"سنجد أنفسنا فجأة تحت حكم نظام أمني"... القضاء العسكري اللبناني مُستمرّ بمحاكمة المدنيين!

السبت 27 نوفمبر 202104:48 م

استدعت المحكمة العسكرية اللبنانية يوم الأربعاء الماضي، الكوميدية والناشطة اللبنانية شادن الفقيه، على خلفية فيديو كانت قد نشرته على تطبيق إنستغرام. بعد يومين، حكمت المحكمة عينها على الصحافي رضوان مرتضى غيابياً، بالسجن لسنة وشهر، بسبب تصريحات له حول مسؤولية قيادة الجيش في قضية انفجار مرفأ بيروت. 

التهمة المنسوبة إلى كلٍّ من شادن ومرتضى، هي "التحقير"، وعانى لبنان خلال فترات كثيرة من محاولات رقابية قمعية تمارسها السلطات، العسكرية على وجه الخصوص، وتُظهر الدعاوى والأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية اللبنانية، خلال الأسبوع الماضي، إرادةً لدى ضباط الجيش اللبناني لحظر الانتقاد، أو الاعتراض، لا سيما أنها جاءت من صحافيين وناشطين في الشأن العام، يرون الإضاءة على مكامن الخلل في صلب مهامهم.

تُعدّ المحكمة العسكرية محكمةً استثنائيةً، وفق القانون اللبناني، وهي وإن أُنشئت بعد استقلال لبنان لمحاكمة العسكريين على الجرائم التي يرتكبونها، إلا أن صلاحياتها ضُخِّمت حتى باتت مسؤولةً عن محاكمة المدنيين 

تُعدّ المحكمة العسكرية محكمةً استثنائيةً، وفق القانون اللبناني، وهي وإن أُنشئت بعد استقلال لبنان لمحاكمة العسكريين على الجرائم التي يرتكبونها في معرض عملهم، إلا أن صلاحياتها ضُخِّمت حتى باتت مسؤولةً عن محاكمة المدنيين والعسكريين كافة، في مختلف أنواع الجرائم، طالما أن أحد أطراف الدعوى، المؤسسة العسكرية، أو عناصر منتمون إليها.

تنتقد المحامية ديالا شحادة، بشدّةٍ منح المحكمة العسكرية صلاحيات "لم يعطها إياها المشرّع الأصلي"، مؤكدةً أن القضاء العادي "أكثر عدلاً" لمحاكمة المدنيين، لأنه يحفظ للمتحاكمين حقوقاً أفضل. وتشرح شحادة رأيها بأن أهم مبادئ المحاكمة العادلة، أن يكون القضاء حيادياً، "فأين حياد القضاء حينما يكون على رأس المحكمة قاضٍ معيّن من وزارة الدفاع، بدلاً من وزارة العدل، وليس خرّيج معهد قضاة، ومعه ثلاثة ضباط، يحاكمون معاً مدنياً، في قضية تمسّ المؤسسة العسكرية التي ينتمون هم إليها، ما يعني تالياً أنهم غير حياديين". 

على رأس المحكمة قاضٍ معيّن من وزارة الدفاع، بدلاً من وزارة العدل، وليس خرّيج معهد قضاة، ومعه ثلاثة ضباط، يحاكمون معاً مدنياً

وتتهم شحادة المحكمة العسكرية بأنها أداة سياسية، إذ إن القاضي والضباط يتبعون للسلطتين السياسية والعسكرية، "فكيف يمكن لهذا القاضي المعيّن سياسياً أن يحاكم ناشطين، خصوصاً في قضايا التعبير عن الرأي؟"

تعدد المحامية المتخصصة في قضايا المحكمة العسكرية، شوائب أخرى تنزع عن المحكمة العسكرية صفة العدالة، لأن الأخيرة "تصدر أحكامها من دون تعليل، ما يحرم المدعى عليه من القدرة على التأكد من أن الحكم الصادر بحقه ينطبق مع القانون، كما أن المدعي الشخصي لا يستطيع أن يتمثّل في محامٍ، وهي غير مفتوحة للعموم، ما يعني غياب شفافية المحاكمة".

بعد تظاهرات 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، استُخدمت المحكمة العسكرية لقمع المتظاهرين، وساقت بحقهم تهماً قد توصلهم إلى الإعدام. في شباط/ فبراير من العام الحالي، ادّعى القضاء العسكري على 35 شخصاً على الأقل، بينهم طفلان، بـ"الإرهاب، وتكوين عصابات إجرامية، وسرقة الأملاك العامة"، خلال احتجاجات مدينة طرابلس، بعد أن كان يقتصر الادعاء على من يتم اعتقاله خلال التظاهرات، بجرائم المقاومة السلبيّة لقوى الأمن، ومعاملة قوى الأمن بالشدّة. اعتقالات مشابهة تمت على يد مخابرات الجيش بحق متظاهرين في بيروت، والجنوب، والبقاع.

قالت هيومن رايتس ووتش، إن "مخابرات الجيش اللبنانية أخفت قسراً موقوفين، وعذّبتهم"، وأشارت المنظمة الحقوقية إلى أن محتجين "يواجهون تهماً لا أساس لها، أمام المحاكم العسكرية غير العادلة".

وقالت هيومن رايتس ووتش يومها، إن "مخابرات الجيش اللبنانية أخفت قسراً موقوفين، وعذّبتهم"، وأشارت المنظمة الحقوقية إلى أن المحتجين "يواجهون تهماً لا أساس لها، أمام المحاكم العسكرية غير العادلة بطبيعتها، والتي يجب ألا تكون لها سلطة على المدنيين، بموجب القانون الدولي".

وصدمت التهم أهالي الموقوفين حينها، خصوصاً أنها ربطت أهالي المدينة بالإرهاب. والدة طارق بدوية، وهو سائق تاكسي عمره 28، تم إيقافه في طرابلس، خلال احتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية، قالت: "إنهم (السلطة اللبنانية) لم يتركوا لنا شيئاً لنعيش، لكن إن طالبت بحقوقك، يقررون أنك إرهابي".

في العودة إلى قضية الصحافي رضوان مرتضى، فإن حكم السجن 13 شهراً، الصادر بحقه، جاء لطرحه أسئلةً خلال مقابلة تلفزيونية، عن غياب التحقيق حول دور قيادة الجيش في تفادي وقوع انفجار مرفأ بيروت.

مرتضى وصف الحكم الصادر بحقه، في تغريدةٍ على تويتر، بـ"الأحكام العرفية"، مؤكداً أن الصحافي لا يُحاكَم إلا أمام محكمة المطبوعات. يطعن الصحافي اللبناني بأهلية المحكمة العسكرية للنظر أصلاً في قضيته، "فكيف يُعقل أن يكون القاضي الذي يُفترض أن يحكم بالعدل، ضابطاً مأموراً عند ضابط قائد أرفع منه رتبةً، كُلِّف بمحاسبتي بدعوى رئيسه!".

وتتفق المحامية شحادة مع تصريحات مرتضى، وترى أن الحكم الصادر بحقه "مخالف للقانون"، وتوضح المحامية اللبنانية أن مرتضى، تحدث في إطار وسيلة إعلامية مرخَّص لها، وتخضع لمحكمة المطبوعات، المختصة بالنظر في جرائم النشر والقول، "ولا تستطيع المحكمة العسكرية منازعة هذا الاختصاص".

أكدت شادن رفضها محاكمتها أمام المحكمة العسكرية، "فأنا مدنية، وهي بطبيعتها محكمة عسكرية قمعية ذكورية".

في المقابل، فإن الكوميدية شادن، التي بدأت الدعوى ضدها تتحرك لتوّها، قالت إنها تلقت استدعاءها بـ"السخرية" مما وصفته "الإصرار على ملاحقتي". وأكدت شادن في حديث مع رصيف22، رفضها محاكمتها أمام المحكمة العسكرية، "فأنا مدنية، وهي بطبيعتها محكمة عسكرية قمعية ذكورية".

وترى شادن أن سبب استدعائها سياسي، "فما يزعجهم هو، في المطلق، كيف أنني أتحدى المنظومة بأكملها في فيديوهاتي كلها، وهم وجدوا في هذا الفيديو مدخلاً لمحاكمتي". تؤكد الكوميدية اللبنانية أن ملاحقتها اليوم، تأتي بسبب "خطابي السياسي والاجتماعي الذي ينتقد السلطات كلها، ومنها السلطات العسكرية والسياسية والدينية".

وتؤكد شادن أن "كل ملاحقة جديدة لي، تدفعني إلى رفع السقف، لأن الواقع والتاريخ يخبراننا أن كل محاولة إسكات وقمع هي بداية لسلسلة قمع تكبر وتتزايد، حتى نجد أنفسنا فجأةً تحت حكم نظامٍ أمني عسكري على طريقة حزب البعث، أو رواية 1984 لجورج أورويل". 

"كل ملاحقة جديدة لي، تدفعني إلى رفع السقف، لأن الواقع والتاريخ يخبراننا أن كل محاولة إسكات وقمع هي بداية لسلسلة قمع تكبر وتتزايد، حتى نجد أنفسنا فجأةً تحت حكم نظامٍ عسكري"

وتُضيف: "مقطع الفيديو الذي نشرته، كان هدفه انتقاد قرار الحكومة بإغلاق البلد في بداية الجائحة، من دون تأمين بدائل للناس للحصول على الضروريات، ومنها الفوط الصحية للنساء"، وتشير إلى أنها كانت قد تلقّت بالفعل غرامةً ماليةً بسبب خروجها من المنزل لشراء الفوط الصحية خلال حظر التجول.

من جهته، يقول المحامي أيمن رعد، الموكل بقضية الكوميدية اللبنانية، "إننا سنحضر جلسة المحاكمة، وسندخلها ورأسنا مرفوع، لأن شادن ليس لديها ما تخفيه، بل هي كانت تمارس حقها في التعبير"، ويؤكد في حديث مع رصيف22، أن قضية موكلته "هي كسائر قضايا حرية الرأي والتعبير، ليس مكانها المحكمة العسكرية، لكن المدّعين العامّين يُصرون على أن يكونوا الذراع القضائية لمنظومة الفساد في لبنان".

ويؤكد رعد ضرورة تعديل البرلمان للقوانين، والحد من صلاحيات المحكمة العسكرية في سبيل جعلها "محكمةً تأديبيةً لمحاكمة العسكريين فقط"، لكنه يستدرك أن ورشةً تشريعيةً من هذا النوع مستبعدة اليوم بسبب "ارتباط المحكمة العسكرية بالمنظومة الفاسدة التي تقمع معارضيها من خلال هذه المحكمة".

يخالف مفهوم القضاء العسكري العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ تنص المادة 14 منه على ما حرفيّته "لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم، أو الهيئات القضائية العادية التي تطبّق الإجراءات القانونية المقرّرة"

ويخالف مفهوم القضاء العسكري العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ تنص المادة 14 منه على ما حرفيّته "لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم، أو الهيئات القضائية العادية التي تطبّق الإجراءات القانونية المقرّرة". بالإضافة إلى ذلك، أكد تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة منذ العام 1997، وجوب تخلّي لبنان فوراً عن اعتماد القضاء العسكري، شأن جميع الدول الديمقراطية. وخصّص التقرير المذكور فقرةً كاملةً تحمل الرقم 13، وتتعلّق بالقضاء العسكري اللبناني، أبدت من خلاله (اللجنة) قلقاً حيال الصلاحية الواسعة التي تتمتّع بها المحاكم العسكرية اللبنانية، داعيةً إلى إلغائها.

ديالا حيدر، مسؤولة حملات لبنان في منظمة العفو الدولية، ترى أن الاستمرار في ملاحقة الأفراد والناشطين والصحافيين، على خلفية قضايا تعبير، كما يحصل الآن، "يعني أن السلطات اللبنانية قررت ترهيب الناس وقمعهم، عوضاً عن التركيز على معالجة مطالبهم، واحترام حقوقهم".

تؤكد حيدر موقف العفو الدولية بأن "المحكمة العسكرية لا تحفظ الحق بالمحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية"، مشيرةً إلى أن هناك "نمط استدعاءات تلجأ له السلطات في لبنان، لقمع حرية التعبير، من خلال استغلال قوانين التشهير التي تتّسم بالغموض والعمومية، ولا تستوفي المعايير الدولية، من أجل قمع النقد".

تقول حيدر لرصيف22 إن "على من يكون في موقع مسؤولية، أن يتحلّى برحابة الصدر، وأن يتقبّل النقد والنكتة، وأنّ على القانون حماية حقوق الناس، لا المسؤولين والسلطات من حق الناس في التعبير"، وتطعن بمشروعية محاكمة أي فرد بتهمة التحقير، لأن "الحق في التعبير يشمل أيضاً التعبير الصادم، أو المسيء للسلطات، طالما أنه لا يدعو إلى العنف، ولا يحثّ على التمييز".

 "على من يكون في موقع مسؤولية، أن يتحلّى برحابة الصدر، وأن يتقبّل النقد، والقانون لحماية حقوق الناس، لا المسؤولين من حق الناس بالتعبير"

في نظرتها العامة إلى الوضع في لبنان، تشير منظمة العفو إلى أن السلطات اللبنانية تواصل قمع حراك تشرين الأول/ أكتوبر 2019، من خلال الاستدعاءات المتكررة للناشطين/ ات إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، بتهم التشهير الجنائي، زيادةً على استخدام القوّة المفرطة ضد المحتجين السلميين بمعظمهم، بما في ذلك بواسطة الذخيرة الحية، والغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي. وتكشف العفو الدولية عن حالات تعذيب تُرتكَب على يد السلطات العسكرية بحق الموقوفين الذين يواجهون تهماً أمام القضاء العسكري.
 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard