"شرف الفتاة في آلة نسج الزرابيّ"... طلاسمُ سحرية للحفاظ على عذرية النساء

الجمعة 10 ديسمبر 202102:58 م

"بمُجرد وصول الفتاة إلى سنّ البلوغ، تعمل المُقرَّبات منها على غسل جسدها، ثم إدخالها بين أدوات النسيج، وضربها على مؤخرتها، وقول (ايك وينم ؤزال إيك وين إيويس ن ميدن ؤطوب)، وهي جُملة أمازيغية يُفهم منها جعل بكارة الفتاة مثل الحديد، ويكون ذكر أي شاب يقترب منها مثل الطوب، هكذا تظل هذه الفتاة بِكراً"، بكثيرٍ من الفخر تسرد "يامنة"، وهي سيدة ستينية، تفاصيل ما تعدّه طقساً مُحتّماً لـ"صون شرف الفتاة"، ومن خلاله حفظ كرامة أسرتها، ثم الجماعة التي تنتمي إليها.

أما عن كيفية فكّ "الطلاسم" عن الفتاة، فتسترسل "يامنة" في حديثها إلى رصيف22، وعلى محيّاها ابتسامة خافتة "عندما تريد الفتاة الزواج، تأتي النساء مرةً ثانيةً للقيام بعملية مُشابهة، غير أن هذه المرة بهدف تيسير العلاقة الزوجية؛ يضربن الفتاة على مؤخّرتها، وهذه المرة يقلن (ايك وينم ؤطوب إيك وين إيويس ن ميدن ؤزال)، أي "ليكن فرجك مثل الطوب، ويكون ذَكَره مثل الحديد".

طقوس للعذرية

تشير "عذرية الفتاة" في المفهوم الشعبي المغربي، إلى "الشرف"، الشيء الذي يُبرر لعدد من سكان القرى، وكذلك المدن، التدخل لصونه منذ سنوات بلوغ الفتاة الأولى، بعددٍ من السلوكيات التي قد تصل إلى كشف عورتها، والقيام ببعض الطقوس، عبر تمرير أيادي النساء على جسدها؛ وإثر الرغبة في الزواج، تُضطر هذه الفتاة مرةً أخرى إلى ضرورة الإدلاء بشهادة العذرية، كوثيقة أساسية لإتمام عقد القران، بل وأيضاً قد تُضطر إلى استعراض "الدم" أمام جموع الحاضرين، ليلة "الدخلة"، للاطمئنان على "الشرف".

كثيرة هي التقاليد والأعراف والموروثات الثقافية المنتشرة في قبائل واويزغت عامةً، ومنطقة تازناخت على وجه التحديد، إلا أن بعضها يخرج عن المألوف، ويخالف الذوق العام

ولفهمٍ أدقّ لخصوصية "شرف الفتاة" المتجلي حسب الموروث المغربي الشعبي في "العذرية"، رغماً عن كافة مظاهر الحداثة، يتم استحضار جُملةٍ من السلوكيات ذائعة الصيت في عددٍ كبيرٍ من المناطق، من قبيل ما يُعرف بـ"الشرويطة الحمراء"، في كثيرٍ من البوادي، إذ يقوم العريس بإخراج سروال زوجته الأبيض اللون، ملطّخاً بقطرات دم، يعرضها على كافة الحاضرين المُنتظرين، بعد ليلة الدخلة، كدليلٍ على فحولته من جهة، وشرف عروسه من جهة أخرى، وغيرها من المُعتقدات الأخرى ذائعة الصيت، التي تجعل الفتاة، حسب المجتمع الذي تنتمي إليه، مُحصَّنةً من كافة الممارسات الجنسية التي قد تعترض سبيلها، رغبةً منها، أو طواعية.

"تازناخت"... بين النسيج والعذرية

كثيرات هن النساء، في منطقة "تازناخت" (الجنوب الشرقي)، غرب مدينة ورززات، أو غيرها من القرى المُختلفة في المغرب، اللواتي لا زلن يتوارثن جُملةً من المُعتقدات الشعبية، بل ويُقدّسنها، ويرين المخالِفة لها بمثابة الكافرة، وقد تعقبها عقوبات تصل إلى التعنيف، حسب عددٍ من الحالات.

هذا الأمر جعل "فاطمة الزهراء"، فتاة عشرينية، تتوقف عن الدراسة في العام الأخير من المدرسة الابتدائية، لتحترف غزل النسيج، وصناعة الزرابيّ، تقول "هنا في المنطقة، يؤمن الجميع بضرورة 'ثْقاف الفتاة' (طقس سحري يُعتقد أن ممارسته ستمنعها من ممارسة الجنس)، ولو لم يكن هذا الأمر يُناقَش علناً، لكنه يدخل في صميم العقلية، والمُخالف له يُصبح منبوذاً".

يضربن الفتاة على مؤخّرتها، وهذه المرة يقلن (ايك وينم ؤطوب إيك وين إيويس ن ميدن ؤزال)، أي "ليكن فرجك مثل الطوب، ويكون ذَكَره مثل الحديد". ظاهرة الثقاف في المجتمع الأمازيغي

تصمتُ فاطمة الزهراء بُرهةً من الزمن، وتُحرك أنامل يدها بتوتر ظاهري، قبل أن تواصل بوحها بكلماتٍ تعمل على انتقائها بكثيرٍ من الدقة، كي لا تُتَّهم بالتمرّد من طرف النساء المُجاورات لها: "أنا لا أتذكّر صراحةً تفاصيل ما حصل معي، في طفولتي، لكنني أتذكّر أنه قبل زواجي بأسبوع، أتت النساء إلى منزل أهلي، وأدخلنني غرفة النسيج، وضربن على مؤخّرتي، ثم قلن تعويذةً تجعل الثقاف يُفكّ عني، ويُعيدني فتاةً طبيعية". وأردفت: "لستُ أهلاً لقول ما إذا كنت مع هذا الأمر، أو ضدّه، لكنني أتمنّى من الفتيات كافة أن يستطعن إتمام سنوات دراستهن، ومن ثم ترك اختيار رغبة الزواج لهن، من دون ترهيب".

وتُعرف منطقة تازناخت، التي تضمّ أكثر من 22 ألف سيدة "نسّاجة"، يشتغلن من منازلهن، أو داخل جمعيات، أو تعاونيات مُتخصصة، ويُنتجن سنوياً عشرات الآلاف من الزرابيّ التقليدية، بأشهر أنواع الـ"زربية الواوزكيتية" المصنوعة من صوف جبل "سروة"، الذي يُعدّ من أجود أنواع الصوف في المغرب، أما ألوانها فهي مُستخلصة من الأعشاب الطبيعية، مثل الحنّاء، وقشور الرمّان، والفوة، وغيرها، الشيء الذي يجعل نساء المنطقة لا يعرفن للاستكانة سبيلاً، فراحتهنّ تتجلّى في قضاء ساعاتٍ طوال في غزل الصوف، ونسج الزرابيّ، والغرق في الترنّم بترديد الأغاني الأمازيغية؛ غير أن هذا النسيج الذي يجعل بيوتهن تصدح بالفرح، قادر على بثّ روح الحزن في نفوسهن، إثر إيمانهن بالروح القابعة في ثناياه، تلك الروح التي تجعل "عُذرية الفتاة" بين يديها.

وفي هذا السياق، يقول حسن بلوان، أستاذ باحث في علم الاجتماع السياسي: "كثيرة هي التقاليد والأعراف والموروثات الثقافية المنتشرة في قبائل واويزغت عامةً، ومنطقة تازناخت على وجه التحديد، إلا أن بعضها يخرج عن المألوف، ويخالف الذوق العام، خاصةً في ما يتعلّق بزواج القاصرات، أو طقوس ثقاف البنات"، مشيراً إلى أن "مثل هذه السلوكيات الماضوية قد نجدها كذلك في بعض الأحياء الشعبية داخل المدن، حتى وإن كانت معزولةً".

"لكن أن تتمّ هذه الطقوس بشكلٍ احتفالي يرتبط باحتفالات الزربية التازناختية المشهورة في المغرب، فهذا يثير الكثير من التساؤلات حول الموروث الثقافي الأمازيغي الغنيّ بتراثه اللا مادي"، يؤكد بلوان، في حديثه إلى رصيف22.

الخضوع أو العقاب

تقول فتاة على مشارف العشرينات من عمرها، رفضت الكشف عن اسمها: "إن المُقوّمات الأساسية للمنطقة التي أنتمي إليها (تازناخت)، تتجلّى في الدور البارز الذي تقوم به المرأة. فهنا منذ نعومة أظفارهن، تُقاوم النساء المُناخ الجاف للمنطقة، فتعمل المرأة، وتُربّي، وتُساهم بكثير من الجُهد في كافة الأنشطة الحيوية، وتعمل بكثيرٍ من الإخلاص في الحفاظ على جزءٍ كبيرٍ من التراث الشعبي المحلّي، من أدبٍ وفنٍّ ونسيجٍ وغيره، كل شيء هنا على ما يُرام. نسعى إلى التحرر من بعض القيود التي تجعلنا في عدد من الأحيان لا نملك حق الاختيار، فحسب، وهنا يجب تغيير عقلية الآباء، لا عقلياتنا، فنحن كالعبد المأمور، وكفى".

هذا النسيج الذي يجعل بيوتهن تصدح بالفرح، قادر على بثّ روح الحزن في نفوسهن، إثر إيمانهن بالروح القابعة في ثناياه، تلك الروح التي تجعل "عُذرية الفتاة" بين يديها

وفي ما يرتبط باختزال جُملةٍ من الطقوس المُمارَسة في عددٍ من القرى المغربية، للحفاظ عن "شرف الفتاة"، يؤكد بلوان، أنه يمكن النظر إلى هذه السلوكيات التي وصفها بالغريبة، وفق مُحددات ثلاثة، ويتعلق الأول بأن "هذه الطقوس، وإن كانت مخالفةً للذوق العام مع تغيّر المجتمع المغربي، وتحوّله نحو الحداثة، إلا أنها تبقى عاديةً في نظر أهل المنطقة، وخاصةً النساء".

ويردف أن المحدّد الثاني "يرتبط بمكانة المرأة المتميّزة داخل القبائل الأمازيغية، خاصةً إذا حافظت على ما يُعرف بـ’شرفها’، وهو ما يدفع مجموعةً من الإناث العذارى إلى الإقبال على هذه الطقوس بشكلٍ طوعي، على أمل فكّ هذا الثقاف مع تقدّم العريس، أو ما قبل ليلة الدخلة".

وبخصوص المحدد الثالث، فيقول المتحدث نفسه إنه مُتعلق أساساً بـ"أن العزلة والهامشية التي تتموقع فيها مثل هذه المناطق، حالت دون انفتاحها على الأفكار التحررية الحديثة التي تجاوزت هذه الطقوس الماضوية، وتزداد الصعوبة إذا استحضرنا تشبّث الأمازيغ عامةً بتقاليدهم وأعرافهم وموروثهم الثقافي". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard