الشمال السوري... حتى الاستجابة الإغاثية صارت رفاهة!

الثلاثاء 21 ديسمبر 202101:59 م

هُجّر على مدى السنوات الماضية، معظم من ثار على النظام السوري، إلى شمال سوريا، وتحديداً إلى إدلب وشمال حلب التي تضم أعزاز وعفرين والباب وجرابلس، كأكبر تجمّعات سكانية، إذ يسكن فيها قرابة أربعة ملايين شخص، يعيشون أوضاعاً اقتصادية ليست جيدةً، في ظلّ انعدام مصادر الدخل، من زراعة وصناعة وغيرهما، واعتمادها الأكبر على المساعدات الإنسانية والسلع التجارية من معبر باب الهوى الذي تسيطر عليه هيئة تحرير الشام، ومعبر باب السلامة الذي يسيطر عليه الجيش الوطني.

تعرّض الشمال السوري خلال السنتين الماضيتين، وتحديداً منذ نهاية 2019 حتى بداية 2020، لحملةٍ عسكريةٍ من قبل قوات النظام الذي استطاع نتيجة القصف الممنهج، وبدعم من ميليشيات إيران وروسيا، احتلال مناطق واسعة وجديدة من محافظه إدلب، والسيطرة على طريق m5، أوتستراد حلب-دمشق، ومناطق من أرياف حلب الجنوبية والغربية، ثم جاء اتفاق 5 آذار/ مارس عام 2020، بين الأتراك والروس الذي لم يقدّم أيّ جديد للّاجئين.

خلال عشرة أسابيع فقط، ومنذ الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2019، نزح نحو 950 ألف شخص من منازلهم في إدلب والمناطق المحاذية لها

رافقت الحملة العسكرية أكبر موجة نزوح منذ بداية الأحداث في سوريا، إذ قال المتحدث الإقليمي باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، ديفيد سوانسون: "خلال عشرة أسابيع فقط، ومنذ الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2019، نزح نحو 950 ألف شخص من منازلهم في إدلب والمناطق المحاذية لها".

يقول نائب مدير إدارة الدفاع المدني السوري، منير مصطفى، إنه "منذ سنتين تقريباً، ومع بداية ظهور فيروس كورونا ومتحوراته في دول العالم، بدأنا نشهد سلسلةً من المعاناة التي لم يُشهد لها مثيل، لتُضاف إلى معاناة المجتمع السوري مع القصف والقتل الممنهج اللذين كان يمارسهما النظام وحلفاؤه"، مشيراً إلى أنه "ما زاد المعاناة أكثر، هو انشغال المجتمع الدولي بالتصدي لانتشار هذا الوباء، ووضع أولوية الاستجابة الإنسانية والسياسة للوضع المعيشي في سوريا كأولوية متأخرة، وليست على قائمة الاستجابة الأولية لهذه الدول".

في ظلّ كل هذه الظروف الصعبة،  كان هناك من يستغلّ انشغال دول العالم بالتصدّي لهذا الوباء، بممارسة كافة أساليب القتل والقصف لتحقيق مكتسبات عسكرية وسياسية

وأضاف في حديث إلى رصيف22: "في ظلّ كل هذه الظروف الصعبة، والمعاناة المضاعفة، كان هناك من يستغلّ انشغال دول العالم بالتصدّي لهذا الوباء، بممارسة كافة أساليب القتل والقصف لتحقيق مكتسبات عسكرية وسياسية، في ظلّ الانشغال الكبير لهذه الدول، وتحت شعار تخفيض التصعيد ضمن هذه المناطق. وكان ولا يزال العديد من السكان المدنيين يلقون مصرعهم على يد النظام وحلفائه، بكافة أنواع الأسلحة، ومنها المحرًم دولياً".

وأشار مصطفى إلى أن "ما يزيد هذه المعاناة، هو وضع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، معاناة الشعب السوري كأولوية متأخّرة، إذ يجهد الدفاع المدني السوري والمنظّمات العاملة في الشأن الإنساني لتقديم ما يُمكنهم، وضمن إمكاناتهم المحدودة، فيما المطلوب استجابة أوسع من المجتمع الدولي، لمواجهة حملات التهجير التي باتت تؤرّق معظم دول العالم".

سوريا خارج الأولويّات

يقول الناشط السياسي، عبد الكريم العمر، لرصيف22: "منذ ثلاث سنوات، تغيّرت المواقف الدولية تجاه القضية السورية، فعلى الرغم من أنه لا تزال هناك دعوات مستمرة دائماً، وأحاديث عن تنفيذ الحلّ السياسي، إلا أن المجموعة الدولية لم تعد تبذل هذه الجهود، فلم يعد الموضوع السوري يشكّل أولويةً لدى الأمم المتحدة، أو الإدارة الأمريكية والأوروبيين، والموضوع أصبح يقتصر على الجانب الإنساني".

المجموعة الدولية لم تعد تبذل هذه الجهود، فلم يعد الموضوع السوري يشكّل أولويةً لدى الأمم المتحدة، أو الإدارة الأمريكية والأوروبيين

وقالت نائبة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، إيما نيكلسون، في شباط/ فبراير من العام 2021، إن "قضية سوريا لم تعد ضمن الأولويات الدولية، وهذا انعكس سلباً على السوريين في ظلّ دعم روسيا وإيران المستمرّ لقوّات النظام الذي يهدد بين الحين والآخر، عبر القصف الجوي الروسي المدفعي والصاروخي، مناطق شمال غرب سوريا".

وبخلاف قطر، التي لا تزال رافضةً للتطبيع مع النظام السوري، من دون أن تُقفل الباب تماماً أمامه، أعادت دول عربية العلاقات معه في السنوات الأخيرة، كالإمارات ومصر والبحرين والأردن، بالإضافة إلى إعلان دول أوروبية نيّتها إعادة فتح سفاراتها في دمشق.

 أعادت دول عربية العلاقات مع سوريا في السنوات الأخيرة، كالإمارات ومصر والبحرين والأردن، بالإضافة إلى إعلان دول أوروبية نيّتها إعادة فتح سفاراتها في دمشق

وكانت الجامعة العربية قد علّقت عضوية سوريا، في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ودعت إلى سحب السفراء العرب من دمشق، إلى حين تنفيذ النظام كامل تعهداته في توفير الحماية للمدنيين، إلا أن هذا الأمر تغيّر الآن مع ترجيح قيام الجزائر بدعوة النظام إلى القمة العربية المزمع عقدها في شباط/ فبراير المقبل.

يقول العمر: "الواضح حتى اللحظة في السياسة الأمريكية، وفي السياسة الدولية تجاه سوريا، هو الإهمال التام للموضوع السوري، فلم يعد أولويةً، والمعاناة مستمرة في غياب أيّ أفق للحلّ".

عجز الاستجابة الإنسانية

يقول مدير منظمة "ريليف" الإغاثية، عبد الرزاق عوض، في حديثٍ إلى رصيف22: "انخفضت المساعدات الإنسانية بشكلٍ ملحوظ في السنتين الأخيرتين في شمال سوريا، من قبل المنظّمات الدولية سواء من الاتحاد الأوروبي، أو أمريكا، أو بريطانيا، والسبب الواضح هو جائحة كورونا وتأثيرها على الجانب الاقتصادي، وتالياً على الضرائب وحجم المساعدات وصندوق التمويل الذي تم جمعه من الضرائب".

ويضيف: "ترافق ذلك مع النزوح الأخير في الشمال السوري، في مطلع العام الفائت، من أرياف سراقب ومعرة النعمان ومعظم ريف حلب الغربي والجنوبي، الأمر الذي زاد الحاجات الإنسانية، وترافقت هذه المأساة مع انخفاض الدعم الملحوظ، الأمر الذي جعلنا في حالة عجز واضح عن تلبية كافة الاحتياجات الإنسانية".

وأعلن فريق "منسّقو استجابة سورية"، أنّ نسبة الاستجابة الإنسانية في مخيمات الشمال السوري، خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، انخفضت مقارنة بالأشهر السابقة بسبب الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات المطلوبة، وعمليات التمويل المتوفرة".

نسبة الاستجابة الإنسانية في مخيمات الشمال السوري، خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، انخفضت مقارنة بالأشهر السابقة بسبب الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات المطلوبة، وعمليات التمويل المتوفرة


وأوضح الفريق أنّ "نسبة الاستجابة الإنسانية ضمن المخيّمات، وتشمل التوزيع الدوري وتعويض الأضرار السابقة، بلغت 41 في المئة لقطاع الأمن الغذائي، وسبل العيش، و21 في المئة لقطاع المياه، و22 في المئة لقطاع الصحة والتغذية، و34 في المئة لقطاع المواد غير الغذائية، و32 في المئة في ما يتعلق بالمأوى (تأمين الخيم للمخيمات العشوائية)، و23 في المئة لقطاع الحماية، بالإضافة إلى 19 في المئة لقطاع التعليم".

وأشار إلى أن "قطاعَي الصحة والتعليم يعانيان دائماً من مشكلات كبيرة، ويتعرّضان للاستهدافات، بشكلٍ متكرر، من قبل قوات النظام وروسيا، وكانت منظمتا كومينكس (المنحة الأوروبية-البريطانية للتعليم في الشمال المحرر)، وقطر الخيرية، تدعمان القطاع التعليمي في السابق بشكلٍ أكبر، لكن انخفاض الدعم من قِبلهما، ومن قِبل بعض المنظمات الأخرى، أصبح كبيراً وواضحاً في الوقت الحالي، والمعلّم لا يحصل على حقوقه".

الانتهاكات في ازدياد

حسب أرقام الدفاع المدني السوري، فإن "الاستهدافات الكلّية التي تعرّضت لها مناطق شمال سوريا بالقصف في 2020، بلغت 3،783، وعدد القتلى 153 طفلاً، و553 امرأةً، و76 رجلاً، وأعداد المصابين بلغت 436 طفلاً، و1،382 امرأةً، و265 رجلاً، أما في عام 2021، ولغاية تشرين الثاني/ نوفمبر، فبلغ عدد القتلى 74 طفلاً، و291 امرأةً، و176 رجلاً، في حين بلغ عدد المصابين 835 امرأةً، و174 طفلاً، و547 رجلاً.

الاستهدافات الكلّية التي تعرّضت لها مناطق شمال سوريا بالقصف في 2020، بلغت 3،783، وعدد القتلى 153 طفلاً، و553 امرأةً، و76 رجلاً، وأعداد المصابين بلغت 436 طفلاً، و1،382 امرأةً، و265 رجلاً

وتقول هيومن رايتس ووش: "في إدلب، بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 2020، تسببت هجمات النظام وروسيا في مقتل 112 شخصاً على الأقل، وإصابة 359 آخرين تقريباً، وتدمير المدارس والمنشآت الصحية، واستخدمت الذخائر العنقودية في هجومين على مدارس في مدينة إدلب في شباط/ فبراير".

وبحلول آذار/ مارس 2020، أوقفت 84 منشأةً طبية عملياتها في محافظتي إدلب وحلب، حسب "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية"، وقالت منظمة "إنقاذ الطفولة"، إن 217 مدرسةً هُجّرت أو تضرّرت جرّاء النزاع في إدلب، بين كانون الأول/ ديسمبر 2019، وآذار/ مارس 2020.

وسجّل تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مقتل 3،039 مدنياً، بينهم 924 طفلاً، و656 امرأةً على يد قوات التحالف الدولي، منذ تدخّلها العسكري في سوريا في 23 من أيلول/ سبتمبر لعام 2014، وحتى 2020.

وطبقاً للتقرير، فقد تمّ تسجيل ما لا يقلّ عن 172 مجزرةً ارتكبتها قوات التحالف الدولي، وما لا يقلّ عن 181 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 25 حادثة اعتداء على مدارس، و16 حادثة اعتداء على منشآت طبية، وأربعة حوادث اعتداء على أسواق. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard