرس الثوري الإيراني، وبالتحديد لقائد فيلق القدس قاسم سليماني. وبعد احتجاز لمدة تزيد عن العام، تم إطلاق سراح المحتجزين في إبريل الماضي، بعدما ترددت بعض الأقاويل عن لقاء وزير الخارجية القطري بسليماني وحدوث اتفاق بينهما في ما يخص المختطفين.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard