"كأنّ أحدا طعننا في الظهر".. صدمة العاطلين من إلغاء سعيّد لقانون يعِد بتوظيفهم

الخميس 2 ديسمبر 202103:09 م

سنة 2016، نفَّذَ وحيد، برفقة مجموعة من العاطلين عن العمل، من أصحاب الشهادات العليا، أوّل تحرّك احتجاجي في مقرّ معتمدية سبيطلة، في محافظة القصرين (الوسط الغربي)، للمطالبة بالتوظيف في القطاع الحكومي.

بعد سنواتٍ من النضال، حصلوا على وعدٍ رسمي عبر القانون رقم 38 الذي ينصّ على توظيفهم في القطاعات الحكومية. لكن وعد الرئيس قيس سعيّد، تحوّل إلى أضغاث أحلام، بعد أن تراجع عنه، لتندلع الاحتجاجات من جديد.

قانون الأمل

"خلال دراستي في الجامعة، وقبل حصولي على الأستاذية (البكالوريوس)، في الإدارة المالية سنة 2013، كنت أعمل في ورشات البناء والزراعة، لأني ابن أسرةٍ مهمّشة، ثم حصلت على فرصةٍ للعمل في القطاع الخاص، في العاصمة تونس. لكنّي تركتها بسبب الاستغلال الفاحش، من حيث ساعات العمل الطويلة مقابل أجرٍ زهيد"، يقول وحيد البليلي، لرصيف22.

مرض والده في السنة ذاتها، وتدهورت حالته الصحية، فعاد وحيد إلى العمل كونه معيل أسرته الوحيد، ولتوفير العلاج لوالده، ثم أعاد سنة 2017، تنسيق اعتصام "الصمود"، في مقرّ المعتمدية، ودخلوا في تحركات احتجاجية قوبلت بتعاطٍ سلبي مع قضيتهم، من قبل محافظ المنطقة، وعدد من نواب البرلمان المجمّد حينها، يضيف.

تقبّلنا قرار الرئيس بكل سخطٍ، ونحن نرفضه لأنه يتنافى مع ما شجّعنا سعيّد على السعي إليه، وهذا ما زاد من غضبنا، لأنه خالف وعده، وهو من وقّع على القانون، ثم تنكّر له". 

تواصلت تحركات الاعتصام حتى عام 2018، "واستمرت معها المعاناة"، حتى حلول انتخابات تونس الرئاسية والتشريعية 2019، التي "توسّمنا فيها خيراً"، كما يقول.

حينها، أصبحت الحركة الاحتجاجية وطنيةً، وشملت المحافظات كافة، حتى تكلّلت بسنِّ القانون رقم 38 لسنة 2020، الذي يتعلق بأحكام استثنائية لتوظيفهم في القطاع العمومي، ونُشر في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية.

أصدر سعيّد القانون رقم 38، يوم 13 آب/ أغسطس 2020، وهو يشمل العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا الذين قضوا فترة بطالة لعشر سنوات وأكثر، وأصحاب الشهادات العليا الذين بلغوا 35 سنةً فأكثر، ولم تبلغ مدة بطالتهم عشر سنوات. كما يشمل فرداً من كل عائلة جميع أفرادها عاطلون عن العمل، وتخصيص نسبة لا تقل عن 5% من المناصب الجديدة من الوظائف الحكومية، لصالح الأشخاص ذوي الإعاقة.

ونص الفصل السادس من هذا القانون على أن "يُستكمَل تنفيذه في مدّةٍ لا تتجاوز أربع سنوات، ويصبح نافذاً منذ المصادقة عليه، وختمه، ونشره في الجريدة الرسمية".

وكان البرلمان المجمّد قد صادق يوم 29 تموز/ يوليو 2020، على فصلٍ إضافي في مشروع قانون المالية لسنة 2021، يقضي بتخصيص ميزانية لتمويل توظيف عشرة آلاف عاطل عن العمل من أصحاب الشهادات العليا، ممن بلغت فترة بطالتهم عشر سنوات، بمقتضى هذا القانون. لكن هذا القانون تحوّل إلى حبر على ورق، مع مرور الوقت.

حق دستوري

يؤكد وحيد (34 سنةً)، أن مطلبهم شرعي، وفق الفصل 40 من الدستور التونسي، الذي يؤكد أن "العمل حق لكل مواطن ومواطنة، وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة والإنصاف"، ويضيف: "ملفنا اجتماعي بحت، فنحن غارقون في الفقر للعنكوش (العنق)، ونريد الاستقرار المادي لا غير".

ويتابع " للأسف أصبح هذا الملف محل مزايدات سياسية، من قبل كل الأطراف، وبعد إلغاء رئيس الجمهورية للقانون، شعرت وكأني أعيش كابوساً لعيناً، وكأن أحداً غدرنا ودغرنا (طعننا في الظهر)".

هناك تعتيم إعلامي كبير على معاناة العاطلين عن العمل، وعلى المضايقات الأمنية الكبيرة التي يتعرّض لها المضربون عن الطعام، في معتمدية سبيطلة، ضد إلغاء القانون رقم 38

وفي خطوةٍ أثارت غضباً عارماً في صفوف من يشملهم هذا القانون، ما دفعهم إلى الاحتجاج والتظاهر في المحافظات كافة، أعلن سعيّد يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، إلغاء هذا القانون، وعلّل قراره بأنه "وُضع في تلك الفترة كأداة للحكم، ولاحتواء الغضب، وبيع الأحلام، وليس للتنفيذ، وأنه لم ينشر أي أمرٍ ترتيبي لتنفيذه".

كما أكد سعيّد، "أنه لا بد من انتدابات حقيقية تمكّن الشباب من خلق الثروة، في إطارٍ قانونيٍ مختلف عن الأوهام الكاذبة".

دخل وحيد في إضراب قاسٍ عن الطعام، منذ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر. يقول عن خياره: "يئست من كل شيء، فهمنا أكثر أنّنا سنبقى كالكرة بين جميع الأطراف، وتبخّر حلمنا. كفانا تنظيراً واقتراحات تأسيس شركات أهلية، كأننا في عهد الاشتراكية في ليبيا، والتعاضدية في عهد بورقيبة، وهي سياسات باءت بالفشل"، ويختم الشاب: "أطالب بتشغيلي في الوظيفة العمومية، وأتوجّه بندائي إلى رئيس الجمهورية، أعلى سلطة في الهرم".

مشعل النضال

في محافظة القيروان (الوسط الغربي)، حصلت بسمة الرزقاني (44 سنة)، عام 2001، على الأستاذية في اللغة والآداب العربية، وهي تنتظر إلى اليوم العمل في اختصاصها في الوظيفة العمومية.

تعرّفت بسمة إلى زوجها، الصحبي القيزاني، سنة 2015، وكان أحد أبرز المناضلين في ملف الأساتذة النواب، قبل أن يرحل في حادث مرور مروّع في آب/ أغسطس 2018، فحملت بعده "مشعل النضال"، من أجل حصول العاطلين عن العمل على حقوقهم المشروعة، كما تحكي لرصيف22.

عملت "أرملة الفقيد"، كما تُحبّ مناداتها، منذ تخرّجها، في مجال الدروس الخصوصية، وفي القطاع الخاص، وفي تعليم كبار السن: "لم أبقَ مكتوفة اليدين، لأني أرفض أن أمدّ يدي إلى أحد، وأعوّل على نفسي في تدبير أموري".

قال لنا الرئيس سعيّد، بمجرد استقبالنا، ومدِّه بنص القانون رقم 38: "هذا القانون لن يطبَّق أبداً". أصبنا بخيبة أملٍ كبيرةٍ جداً، فهو من شجّعنا على النضال للحصول عليه. 

"شاركتُ في الاختبارات الوطنية، وكنت من المتميزين والأوائل منذ الدراسة، وأذكر أنّي طلبت من أمي بعد أحد الاختبارات، إعداد خروفٍ لذبحه للاحتفال، لأني كنت متأكدةً من نجاحي، ولكن للأسف فشلت"، تقول.

يوم 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، قضى ثمانية عاطلين عن العمل، ومن بينهم بسمة، ليلتهم أمام قصر قرطاج، للمطالبة بلقاء سعيّد. وفي صباح اليوم التالي، أعلمهم مستشار الرئيس بموافقته على لقائهم، فعلّقوا اعتصامهم.

خيبة أمل

التقى سعيّد يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، عاطلتيْن عن العمل من المجموعة، وخرجتا "تجرّان أذيال الخيبة، إذ قال لهما بمجرد استقبالهما من الباب، ومدِّه بنص القانون عدد 38: هذا القانون لن يطبَّق أبداً. لقد صدمهما من البداية"، تؤكد بسمة.

وتتابع: "أصبنا بخيبة أملٍ كبيرة جداً، فهو من شجّعنا على النضال للحصول على هذا القانون، عندما التقى مجموعةً من العاطلين عن العمل، في منزله في منطقة المنيهلة، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية 2019، واقترح علينا التوجّه إلى البرلمان، والمطالبة بسنّ قانونٍ يسمح لنا بالعمل، وأكد دعمه للقانون، والدفع في اتجاه تطبيقه على أرض الواقع".

وانتقدت وصف سعيّد القانون بـ"التعجيزي والشعبوي"، وأكدت رفض مقترحه إحداث شركات أهلية، عادّةً إياه "حلاً وهمياً ترقيعياً لا يتماشى مع أعمارهم".

وتنتقد الرزقاني ما قالت عنه "إنه تعتيم إعلامي كبير على معاناة العاطلين عن العمل، وعلى المضايقات الأمنية الكبيرة التي يتعرض لها من ينفّذون إضراباً عن الطعام، في مقرّ معتمدية سبيطلة، حيث أغلقوا عليهم المراحيض، ويمنعون عنهم المؤونة".

وتطالب بإنصافهم، وبتطبيق القانون، وتؤكد استعدادهم للحوار، ولتقديم مقترحات لتعبئة الموارد، للانطلاق في عملية الانتداب في الوظيفة العمومية، "ونتمنى أن يعجّل رئيس الجمهورية في تعديل قراره، لأننا نتجه نحو خطواتٍ تصعيدية قادمة، ولن نصمت على حقوقنا الدستورية"، تختم.

في محافظة نابل (الشمال الشرقي)، عمل سامي الصادق (37 عاماً)، منذ حصوله سنة 2009 على الإجازة التطبيقية في المحاسبة، في مختلف الأعمال الحرة، في ورشات البناء، وصباغة المنازل، ولمدة عام ونصف في مؤسسة خاصة ليلاً، مقابل أجر شهري قدره 500 دينار (166 دولاراً).

ترك سامي عمله، "بسبب الاستغلال الفاحش"، كما يقول لرصيف22، ويضيف: "لم يفِ أجري المنخفض بحاجياتي المتعددة، كأب لطفليْن، مع إصابة زوجتي بمرض القلب، وحاجتها إلى رعاية صحية كبيرة".

منذ تخرّجه، شارك سامي في اختبارات وطنية عدة، للعمل في الوظيفة العمومية، لكن لم يحالفه الحظ: "نظراً لما يشوب هذه الاختبارات من الرشوة والمحسوبية، والتي لم تتغير حتى بعد الثورة"، وفق رأيه.

إحباط عارم

تختلف تفاصيل الحياة، لكن الإحباط العارم عنوان لدى الكثير من هؤلاء الشباب الذين تشبّثوا بحلم القانون رقم 38 الذي ألغاه سعيّد.

يقول سامي: "اعتصمنا، وتمرمدنا (تعذّبنا) بين قصر الحكومة في القصبة، ومقرّ البرلمان المجمّد في باردو، لاستعادة القانون الذي ألغاه الرئيس. شعرنا بإحباطٍ كبيرٍ لأن العاطلين عن العمل هم من دعموا سعيّد، وأوصلوه إلى كرسي الرئاسة، وأنا شخصياً شاركت في حملته الانتخابية".

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، سقط سامي من على سُلَّمٍ، يوم 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، خلال عمله في الصباغة، فكُسِرَت ساقه. ولعدم تمتعه بأي تغطية اجتماعية، اضطُر إلى العلاج في القطاع الخاص، على الرغم من عوزه، وقلّة حيلته، كما يؤكد.

بعد إلغاء الرئيس للقانون 38، شعرت وكأني أعيش كابوساً لعيناً، وكأن أحداً طعننا في الظهر. ملفنا اجتماعي بحت، ونحن غارقون في الفقر للعنكوش (العنق)

قصة حسام سعايدية (35 سنةً)، الذي يشارك بدوره في حراك العاطلين عن العمل، تشبه قصة سامي. فالشاب، ابن محافظة الكاف (الشمال الغربي)، هو الآخر عاطل عن العمل، منذ حصوله سنة 2009، على الأستاذية في اختصاص الكيمياء والتطبيقات.

يقول حسام، وهو المتحدث باسم باسم "التنسيقية الوطنية الانتداب حقّي"، لرصيف22: "بعد مشوار عامين من التضحيات والتحركات الاحتجاجية، تقبّلنا قرار الرئيس بكل سخطٍ، ونحن نرفضه لأنه يتنافى مع ما شجّعنا سعيّد على السعي إليه، وهذا ما زاد من غضبنا، لأنه خالف وعده، وهو من وقّع على القانون، ثم تنكّر له".

وخلافاً لما يُشاع، يؤكد سعايدية، أن العاطلين عن العمل من حاملي الشهادات العليا، "لم يبقوا أكثر من عشر سنوات عاطلين عن العمل، ومكتوفي الأيدي، وإنما عملوا في كل الأعمال الحرّة المتاحة في محافظاتهم الداخليّة المهمّشة، وهي أعمال غير كافية للعيش بكرامة".

كما تحدّث عن لجوء هذه الفئة إلى القطاع الخاص، في محافظات أخرى: "فيُجابَهون باستغلال مفرطٍ في ساعات العمل الطويلة، والأجور المتدنية، مقابل غلاء المعيشة في البلاد".

وشدّد، على عكس ما ذهب إليه سعيّد، على أن المناصب الشاغرة متوفرة بالعشرات داخل الوزارات والإدارات التونسية، وطالبه باسترداد الأموال المنهوبة من قبل بعض رجال الأعمال الفاسدين، الذين تحدّث عنهم (سعيّد) في خطابه يوم 25 تموز/ يوليو 2021، وأن يدعم بتلك الأموال القانون رقم 38.

وانتقد سعايدية، دعوة رئيس الجمهورية "إلى التقشّف"، قائلاً إنه "لا يكون على حساب أصحاب الحق المسلوب، وإنما على حساب الناس الميسورة، وعلى مؤسسة رئاسة الجمهورية التي تضخّمت ميزانيتها".

ودعا الشاب الرئيس "بما أنه يستحوذ الآن على السلطات كافة"، ورئيسة الحكومة نجلاء بودن، إلى تطبيق القانون، مؤكداً أنه "لن نتخلى عن القانون، وعن أي فصلٍ من فصوله، ونرفض أن يُفرض علينا أي مشروع اقتصادي تنموي قد يتبنّاه البعض، لحلّ قضيتنا، كما أن جوانب التصعيد مفتوحة على المستوى الوطني".

بدوره، يؤكد الأمين العام لاتحاد أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، شريف الخرايفي، أن القانون رقم 38، هو "الفرصة الوحيدة للانتداب (التوظيف)، في الوظيفة العمومية، خاصةً أن رئيس الحكومة الأسبق، يوسف الشاهد، أعلن قبل سنة 2016، أن صندوق النقد الدولي يوصي بتجميد هذه الانتدابات، وسار على نهجه كل من خلفه".

ويصف القانون ببوابة الأمل الوحيدة لإنصاف العاطلين عن العمل، لأن الانتدابات في بعض الاختصاصات مغلقة منذ 2011، مثل اختصاصات الشباب والرياضة، والشباب والطفولة، والشباب والثقافة.

ويرى الخرايفي، في تصريحه لرصيف22، أنه على رئيس الجمهورية، "الاقتناع بضرورة عدم التصدّي لهذا القانون، لأنه وهمي يزرع الوهم، ولأنه هو بنفسه (أي الرئيس)، يعاود زرع الوهم من خلال حلّه البديل الذي يطرحه، بإحداث شركات أهلية، فهي الوهم بعينه"، وفق تعبيره.

منزلق جديد...

وكان سعيّد قد قال إنه سيعمل على استرجاع ما أسماه الأموال المنهوبة، مقترحاً الاستمرار في إنشاء "شركات أهلية"، يكون المساهمون فيها من أبناء المنطقة نفسها، ويحصل كل شخص على سهمٍ، وهي شركات تشبه تجربة "التعاونيّات".

ويدعو الخرايفي، سعيّد، "إلى التراجع عمّا أقدم عليه"، عادّاً أن أي دعوة للتحاور في شأن القانون، هي "منزلق نحو المزيد من تعويمه، وربح للوقت لإطالة مدة تنفيذه".

ويلخّص الخرايفي مطالبهم، في تفعيل القانون بشكلٍ مباشر، مع ضرورة "إيجاد عقل وإرادة سياسييْن لمعالجة معضلة البطالة بصورة عامة، لأنها لا تشمل هذه الفئة فحسب، بل تشمل قرابة 370 ألف حاصلٍ على شهادة جامعية عاطلين عن العمل، ليس لديهم أي ضمان بالولوج يوماً ما إلى الوظيفة العمومية".

كما دعا إلى تخصيص الاعتمادات المالية الضرورية في ميزانية الدولة الحالية، من أجل استيعاب دفعتَي 2021 و2022، من خرّيجي الجامعات، خاصةً وأن عدم تنفيذ القانون رقم 38، يعني الدّوس على الدستور والقانون، "فالتشغيل ليس قضيةً قانونيةً وتقنيةً، وإنما هو مرتبط بمنهج تنموي بديل، وخيارات اقتصادية بديلة، قادرة على خلق الثروة، وفرص العمل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard