انتخابات نقابة المحامين في بيروت... تشرذم المعارضة يفتح باب عودة "المنظومة"

الأربعاء 24 نوفمبر 202105:37 م



خسرت "ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر" نقابة المحامين في بيروت، كما يقول المعارضون. هي أكثر من خسارةٍ لموقعٍ أو لانتخابات. فالنقابة كانت في الفترة الماضية، ومنذ اندلاع احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بالنسبة إلى كثيرين، خط الدفاع الأول عن الحريات، وحق التظاهر والتعبير، وعن حقوق المتظاهرين الذين يتعرضون للقمع، وعن حقوق الدفاع للموقوفين في السجون، ولدى الأجهزة الأمنية اللبنانية. أيضاً، حمت النقابة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الذي واجه المحاولات السياسية الحثيثة لعرقلته. كما لعبت النقابة دورها في محاولة حماية حقوق المودعين في المصارف اللبنانية، وفي المعركة لاستقلال القضاء اللبناني.

ونقابة المحامين هي إحدى أقدم النقابات في لبنان. تأسست عام 1919، قبل تأسيس دولة لبنان الكبير بسنتين. لها تاريخها في محطات أساسية وحقوقية، من محاربة المحاكم الأجنبية في حقبة الانتداب الفرنسي، فمعركة استقلال لبنان عام 1943، ثم من أجل تطبيق القانون المدني للأحوال الشخصية عام 1952.

وبرزت النقابة أيضاً في مجال الحفاظ على الحريات العامة، خلال حقبة الوجود العسكري السوري في التسعينيات من القرن الماضي. ولنقابة المحامين تاريخ من التداول الديمقراطي، فالانتخابات استمرت على الرغم من الحرب والدمار في مرحلة الثمانينيات، وعلى الرغم من فرض شرط انعقاد الجمعيات العامة بالأكثرية المطلقة من عدد المحامين المسجّلين، لإجراء الانتخابات.

معركة الأحد الماضي كانت مغايرةً لما حصل قبل سنتين، عند فوز النقيب ملحم خلف في وجه المرشح المدعوم من قبل أحزاب السلطة. خسرت قوى المعارضة والمجموعات التي تصف نفسها بالتغييرية، الانتخابات، بعد سلسلةٍ من النجاحات النقابية والطلابية. هذه الخسارة التي وصفها البعض بالثقيلة، طرحت الكثير من علامات الاستفهام حول السبب الذي أوصل هذه القوى إلى هذا الدرك.

وخيضت انتخابات نقابة المحامين في بيروت على تسعة أعضاء في مجلس النقابة، من ضمنهم النقيب. خاضت القوى التغييرية المعركة بثلاثة مرشحين إلى منصب النقيب، وبعددٍ من المرشحين إلى العضوية، لكن لم يتمكن من النجاح في الانتخابات، في مرحلة العضوية، سوى ثلاثة مرشحين فقط، من بينهم مرشح واحد إلى منصب نقيب، وهو ألكسندر نجار.

كذلك، فضّل نجار الانسحاب من خوض انتخابات المرحلة الثانية لمنصب النقيب، على ضوء نتائج انتخابات المرحلة الأولى، وإصرار المجموعات التغييرية التي لم تدعمه منذ البداية، على عدم دعمه في المرحلة الثانية. ونجح إثر ذلك النقيب ناضر كسبار، الذي كان مدعوماً من أحزاب السلطة، والذي سبق ونافس النقيب السابق ملحم خلف، الذي انتُخب في بداية احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر، ولُقّب بنقيب الثورة. فما هي الأسباب التي أدت إلى وصول المجموعات والقوى التغييرية إلى هذه النتيجة؟

مجموعات مشرذمة

حسب المرشح حسين صالح، الذي تبنّته لوائح المعارضة كلها، فإن النتائج التي تحققت كانت سيئةً جداً، "ربما لو لم يدعموا ترشيحي، ما كانت النتيجة لتكون أكبر. شكلاً، تلقيت دعماً من معظم المجموعات، لكن النتيجة تدلّ على أني عملت وحدي". وفي قراءة لنتائج الانتخابات، يتوقف صالح عند بعض الوقائع: "من جانب جبهة المعارضة اللبنانية التي تضم حزب الكتائب اللبنانية، كانت المعركة غير واضحة بدعم المرشح أسعد عطايا. فهو لم ينل أكثر من مئة صوت، فيما مرشح الكتائب إلى مركز النقيب نال أكثر من 1400 صوت. ففي هذه الحالة تكون الكتائب قد دعمت مرشحي المجموعات المتحالفة معها شكلياً".

و"جبهة المعارضة اللبنانية"، هي جبهة تتألف من عدد من المجموعات والقوى التغييرية، ومن حزب الكتائب الذي نقل قبل فترة تموضعه من صفوف السلطة، إلى صفوف المعارضة. ويطرح وجود حزب الكتائب إشكاليةً بين صفوف المجموعات المعارضة، بين من لا يمانع في التحالف معه على قاعدة أن مواقف الحزب الأخيرة تدلّ على خروجه من كنف السلطة، وبين من يرى أن وجوده يؤمّن التوازن المطلوب، مقابل وجود أحزاب يسارية مثل الحزب الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، و"مواطنون ومواطنات في دولة"، ومن يجد أن الكتائب غير مقبول، لا في تركيبته المبنية على الوراثة السياسية، ولا في تاريخه كحزبٍ شارك في الحرب اللبنانية، وفي السلطة.

ويضيف صالح: "من جانب ائتلاف ‘نقابتنا’ الذي يضم المجموعات التي رفضت السير بمرشحٍ توافقي مع حزب الكتائب، على قاعدة رفض التحالف مع أحزاب المنظومة، سواء أكانت في المعارضة، أو في السلطة، أيضاً لم تكن معركتها واضحةً. فقد دعم الائتلاف مرشحَين إلى منصب نقيب، وهم موسى خوري ورمزي هيكل، ولم يسمّوا مرشحاً واحداً قبل الدورة الأولى. هذا فضلاً عن أن أحد أفرقاء الائتلاف لم يلتزم بالمرشح رمزي هيكل، بل حاربه علناً".

وائتلاف "نقابتنا" يضم من جانبه مجموعات وقوى بعضها في "جبهة 13 نيسان/ أبريل". وهي جبهة وسطية تضم مجموعات بعضها لا مشكلة لديه في التحالف مع الكتائب على قاعدة التوازن، وقد دعمت المرشح رمزي هيكل إلى منصب نقيب المحامين. والبعض الآخر من الجبهة نفسها، يرفض التحالف مع الكتائب كلياً، وقد دعم مرشحَين إلى منصب نقيب، هما رمزي هيكل وموسى خوري. ويضم ائتلاف "نقابتنا" كذلك قوى يسارية كالحزب الشيوعي، بالإضافة إلى التنظيم الشعبي الناصري، و"مواطنون ومواطنات في دولة"، وقد دعموا بشكل علني المرشح إلى منصب نقيب المحامين، موسى خوري.

"مشهد ملحم خلف نقيباً للمحامين الذي أتى في ظل موجة حالة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، لن يتكرر"، حسب صالح، الذي ذكّر بأن "خلف كان مدعوماً من مكاتب المحاماة الكبيرة، ومن نقباء سابقين، ومن جوّ المحامين المتخرجين من الجامعة اليسوعية. إذاً، فهو لم يتّكل على جوّ الثورة فحسب، بل على ماكينةٍ انتخابية كبيرة جداً. أما لقب نقيب الثورة، فالمجموعات التغييرية هي من ألبسته إياه".

ويردّ صالح جزءاً من نتيجة مرشحي المجموعات إلى غضب بعض المحامين من ولاية النقيب خلف، وبشكل خاص الإضراب الذي دام أشهراً، والذي عطّل عمل المحامين في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد". ويضيف: "فضلاً عن ذلك، كان يجب الأخذ بخصوصية نقابة المحامين. ففكرة تركيب لائحة، ليست بالأمر العملي في هذه النقابة التي تلعب فيها العلاقات الشخصية دوراً كبيراً في الانتخابات. اللائحة منفّرة للمحامين، والأحزاب التقليدية لم تدرج على اعتمادها إلا من باب تبادل الأصوات بين بعضها البعض. فما قدّمه ائتلاف "نقابتنا"، هو سابقة في تاريخ نقابة المحامين التي هي من أكثر النقابات المتمسكة بالتقاليد. وقد أبدى بعض المحامين امتعاضهم مما وصفوه بفرض لائحة عليهم".

ويصف صالح المجموعات الاعتراضية بأنها "لا تمثل حركةً اعتراضيةً، فهي مجموعات مشرذمة. وإذا لن تتوحد، فالنتيجة في الانتخابات النقابية المقبلة ستكون مماثلةً، وحالة الفوز الكاسح في نقابة المهندسين لن تتكرر. هناك ضرورة لإعادة التقييم للحالة الاعتراضية كلها، وأن تقدّم هذه المجموعات برنامجاً واضحاً، ورؤيةً واضحة. ويجب أن تخفف كل مجموعة من هذه المجموعات من حساباتها الشخصية، فالموضوع المطروح أكبر من قدرتهم".

المعركة... الأهداف والوسائل

على عكس صالح، ترى مديرة شبكة التواصل السياسي في "كلنا إرادة"، كارول أبي جودة، أن نتيجة نقابة المحامين في بيروت، "لا تمثّل فشلاً كبيراً، بل إنها تمرين مفيد حول ما الذي تريده الحالة الاعتراضية". وكشفت أن "معظم القوى كانت تسأل بعد إعلان نتائج انتخابات نقابة المحامين: ماذا بعد؟".

وانطلاقاً من عملها مع المجموعات، عبر "كلنا إرادة"، وهي مجموعة ضغط تعمل على تغيير السياسات العامة، وبدأت مؤخراً بدعم المجموعات والقوى التغييرية، وتمكينها، شرحت أبي جودة أن المجموعات لم تُفعّل مسبقاً آليات العمل المشتركة في هذه الانتخابات، على غرار ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين. فقد خاضت هذه القوى نقاشات للبت بالتحالفات، والمشروع، واختيار المرشحين، ولم تعطِ الوقت الكافي للتحضير الفعلي للمعركة.

وتشرح أبي جودة، في حديث إلى رصيف22، أن "مِن بين هذه القوى، من يميل إلى عدّ الالتزام بالمبادئ، أهم من الهدف، بمعزل عن النتيجة، ومن يرى أن الهدف أهم من الوسيلة، ويفضّل عدم الخسارة". وفي خلفية وجهات النظر المختلفة لآلية العمل، تُشير إلى أنه "بالنسبة إلى البعض الأول، فإن المنظومة متغلغلة أينما كان في هذا البلد، وأن المعركة معها طويلة الأمد، ولا تنتهي في سنتين أو ثلاثة، لذا فإن الوضوح السياسي أهم، في المعركة مع هذه المنظومة. أما بالنسبة إلى البعض الثاني، فإن وضع البلد لا يمكن أن ينتظر سقوط المنظومة، كي نتحرك، لذا يجب المساهمة في تسريع تآكل المنظومة من الداخل".

تجد أبي جودة أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين القوى التغييرية، "التي يجب أن تذهب بعد تقييم التجارب الانتخابية التي خاضتها، وبعد قراءة الأرقام والنتائج، إلى الاتفاق على إطار للعمل معاً". ويأتي ذلك، حسب أبي جودة، "بعد الإجابة عن بعض الأسئلة التأسيسية للمرحلة المقبلة، مثل: ما هي معركتنا؟ ما هي الأولويات؟ كيف يمكن الالتزام بالمبادئ مع تحقيق أكبر قدر من النقاط في وجه المنظومة؟ وبناءً على ذلك، ما هو التكتيك الذي يجب اعتماده؟".

وتضيف: "بموازاة وضع معايير اختيار المعارك، وقواعد اللعب الأساسية، تجب مراكمة الخبرة، وبلوغ النضوج السياسي، وبناء الثقة بين القوى التغييرية، وتعزيز انسجامها بالتوجهات السياسية. فيجب الأخذ بالحسبان أننا نواجه منظومةً لديها خبرة ومؤسسات، ولديها الإمكانات، وموجودة أين ما كان".

أيضاً من وجهة نظرها، "يجب موائمة التوجهات المبدئية مع خصوصيات المعارك. فالخصوصية لا تتعارض مع الوضوح السياسي. من هنا، يجب أن نفهم النقابات وديناميكيتها، ونفهم حاجاتها، ونجمعهم بوضوح سياسي. فالناس بحاجة إلى أن ترى مشروعاً سياسياً مشتركاً وواضحاً، كي تلتف حوله".

خسرت "ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر" نقابة المحامين في بيروت، كما يقول المعارضون. هي أكثر من خسارةٍ لموقعٍ أو لانتخابات. فالنقابة كانت في الفترة الماضية، ومنذ اندلاع احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بالنسبة إلى كثيرين، خط الدفاع الأول عن الحريات، وحق التظاهر والتعبير، وعن حقوق المتظاهرين الذين يتعرضون للقمع، وعن حقوق الدفاع للموقوفين في السجون، ولدى الأجهزة الأمنية اللبنانية. أيضاً، حمت النقابة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الذي واجه المحاولات السياسية الحثيثة لعرقلته. كما لعبت النقابة دورها في محاولة حماية حقوق المودعين في المصارف اللبنانية، وفي المعركة لاستقلال القضاء اللبناني.

ونقابة المحامين هي إحدى أقدم النقابات في لبنان. تأسست عام 1919، قبل تأسيس دولة لبنان الكبير بسنتين. لها تاريخها في محطات أساسية وحقوقية، من محاربة المحاكم الأجنبية في حقبة الانتداب الفرنسي، فمعركة استقلال لبنان عام 1943، ثم من أجل تطبيق القانون المدني للأحوال الشخصية عام 1952.

برزت النقابة أيضاً في مجال الحفاظ على الحريات العامة، خلال حقبة الوجود العسكري السوري في التسعينيات من القرن الماضي. ولنقابة المحامين تاريخ من التداول الديمقراطي، فالانتخابات استمرت على الرغم من الحرب والدمار في مرحلة الثمانينيات

وبرزت النقابة أيضاً في مجال الحفاظ على الحريات العامة، خلال حقبة الوجود العسكري السوري في التسعينيات من القرن الماضي. ولنقابة المحامين تاريخ من التداول الديمقراطي، فالانتخابات استمرت على الرغم من الحرب والدمار في مرحلة الثمانينيات، وعلى الرغم من فرض شرط انعقاد الجمعيات العامة بالأكثرية المطلقة من عدد المحامين المسجّلين، لإجراء الانتخابات.

معركة الأحد الماضي كانت مغايرةً لما حصل قبل سنتين، عند فوز النقيب ملحم خلف في وجه المرشح المدعوم من قبل أحزاب السلطة. خسرت قوى المعارضة والمجموعات التي تصف نفسها بالتغييرية، الانتخابات، بعد سلسلةٍ من النجاحات النقابية والطلابية. هذه الخسارة التي وصفها البعض بالثقيلة، طرحت الكثير من علامات الاستفهام حول السبب الذي أوصل هذه القوى إلى هذا الدرك.

وخيضت انتخابات نقابة المحامين في بيروت على تسعة أعضاء في مجلس النقابة، من ضمنهم النقيب. خاضت القوى التغييرية المعركة بثلاثة مرشحين إلى منصب النقيب، وبعددٍ من المرشحين إلى العضوية، لكن لم يتمكن من النجاح في الانتخابات، في مرحلة العضوية، سوى ثلاثة مرشحين فقط، من بينهم مرشح واحد إلى منصب نقيب، وهو ألكسندر نجار.

كذلك، فضّل نجار الانسحاب من خوض انتخابات المرحلة الثانية لمنصب النقيب، على ضوء نتائج انتخابات المرحلة الأولى، وإصرار المجموعات التغييرية التي لم تدعمه منذ البداية، على عدم دعمه في المرحلة الثانية. ونجح إثر ذلك النقيب ناضر كسبار، الذي كان مدعوماً من أحزاب السلطة، والذي سبق ونافس النقيب السابق ملحم خلف، الذي انتُخب في بداية احتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر، ولُقّب بنقيب الثورة. فما هي الأسباب التي أدت إلى وصول المجموعات والقوى التغييرية إلى هذه النتيجة؟

مجموعات مشرذمة

حسب المرشح حسين صالح، الذي تبنّته لوائح المعارضة كلها، فإن النتائج التي تحققت كانت سيئةً جداً، "ربما لو لم يدعموا ترشيحي، ما كانت النتيجة لتكون أكبر. شكلاً، تلقيت دعماً من معظم المجموعات، لكن النتيجة تدلّ على أني عملت وحدي". وفي قراءة لنتائج الانتخابات، يتوقف صالح عند بعض الوقائع: "من جانب جبهة المعارضة اللبنانية التي تضم حزب الكتائب اللبنانية، كانت المعركة غير واضحة بدعم المرشح أسعد عطايا. فهو لم ينل أكثر من مئة صوت، فيما مرشح الكتائب إلى مركز النقيب نال أكثر من 1400 صوت. ففي هذه الحالة تكون الكتائب قد دعمت مرشحي المجموعات المتحالفة معها شكلياً".

حسب المرشح حسين صالح، فإن النتائج التي تحققت كانت سيئةً، "ربما لو لم يدعموا ترشيحي، ما كانت النتيجة لتكون أكبر. شكلاً، تلقيت دعماً من معظم المجموعات، لكن النتيجة تدلّ على أني عملت وحدي"

و"جبهة المعارضة اللبنانية"، هي جبهة تتألف من عدد من المجموعات والقوى التغييرية، ومن حزب الكتائب الذي نقل قبل فترة تموضعه من صفوف السلطة، إلى صفوف المعارضة. ويطرح وجود حزب الكتائب إشكاليةً بين صفوف المجموعات المعارضة، بين من لا يمانع في التحالف معه على قاعدة أن مواقف الحزب الأخيرة تدلّ على خروجه من كنف السلطة، وبين من يرى أن وجوده يؤمّن التوازن المطلوب، مقابل وجود أحزاب يسارية مثل الحزب الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، و"مواطنون ومواطنات في دولة"، ومن يجد أن الكتائب غير مقبول، لا في تركيبته المبنية على الوراثة السياسية، ولا في تاريخه كحزبٍ شارك في الحرب اللبنانية، وفي السلطة.

ويضيف صالح: "من جانب ائتلاف ‘نقابتنا’ الذي يضم المجموعات التي رفضت السير بمرشحٍ توافقي مع حزب الكتائب، على قاعدة رفض التحالف مع أحزاب المنظومة، سواء أكانت في المعارضة، أو في السلطة، أيضاً لم تكن معركتها واضحةً. فقد دعم الائتلاف مرشحَين إلى منصب نقيب، وهم موسى خوري ورمزي هيكل، ولم يسمّوا مرشحاً واحداً قبل الدورة الأولى. هذا فضلاً عن أن أحد أفرقاء الائتلاف لم يلتزم بالمرشح رمزي هيكل، بل حاربه علناً".

يطرح وجود حزب الكتائب إشكاليةً بين صفوف المعارضة، بين من لا يمانع التحالف معه على قاعدة أن مواقفه الأخيرة تدلّ على خروجه من كنف السلطة، ومن يجد أن الكتائب غير مقبول، لا في تركيبته المبنية على الوراثة السياسية، ولا في تاريخه

وائتلاف "نقابتنا" يضم من جانبه مجموعات وقوى بعضها في "جبهة 13 نيسان/ أبريل". وهي جبهة وسطية تضم مجموعات بعضها لا مشكلة لديه في التحالف مع الكتائب على قاعدة التوازن، وقد دعمت المرشح رمزي هيكل إلى منصب نقيب المحامين. والبعض الآخر من الجبهة نفسها، يرفض التحالف مع الكتائب كلياً، وقد دعم مرشحَين إلى منصب نقيب، هما رمزي هيكل وموسى خوري. ويضم ائتلاف "نقابتنا" كذلك قوى يسارية كالحزب الشيوعي، بالإضافة إلى التنظيم الشعبي الناصري، و"مواطنون ومواطنات في دولة"، وقد دعموا بشكل علني المرشح إلى منصب نقيب المحامين، موسى خوري.

"مشهد ملحم خلف نقيباً للمحامين الذي أتى في ظل موجة حالة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، لن يتكرر"، حسب صالح، الذي ذكّر بأن "خلف كان مدعوماً من مكاتب المحاماة الكبيرة، ومن نقباء سابقين، ومن جوّ المحامين المتخرجين من الجامعة اليسوعية. إذاً، فهو لم يتّكل على جوّ الثورة فحسب، بل على ماكينةٍ انتخابية كبيرة جداً. أما لقب نقيب الثورة، فالمجموعات التغييرية هي من ألبسته إياه".

ويردّ صالح جزءاً من نتيجة مرشحي المجموعات إلى غضب بعض المحامين من ولاية النقيب خلف، وبشكل خاص الإضراب الذي دام أشهراً، والذي عطّل عمل المحامين في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد". ويضيف: "فضلاً عن ذلك، كان يجب الأخذ بخصوصية نقابة المحامين. ففكرة تركيب لائحة، ليست بالأمر العملي في هذه النقابة التي تلعب فيها العلاقات الشخصية دوراً كبيراً في الانتخابات. اللائحة منفّرة للمحامين، والأحزاب التقليدية لم تدرج على اعتمادها إلا من باب تبادل الأصوات بين بعضها البعض. فما قدّمه ائتلاف "نقابتنا"، هو سابقة في تاريخ نقابة المحامين التي هي من أكثر النقابات المتمسكة بالتقاليد. وقد أبدى بعض المحامين امتعاضهم مما وصفوه بفرض لائحة عليهم".

"مشهد ملحم خلف نقيباً للمحامين الذي أتى في ظل موجة حالة 17 تشرين، لن يتكرر"، حسب صالح، الذي ذكّر بأن "خلف كان مدعوماً من مكاتب المحاماة الكبيرة، ومن نقباء سابقين، والمحامين المتخرجين من اليسوعية"

ويصف صالح المجموعات الاعتراضية بأنها "لا تمثل حركةً اعتراضيةً، فهي مجموعات مشرذمة. وإذا لن تتوحد، فالنتيجة في الانتخابات النقابية المقبلة ستكون مماثلةً، وحالة الفوز الكاسح في نقابة المهندسين لن تتكرر. هناك ضرورة لإعادة التقييم للحالة الاعتراضية كلها، وأن تقدّم هذه المجموعات برنامجاً واضحاً، ورؤيةً واضحة. ويجب أن تخفف كل مجموعة من هذه المجموعات من حساباتها الشخصية، فالموضوع المطروح أكبر من قدرتهم".

المعركة... الأهداف والوسائل

على عكس صالح، ترى مديرة شبكة التواصل السياسي في "كلنا إرادة"، كارول أبي جودة، أن نتيجة نقابة المحامين في بيروت، "لا تمثّل فشلاً كبيراً، بل إنها تمرين مفيد حول ما الذي تريده الحالة الاعتراضية". وكشفت أن "معظم القوى كانت تسأل بعد إعلان نتائج انتخابات نقابة المحامين: ماذا بعد؟".

 المجموعات لم تُفعّل مسبقاً آليات العمل المشتركة في هذه الانتخابات، فقد خاضت هذه القوى نقاشات للبت بالتحالفات، والمشروع، واختيار المرشحين، ولم تعطِ الوقت الكافي للتحضير للمعركة.

وانطلاقاً من عملها مع المجموعات، عبر "كلنا إرادة"، وهي مجموعة ضغط تعمل على تغيير السياسات العامة، وبدأت مؤخراً بدعم المجموعات والقوى التغييرية، وتمكينها، شرحت أبي جودة أن المجموعات لم تُفعّل مسبقاً آليات العمل المشتركة في هذه الانتخابات، على غرار ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين. فقد خاضت هذه القوى نقاشات للبت بالتحالفات، والمشروع، واختيار المرشحين، ولم تعطِ الوقت الكافي للتحضير الفعلي للمعركة.

وتشرح أبي جودة، في حديث إلى رصيف22، أن "مِن بين هذه القوى، من يميل إلى عدّ الالتزام بالمبادئ، أهم من الهدف، بمعزل عن النتيجة، ومن يرى أن الهدف أهم من الوسيلة، ويفضّل عدم الخسارة". وفي خلفية وجهات النظر المختلفة لآلية العمل، تُشير إلى أنه "بالنسبة إلى البعض الأول، فإن المنظومة متغلغلة أينما كان في هذا البلد، وأن المعركة معها طويلة الأمد، ولا تنتهي في سنتين أو ثلاثة، لذا فإن الوضوح السياسي أهم، في المعركة معها. أما بالنسبة إلى البعض الثاني، فإن وضع البلد لا يمكن أن ينتظر سقوط المنظومة، كي نتحرك، لذا يجب المساهمة في تسريع تآكل المنظومة من الداخل".

تجد أبي جودة أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين القوى التغييرية، "التي يجب أن تذهب بعد تقييم التجارب الانتخابية التي خاضتها، وبعد قراءة الأرقام والنتائج، إلى الاتفاق على إطار للعمل معاً". ويأتي ذلك، حسب أبي جودة، "بعد الإجابة عن بعض الأسئلة التأسيسية للمرحلة المقبلة، مثل: ما هي معركتنا؟ ما هي الأولويات؟ كيف يمكن الالتزام بالمبادئ مع تحقيق أكبر قدر من النقاط في وجه المنظومة؟ وبناءً على ذلك، ما هو التكتيك الذي يجب اعتماده؟".

 المنظومة متغلغلة أينما كان في هذا البلد، والمعركة معها طويلة الأمد، ولا تنتهي في سنتين أو ثلاثة، لذا فإن الوضوح السياسي هو الأهم

وتضيف: "بموازاة وضع معايير اختيار المعارك، وقواعد اللعب الأساسية، تجب مراكمة الخبرة، وبلوغ النضوج السياسي، وبناء الثقة بين القوى التغييرية، وتعزيز انسجامها بالتوجهات السياسية. فيجب الأخذ بالحسبان أننا نواجه منظومةً لديها خبرة ومؤسسات، ولديها الإمكانات، وموجودة أين ما كان".

أيضاً من وجهة نظرها، "يجب موائمة التوجهات المبدئية مع خصوصيات المعارك. فالخصوصية لا تتعارض مع الوضوح السياسي. من هنا، يجب أن نفهم النقابات وديناميكيتها، ونفهم حاجاتها، ونجمعهم بوضوح سياسي. فالناس بحاجة إلى أن ترى مشروعاً سياسياً مشتركاً وواضحاً، كي تلتف حوله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard