استقالة قرداحي وإغراءات ماكرون... المبادرة الفرنسية-السعودية وُلدت لتموت!

الثلاثاء 7 ديسمبر 202101:56 م

 "في خبرٍ عاجل غير مهم للغاية، وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي يقدّم استقالته من الحكومة اللبنانية". بطريقةٍ حملت نوعاً من التهكّم، أعلن مذيع قناة "العربية" الخبر، ما يؤشر إلى رسالة واضحة أرادت القناة السعودية إرسالها إلى الجمهور العربي، مفادها أن الاستقالة لن تُغيّر شيئاً من الواقع.

خبر الاستقالة جاء قبل يومٍ واحدٍ من إعلان مبادرة فرنسية-سعودية، بُعيد مباحثاتٍ جرت بين وليّ عهد السعودية، محمد بن سلمان، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي زار منتصف الأسبوع الماضي الإمارات، ثم قطر، خاتماً رحلته في السعودية ببيانٍ مشتركٍ مع بن سلمان يتطلعان من خلاله إلى معالجة الأزمة القائمة بين الرياض وبيروت.

من وجهة نظر ماكرون، "الملف الإيراني النووي، وغيره، لا يتجزّأ، ولدى باريس والرياض وبيروت رغبة في الانخراط، بشكلٍ كاملٍ، في عملية إحياء العلاقات، وتجاوز الخلاف الأخير".

من وجهة نظر ماكرون، "الملف الإيراني النووي، وغيره، لا يتجزّأ، ولدى باريس والرياض وبيروت رغبة في الانخراط، بشكلٍ كاملٍ، في عملية إحياء العلاقات، وتجاوز الخلاف الأخير"

وبدأت الأزمة بعد انتقاد قرداحي، ضمن برنامج "برلمان الشعب" الذي تبثّه شبكة الجزيرة على يوتيوب (عُرضت الحلقة بتاريخ 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي)، حرب التحالف العربي في اليمن، عادّاً أن "الحوثيين يدافعون عن أنفسهم في وجه اعتداء خارجي تنفّذه السعودية والإمارات".

الحلقة أثارت غضب دول الخليج العربي، ودفعت السعودية أولاً في 29 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لاستدعاء سفيرها في لبنان للتشاور، وطلبت من سفير لبنان في الرياض المغادرة خلال 48 ساعة. تبعتها البحرين، والكويت التي كانت عرّابة المصالحات في المنطقة، ومن ثم الإمارات، فيما اكتفت قطر ببيان استنكار.  

رد الفعل الواسع من دول الخليج، لم يكن سببه الوحيد حديث القرداحي، وهو ما أكّدته مصادر عدة، على رأسها وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود، الذي قال في تصريحٍ لوكالة رويترز، "إن القضية أبعد من تصريحات قرداحي".

رد الفعل الواسع من دول الخليج، لم يكن سببه الوحيد حديث القرداحي، على رأسها وزير الخارجية السعودي، الذي قال في تصريحٍ "إن القضية أبعد من تصريحات قرداحي"

ظهرت الخلافات اللبنانية السعودية بشكلٍ واضح، مُنذ بداية عهد الرئيس ميشال عون. المحطة الأولى كانت في 2 كانون الثاني/ يناير 2016، حين أحرق متظاهرون إيرانيون مبنى السفارة السعودية في طهران، ومقرّ القنصلية السعودية في مدينة مشهد، ما استوجب بعد أيامٍ قليلة، اجتماعاً لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في الجامعة العربية، امتنع خلاله لبنان، ممثَّلاً بوزير خارجيته آنذاك، جبران باسيل، عن التصويت على قرار الوزراء العرب، ونأى بنفسه عن إدانة سلوك إيران. كذلك طالب بإزالة الإشارة إلى "حزب الله"، بعد ربطه بأعمال إرهابية في البيان الختامي، مسجّلاً اعتراضه عليه.

وفي زيارة له إلى الرياض عام 2017، أعلن سعد الحريري استقالته كرئيس حكومة على الهواء مباشرةً، من خلال بيانٍ مكتوب، في وقت كان العالم فيه يضجّ بأخبار احتجاز ولي العهد السعودي لسياسيين ورجال أعمال في فندق الريتز كارلتون، والحريري كان من بينهم، ولكن في مكان آخر، وتدخّل وقتها ماكرون لحل الأزمة، وعودة الحريري إلى بيروت، في وقتٍ نفت فيه الرياض صحة هذا الكلام.

السعودية سبق وقالت إنها "ستعامل حكومة لبنان كحكومة إعلان حرب، بسبب مليشيات حزب الله"

توالت الأحداث في تلك الفترة، وأعلن وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، تامر السبهان، أن السعودية "ستعامل حكومة لبنان كحكومة إعلان حرب، بسبب مليشيات حزب الله"، ليبلغ التصعيد السعودي أوجه في نيسان/ أبريل 2021، بعد ضبط الجمارك السعودية أكثر من 5.3 مليون حبة كبتاغون مُخبّأةً ضمن شحنة من الرمّان، فأوقفت استيراد الفواكه والخضار من لبنان.

يؤكد الباحث السياسي خالد الدخيل، لرصيف22، أن "المفاوضات مع إيران موضوع منفصل عن قضية حزب الله، وستأخذ وقتاً طويلاً إذا قُدِّر لها الاستمرار"

أشهر قليلة بعد الحادثة، أطلّ وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية (وقتها)، شربل وهبة، وأشعل أزمةً جديدةً (في 18 أيار/ مايو 2021)، خلال مقابلة على قناة الحرّة قال فيها: "دول المحبة والصداقة والأخوة، أوصلوا لنا تنظيم الدولة الإسلامية، وزرعوه في سهول نينوى والأنبار وتدمر"، في إشارةٍ إلى الأراضي التي سيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق.

ولدى سؤاله عما إذا كان يقصد بتلك الدول، دول الخليج، قال وهبة إنه لا يريد ذكر أسماء. ولكن ردّاً على سؤالٍ حول ما إذا كانت دول الخليج قد موّلت الحركة الإسلامية، قال: "من الذي موّلهم إذاً، أنا؟"، واصفاً إياهم بـ"البدو".

فصل النووي

بعد الأزمة الأخيرة، حاولت قطر أن تكون وسيطاً للمصالحة، وعلّق اللبنانيون آمالهم عليها، لكن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دول الخليج، الأسبوع الماضي، قطعت الطريق على جميع الوسطاء.

وجهات نظر السعودية، من خلال محللين وباحثين، تختلف عن مضمون رسالة ماكرون التي رأى فيها أن الملف النووي لا ينفصل عن الملف اللبناني، فالباحث السياسي خالد الدخيل، يؤكد لرصيف22، أن "المفاوضات مع إيران موضوع منفصل عن قضية حزب الله، وستأخذ وقتاً طويلاً إذا قُدِّر لها الاستمرار".

الدخيل يرى أنه "لا يجوز التذرّع بالمفاوضات، من قبل بعض الأطراف اللبنانية، للسماح أو التغاضي عن استخدام حزب الله لبنان، وموقعه في الحكومة اللبنانية، منصّةً مفتوحةً له للتهجّم والإساءة إلى السعودية ودول الخليج. طالما أن الحزب عضو فاعل ومهيمن على الحكومة، فهي مسؤولة عن مواقفه وتصرفاته تجاه دول المنطقة".

لا يجوز التذرّع بالمفاوضات، من قبل بعض الأطراف اللبنانية، للسماح أو التغاضي عن استخدام حزب الله لبنان، وموقعه في الحكومة اللبنانية، منصّةً مفتوحةً له للتهجّم والإساءة إلى الخليج

كلام الدخيل يتطابق نوعاً ما مع كلام مدير الدراسات الإستراتيجية في الرياض، الدكتور محمد الحربي، الذي يشدد في حديثه إلى رصيف22، "على ضرورة الفصل بين الملف النووي وحزب الله في المنطقة، واستقالة القرداحي لا تقدّم ولا تؤخّر شيئاً، الخليج عدوّه حزب الله"، ويضيف: "في الفترة الأخيرة، لاحظنا تراجع الدعم الإيراني لحزب الله، بسبب الانهيار الإقتصادي في إيران، وأعتقد أنه كلّما تقدّمت المفاوضات، سيتراجع الدعم لحزب الله".

يستشهد الحربي بأحداث منطقة الطيونة في غرب بيروت (التي وقعت بين حزب الله وحركة أمل من جهة، وقنّاصين قيل إنهم من حزب القوات اللبنانية، بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2021)، ليقول: "الحزب انهزم وسقط له ضحايا، حتى خطاب أمينه العام حسن نصرالله كان ضعيفاً، وليس كخطاباته السابقة".

ماكرون يُبادر!

لم يغادر ماكرون الرياض قبل أن يجري اتصالاً مشتركاً هو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي. هو مقتنع أن "معالجة ملف إيران النووي لن تكون ممكنةً من دون معالجة ملف استقرار المنطقة".

يستشهد الحربي بأحداث منطقة الطيونة في غرب بيروت ليقول: "الحزب انهزم وسقط له ضحايا، حتى خطاب أمينه العام حسن نصرالله كان ضعيفاً، وليس كخطاباته السابقة"

الاتصال الثلاثي الأطراف أخرج ميقاتي إلى "تويتر"، لبعلن أن "اتصالاً جرى بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وولي العهد السعودي، وهو بمثابة خطوة مهمة نحو إعادة إحياء العلاقات الأخوية التاريخية مع المملكة العربية السعودية".

وأضاف في تغريدةٍ منفصلة: "أخصّ بالشكر الرئيس ماكرون، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ لحرصهما على ديمومة الصداقة تجاه لبنان، وإنني أودّ أن أؤكد التزام حكومتي باحترام التزاماتها بالإصلاح".

آلية تنفيذ

البيان الختامي للقاء ماكرون مع بن سلمان، ركّز على "ألا يكون لبنان منطلقاً لأي أعمال إرهابية تُزعزع أمن المنطقة، واستقرارها، ومصدراً لتجارة المخدرات، وضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية". فماذا يعني هذا الكلام؟

يقول الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية في باريس، طارق وهبي، لرصيف22: "السعودية لن تعود كالسابق، ولن تضع فلساً واحداً في لبنان إلا بضمانات دولية، وأولها فرنسا، لذلك ستكون مساهمتها على مستويين: دعم الجيش اللبناني عبر المنحة التي كانت قد تقدّمت بها منذ رئاسة ميشال سليمان، وتوقفت خوفاً من استيلاء حزب الله على مخازن الذخيرة، ويتداخل هذا البند مع مطالب إسرائيل الصريحة من فرنسا وغيرها، بألّا يمتلك الجيش اللبناني أسلحةً متطورةً قد تسقط في يد ضباط شيعة مقرّبين من الحزب". 

"السعودية لن تعود كالسابق، ولن تضع فلساً واحداً في لبنان إلا بضمانات دولية، وأولها فرنسا"

ويضيف في معرض تفصيله لما يُمكن أن ينتج عن التزام لبنان بالمبادرة في حال حصل ذلك: "العودة إلى مؤتمر سيدر، ورفع حصة المشاركة الخليجية عبر مجلس التعاون الخليجي، لإتمام وضع الخطط الإنقاذية لعددٍ من القطاعات، وأوّلها الطاقة والمواصلات. وكهرباء فرنسا كشركة عابرة للحدود تستطيع أن تقوم بإعادة تأهيل قطاع الكهرباء: إنتاجاً وتوزيعاً وحتى تسويقاً، بالإضافة إلى إدارة الجباية".

تسويق النفط اللبناني!

يُفصّل وهبة المبادرة ونتائجها في حال تم تطبيقها. يقول في ما يخصّ ملف النفط: "الولايات المتحدة لا ترغب بالتدخل الفرنسي السعودي، لأن ذلك سيضرّ بمصالح إسرائيل. لذلك فرنسا لا تريد أن تتدخل بأي حالٍ في موضوع ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية. لكن فرنسا وقطر ستسوّقان الغاز والنفط اللبناني، عبر آليةٍ ترضى عنها أمريكا". 

من وجهة نظر وهبي، "الحكومة اللبنانية مبنية على تفاهمات غير قابلة للتنفيذ، ولكن فرنسا وإيران قادرتان على الضغط على أطراف الخلاف للوصول إلى تطبيق جزئي، وحتى على مراحل. وهنا، الدولتان الضامنتان، مع الأسف، ستتدخلان مباشرةً في المشكلات العالقة".

الحكومة اللبنانية مبنية على تفاهمات غير قابلة للتنفيذ، ولكن فرنسا وإيران قادرتان على الضغط على أطراف الخلاف للوصول إلى تطبيق جزئي للمبادرة

يقول: "في موضوع التهريب والكبتاغون، ستقوم فرنسا بمراقبة المنافذ الحدودية أينما كانت، البريّة، والبحرية، والجوية. الآلية قد يشارك فيها الاتحاد الأوروبي، وهذا سيتضمن أيضاً تهريب الأشخاص من لبنان إلى قبرص، أو حتى إلى دولٍ كبيلاروسيا، أو حتى بولونيا".

يُضيف: "الجانب الإيراني سيحاول أن يكبح التعالي الواضح لحزب الله في الشؤون الداخلية، وأوّله قضية انفجار مرفأ بيروت، والتدخل في عمل القاضي طارق بيطار، علماً أن فرنسا وافقت على التفسير الدستوري القائل إن بيطار لا يستطيع أن يستجوب الوزراء، أو حتى الرؤساء، لأنه ليس من صلاحيته، بل من صلاحية محكمةٍ خاصةٍ يقيمها مجلس النواب".

ويختم كلامه: "بعد الصور، والفيديو الروسي للانفجار، همدت الطلبات من قبل حزب الله، لأن نظرية أن الحزب هو شريك في التفجير أصبحت خلفنا. الأهم هو مدى تورّط خلية من حزب الله في إيصال هذه المواد إلى النظام السوري، وهذا قد يكون عنوان المرحلة المقبلة في التحقيق". 

وترتكز المبادرة الفرنسية-السعودية على بندٍ أساسي، هو نزع سلاح حزب الله، وهو بند لن يكون من السهل تطبيقه، بينما لم يُعلّق حزب الله على مضمون البيان المشترك، إلا أن الواقع يشي باستحالة تخلّيه عن السلاح، وخاصةً في وقت يرى فيه الانفتاح العالمي على النظام الإيراني، الداعم الرئيس له. 

ترتكز المبادرة الفرنسية-السعودية على بندٍ أساسي، هو نزع سلاح حزب الله، وهو بند لن يكون من السهل تطبيقه، والواقع يشي باستحالة تخلّي الحزب عن السلاح

يقول الصحافي والمحلل السياسي اللبناني، حسين أيوب، لرصيف22: "يجب إهمال البيان السياسي الفرنسي السعودي المشترك، في شقّه اللبناني، لأنه يحتاج إلى شريكٍ ثالثٍ غير موجود على الطاولة، أي إيران. ثانياً، يمكن القول إن ما جرى يُطمئن اللبنانيين في بلدهم، أو في دول الخليج، بأن الإجراءات العقابية باتت مجمدةً حتى إشعار آخر. ثم إن أي تطوّر من نوع عودة العلاقات الدبلوماسية والتجارية يحتاج إلى ديناميات أهملها البيان الفضفاض".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard