عن النقد المبدع والنقد المدرسي أمام "الطفح الثقافي"... مشروع شهادة (2)

الثلاثاء 21 ديسمبر 202104:45 م

النقاد منارات، ولكن أعمالهم ليست علامات إرشادية، فلا هم معلمون يعطون الإبداع درجة مئوية، ولا الكتاب تلاميذ تخفق قلوبهم خشية الرسوب. يزعجني وصف النقد بالبناء أو الهدّام، ولا أحب أن تلحق النقدَ أيُّ صفة، فمن شأن النقد ألا يُطمْـئِن الكتّاب، وإن استراح كتّاب لهذا النوع من النقد، واستكانوا إلى طمأنينة خادعة، فيفرحون بهذا النقد ويرونه بنّاءً، ويتهمون غيره بأنه هدّام. لا تفيدني الحفاوة المجانية، ولا تسعدني الإشادة. ما لم تقلقني مفاجآت الناقد وبصيرته ورؤاه وقراءته لما لم أفطن إليه في نصّي فلن أستفيد شيئاً.

لا أردد مع البعض المقولة الساذجة "كلهم أولادي"، وأنظر إلى مجموعتيّ القصصيتين الصادرتين في عامي 1993 و1998، وروايتيّ "حديث الجنود" 1996، و"باب السفينة" 2002 كتدريب على الجملة. وأتمنى لو حذفت الأربعة من السجل، لتكون البداية "أول النهار". وليت "أول النهار" وهبتني يقيناً؛ فلكلّ عمل بعدها نصيبه من التوتر، كأنه العمل الأول. ولولا النقد الذكي، القاسي، المزعج، "الهدّام"، ما حدثت هذه الانتقالات.

لثلاثية أوزير، متفرقة، أنصبة وافرة من استحسان أجيال من النقاد العرب، منهم د. محمد حافظ دياب، يوسف الشاروني، فتحي أبو رفيعة، د. محمد المهدي بشرى، عذاب الركابي، علاء عبد الهادي. وللثلاثية نفسها، مجتمعة، حظوظ من النقد، أقل عدداً بالطبع، وبالدراسات التي قرأت العمل بعد اكتمال أجزائه أعدتُ اكتشاف النص من مقعد القراء. ومن مقعد القراء أتوجه بالتحية إلى كتّاب هذه الدراسات: الشاعر محمود قرني، والدكتور عمار علي حسن، والدكتور حمزة قناوي، والناقدة اللبنانية الدكتورة سمية عزام.

يزعجني وصف النقد بالبناء أو الهدّام، ولا أحب أن تلحق النقدَ أيُّ صفة، فمن شأن النقد ألا يُطمْـئِن الكتّاب

ولكن بعضاً من هذا كان محكوماً بمصادفات، وما هكذا يورد النقد. لا يليق بناقد أن تخضع اختياراته لما يهدى إليه من أعمال عن طريق المؤلفين أو دور النشر، ولن يتمتع الناقد بالنزاهة إذا استبعد عملاً جيداً، لاختلافه في الرأي مع مؤلفه. أفترض أن يعمد الناقد، متجرداً من الأهواء والضعف الإنساني، إلى إجراء سياحة أقرب إلى مسح بانورامي، لاختيار ما يمس شيئاً في نفسه، استناداً إلى معيار منهجي أو جمالي، فيكون انتقاء العمل الإبداعي في حدّ ذاته شهادة بجدارته الإبداعية.

ولكن المشهد مرتبك، وأسهم النقاد في مراكمة هذا الارتباك، فالأعمال غزيرة، وبعضها متواضع نشر بتمويل مؤلفيه، وخصوصاً من أدركتهم حرفة الأدب، ولديهم فائض من الأموال وفراغ ما بعد التقاعد، وأسهموا في تحقيق خشية الدكتور شكري عياد من انسداد المجرى، بحدوث "طفح ثقافي" ما كان له أن يقع لو كان لدينا "شيخ حارة" ذو مصداقية، يكتب عن عمل فتكون الكتابة شهادة، أو يهمله فيبحث صاحبه عن مهنة أخرى أكثر إفادة له، ويعفي الكتابة من هذا "الطفح".

قلت إنني لا أسأل أحداً عما إذا كان قد قرأ رواية طلبها. ولكن ناقداً وحيداً صارحني بأنه قرأ ثلاثية أوزير، ولن يكتب. قلتُ: طيب. ولم أسأل عن السبب. فأوضح أنه لا يريد أن يبدو مهزوماً أمام عمل يحتاج إلى جهد، وبدون هذا الجهد تكون الكتابة تلخيصاً لا تأويلاً. شعرت بالأسى لأن سنّه الصغيرة -لو خلصت النية- تساعده على بذل هذا الجهد، مع أعمالي وأعمال غيري. هذا الاعتراف فسّر لي ميل البعض من صغار النقاد إلى الاستسهال، والسير في دروب مهدها آخرون، واجترار تفاصيل وافتعال مداخل وقضايا في أعمال نجيب محفوظ حيث تتوفر المراجع. أما الكتابة عن أعمال كاتب لا تتوفر عنه مراجع نقدية كافية فهي اختبار لجسارة الناقد، وأنه ليس تابعيّاً لأسلاف، ولا تابعاً للنص، ولكنه مبدع ذو رؤية تؤهله لكتابة نقد إبداعي، نص موازٍ للنص.

جيل الخمسينيات في مصر سقط سهواً، فوعى جيل الستينيات الدرسَ، ونشأ الجيل بفرعيه الإبداعي والنقدي معاً. وبعد هذا الجيل لم ينتج جيل آخر نقاده. ومن بؤس النقد أن يحاول متوسطو الموهبة -ممن فاتهم التحقق شعراً وسرداً ولا يعتزون بالدور الرسالي النقد- التسلق على جهود السابقين، بمضغ طعام سبق مضغه وهضمه، أو بإعادة الكتابة عن أعمال استنفدها النقد. ويدرج ضمن هذا البؤس أيضاً نقد اضطراري هدفه الترقية الأكاديمية، لنيل درجة "علمية" تشفع لصاحبها في السفر إلى الخليج، نقد اضطراري إلى المال في نهاية الأمر. وبعض هؤلاء "المضطرين" يحترفون النقد، بأدوات تسمى بالمنطق الحرفي "عدّة الشغل" المحمولة أحياناً في حقيبة ينتقل بها "نقّاد التراحيل" من ندوة إلى مؤتمر إلى مجلة.

يدرج ضمن هذا البؤس أيضاً نقد اضطراري هدفه الترقية الأكاديمية، لنيل درجة "علمية" تشفع لصاحبها في السفر إلى الخليج، نقد اضطراري إلى المال في نهاية الأمر. وبعض هؤلاء "المضطرين" يحترفون النقد، بأدوات تسمى بالمنطق الحرفي "عدّة الشغل"

لا يفرق مشرط الجراح بين جثة وأخرى، فكلها "حالات"، مرضى مجهولو الأسماء. وكذلك الأدوات الحرفية تهبط على عمل، فلا تفرق بين كتابة إبداعية وشيء شبيه بالكتابة ما كان له أن ينشر لو كان لدينا "شيخ حارة".

ضعف النقاد/القضاة أدى إلى مشهد غزير الإبداع شحيح النقد. وقلما نجد لناقد مشروعاً. أما وقد ذكرت الجناح النقدي لجيل الستينيات فلأسجل لغالي شكري أنه، في سن التاسعة والعشرين، كان صاحب أول كتاب منشور عن نجيب محفوظ. في عام 1964 أصدر "المنتمي... دراسة في أدب نجيب محفوظ". وفي 26 أكتوبر 1988 انتهى غالي شكري من كتابه "نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل"، عقب فوز محفوظ بجائزة نوبل. هذا نموذج لناقد لم تكن لديه أوهام "إبداعية"، فيدّعي أنه أشعر من شعراء جيله، أو أن لديه مشروع رواية يلوّح به، مهدّدا، كلما شعر بالغيرة من رواية جديدة.

في هذا الفراغ النقدي تنبت، هنا وهناك، أعشاب إن لم تضرّ فلا تفيد. النقد في مكان آخر لا يتسع لعروض الكتب التي تقدمها الصحافة. والتعريف الصحفي بالأعمال الإبداعية يثير اهتمام القارئ بالعمل الأدبي، وبما سيكتب عنه من نقد إذا كتبه ناقد، على أن يكون التعريف بالعمل تعريفا والنقد نقدا. ولكن تراجع مساحة النقد، لتكاسل النقاد أو عدم إتاحة فرص النشر، يؤدي بمرور الوقت إلى أن يعتاد القارئ هذا "النقد" المغشوش، فيشعر الناقد الجاد أنه جهوده غير مطلوبة، إضافة إلى أن أشباه الكتاب لن يريحهم وجودُه. ونموّ الأعشاب ورواجها يشجع الناشر، هذا الرأسمالي الصغير المعنيّ بالربح، فيستجيب لقاعدة "حُسن السوق ولا حُسن البضاعة".

في هذا الفراغ حاولتُ القيام بدور. وأتفادى انتقاد الروايات أيّاً كانت رداءتها، ويكفيني ردّ الجميل لعمل أحببته ولم ينل حقه. في عام 2003 تجاوزت الأعراف المهنية، وكتبت في رويترز عن رواية "فصول من سيرة التراب والنمل" لحسين عبد العليم (1953 ـ 2019). قرأت مخطوط الرواية، فحفزتني على الكتابة، وألححت على الناشر ليعجّل صدورها.

وفي عام 2005 جاءتني رواية لكاتب لا أعرفه، وقال خالد السرجاني إنها "عن التوريث"، ولم يكتب عنها أحد. كانت الأعصاب آنذاك عارية، ونمضي في مسار سينتهي إلى توريث الحكم. وقرأت "جمهورية الأرضين"، وكان المدخل إلى الكتابة عنها في رويترز هذه الجملة: "وسط جدل سياسي وشعبي أفضى إلى تعديل دستوري مقترح يسمح بتعدد المرشحين للرئاسة في مصر، صدرت أخيراً رواية للكاتب المصري أحمد صبري أبو الفتوح تتناول مسألة توريث السلطة والصراع عليها". وفي أجواء مصرية أكثر التهاباً واستقطاباً صدرت، عام 2018، رواية "هنا بدن" لبسمة عبد العزيز. رواية تقع في 500 صفحة تجاهلها نقاد يؤثرون السلامة، وكتبتُ عنها مقالاً في 16 ديسمبر 2018، في صحيفة العرب اللندنية.

في الفراغ النقدي يتواصل زحف الأعشاب، ويتم التكريس لسطوة المنصات الإلكترونية، البديل الشعبي العشوائي بطابعه الميليشياوي أحياناً، فإذا ردّ الله غيبة النقد الجاد، فلن يجد من يرغبه، ولا أريد لكاتبه مصيراً كغربة صالح في ثمود. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard