مزجوه بمعتقدات وعادات وثنية... توازنات دقيقة أدخلت الإسلام إلى غرب إفريقيا

الاثنين 20 ديسمبر 202110:43 ص


تعددت عوامل انتشار الإسلام في غرب إفريقيا، أو "السودان الغربي" كما يُطلق على ذلك الجزء من القارة، لكن العقائد الدينية التي كانت منتشرةً بين السكان المحليين قبل الإسلام، وما فيها من تصوّرات للإله، والحياة بعد الموت، لعبت دوراً لا يستهان به في تقبّلهم للإسلام، بل يمكن القول إنها سهّلت اعتناقهم إياه.

والغرب الإفريقي يشمل حالياً 16 دولةً، هي: بنين، وبوركينا فاسو، والرأس الأخضر، وغامبيا، وغانا، وغينيا، وغينيا بيساو، وساحل العاج، وليبيريا، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، ونيجيريا، والسنغال، وسيراليون، وتوغو.

يذكر تقي الدين الدوري وخولة شاكر الدجيلي، في كتابهما "تاريخ المسلمين في إفريقيا"، أن الإسلام انتشر في غرب إفريقيا بطرقٍ عدة، منها اعتناق مجموعات من السكان الأصليين له نتيجة احتكاكهم بالتجار المسلمين، أو العلماء الوافدين، ومنها هجرات لجماعات سودانية مسلمة من مناطقها لأسباب مختلفة، سياسية أو اقتصادية، أو لأسباب طبيعية، كالتصحر، وطول موجات الجفاف لسنوات متصلة في مكان معيّن، وكذلك بسبب انتشار الطرق الصوفية كالقادرية، والتيجانية، والسنوسية.

وانتشر الإسلام أيضاً بفعل حركات الجهاد، وكان أول مَن غزا بلاد السودان عبد الرحمن بن حبيب، من قبل والي إفريقيا، عبيد الله بن الحبحاب، في عهد هشام بن عبد الملك سنة 116هـ، ووصلت غزواته إلى ما وراء غانا، حيث معدن الذهب.

إله واحد وأسماء متعددة

يشير حسين مرزوقي، في كتابه "بلاد السودان في كتب الجغرافيين والرحّالين العرب والمسلمين إلى حدود القرن الثامن الهجري"، إلى أن من العوامل المساعدة على انتشار الإسلام في غرب إفريقيا، تشابه بعض معتقداته مع بعض المعتقدات المحلية، بدءاً من صورة الإله، فأصل معتقد بعض أهل السودان الإيمان بوجود إله واحد قادر وخالق عظيم ومتعالٍ.

ولكن سكان الغرب الإفريقي اختلفوا عن الديانة الإسلامية في تصوّراتهم حول الصلة بين البشر والإله، وطريقة عبادته، والجدوى من ذلك. وقد كتب عنهم أبو القاسم بن حوقل، في كتابه "صورة الأرض"، أنهم "أمم مقيمة في أخصاص كالقرى، ورئاستهم بأيدي شيوخهم، وليس لأحد عليهم طاعة، ولا دين لهم، ولا هم متصلون بشريعة غير الإقرار بإله وحده، والتسليم له، واسمه جل وعز عندهم (أننة)".

واختلفت تسميات الإله الأكبر بين قبائل بلاد السودان، فدعته قبائل "كيميغو"، ودعته قبائل أخرى "ملكنجلو"، بمعنى الرب الكبير، حسب ما ذكر المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر".

وهو عند قبائل الدوغون في مالي "أمّا"، وله في كل دار محراب، ويُذكر اسمه قبل أسماء الأجداد، وسمّته قبائل البامبارا التي تسكن في مالي، وغينيا، والسنغال، وبوركينا فاسو، والنيجر، بـ"فارو"، واتخذ اسم "نانا" عند قبائل الأشانتي في غانا، واسم "أولورون" عند "الإيبو" في نيجيريا، حسب مرزوقي.

سلطان الإله... يمنح الغيث ويحاسب البشر

اعتقدت قبائل غرب إفريقيا عامةً، بأن الإله يبعد بعداً شاسعاً عن العالم الأرضي، لكنه سيطر عليه عقب انتصار خاض من أجله صراعاً مريراً مع الآلهة، وتصوّرت أن له أغذية مفضلة هي لحوم الأضاحي، والطماطم، وحساء الذرة، حسب ما ذكر مرزوقي.

ولكن هذه القبائل اختلفت في تقدير سلطانه، فهو حسب بعضها المتحكم بالطبيعة، ويرسل الغيث، ويمنح الأرض الخصب، ويراقب سلوك البشر، ويحاسبهم، ولكن قبائل أخرى اعتقدت بعدم اهتمامه بما يجري على سطح الأرض، لأنه ترك تدبير أمور البشر لأرواح أقّل منه شأناً، واعتقد بعضها الآخر بأولوية هذه الأرواح، وأحقيتها بالعبادة دون الإله الأكبر، ما دامت مفوّضةً بإرادته.

كما اعتقدت القبائل أيضاً بوجود نواب عن الإله الأعظم، هي الآلهة الصغرى، الموكلة بتصريف الشؤون البسيطة، ويرتبط عملها بالجنّ، ويصعب الفصل بينهما. واعتقدت قبائل الدوغون أن هذه الآلهة لا تجلب إلا الشرّ والمرض، بينما اعتقدت قبائل البامبارا أنها تجلب الخير والشر معاً.

صلاة استسقاء ورقص صوفي وعالم آخر

سهّلت هذه المعتقدات القديمة، برأي مرزوقي، على قبائل بلاد السودان، استيعاب فكرة الإله الواحد، ولم يجدوا ما أطلعهم المسلمون عليه عندما احتكّوا بهم غريباً، كما وجدوا في "الشيخ" المنصت إلى مشاغلهم، والقريب منهم، معيناً على جلب الخير، والشفاء، ودفع المرض والبلاء.

"اعتنق الزعماء الإسلام، غير أنهم أبقوا على نمط ثقافي قائم على المزاوجة بين الطقوس والأعياد الإسلامية، وبين نظيرتها الوثنية"

وتشابهت صورة الإله في وجدان كل من المسلم والسوداني، وامتزجت في بلاد السودان عقائد الإسلام وطقوسه، بعقائد الديانات المحلية وطقوسها، ووجد المسلمون في الديانات المحلية اعتقاداً بوجود الجنّ، والأرواح السفلية، والإيمان بالحياة السرمدية، إذ كانت وضعية ما بعد الموت من الشواغل الأساسية في تفكير أهل السودان.

ومن هذا المنطلق، اندمج الطرفان تلقائياً، حتى أصبح بعض الوثنيين يشهدون الجنائز الإسلامية، ويحتفلون بالأعياد، ويصلّون كما يفعل المسلمون بانتظام، مؤمنين بأن ذلك سبب السعادة الأبدية، وكان منهم من يصلّي لآلهته في شهر رمضان، ومنهم مَن يجاهر باعتناقه الإسلام، ويحتفظ ببعض العقائد القديمة.

ووجد المسلمون لصلاة الاستسقاء الإسلامية نظيراً في الطقوس الوثنية، ووصف أبو الحسن المسعودي هيئتها قائلاً: "ربما أجدبوا، فإنْ أرادوا أن يستسقوا جمعوا عظاماً، فكوّموها كالتل، ثم أضرموها بالنار، وداروا حولها، ورفعوا أيديهم إلى السماء، وتكلّموا بكلامٍ، فينزل المطر ويُسقوا".

وحسب مرزوقي، وقف المسلمون على ما يجمعهم بأهل بلاد السودان من العادات، ويشرك بينهم، كالختان، وتقديم المهر عند الزواج، ورابطة الأخوة الجامعة بين أفراد المعتقد الواحد، والرقص الديني الجماعي، سواء الوثني القديم، أو شبيهه في شطحات الذكر الصوفي.

مواءمة بين المعتقدات الإسلامية والوثنية

على الرغم من ذلك، وُجدت طقوس وثنية لم يستطع أهالي الغرب الإفريقي التخلي عنها بعد اعتناقهم الإسلام، فلجأوا إلى المواءمة بينها، وبين معتقدهم الجديد.

يذكر إيرا إم لابيدس، في المجلد الأول من كتابه "تاريخ المجتمعات الإسلامية" (ترجمه إلى العربية فاضل جتكر)، أن علاقة الزعماء الأفارقة في السودان الغربي، بالمعتقدات والطقوس الإسلامية، كانت متقلبةً ومتذبذبة. ففي بعض الأمثلة، بقي الزعماء وثنيين إلا أنهم كانوا يستخدمون المسلمين موظفين، وتجاراً، ومستشارين، وفي أمثلة أخرى اعتنق الزعماء الإسلام، غير أنهم أبقوا على نمط ثقافي قائم على المزاوجة بين الطقوس والأعياد الإسلامية، وبين نظيرتها الوثنية.

ويشرح أن حكاماً أفارقة شيّدوا الجوامع، وأقاموا الصلوات العامة، وتولوا رعاية فقهاء مسلمين، واحتفلوا بأعياد إسلامية. أما الرقصات الاحتفالية، وأناشيد الشعراء، ودراما حياة البلاط، فكانت ذات منابع غير إسلامية، ومن ثم بقوا محافظين على توجه ثقافي مزدوج.

ويروي لابيدس، أن التأثير الديني الإسلامي كان قوياً جداً في مملكتي غونجا وداغومبا، شمال غانا.

"سياسة المهادنة الدينية استمرت حتى القرن السابع عشر الميلادي، حين دخل المجتمع مرحلةً جديدةً بلغت أوجها عن طريق حركات الجهاد الصوفي"

وتأسست غونجا نحو نهاية القرن السادس عشر، على أيدي محاربين من قبائل المناندة، بمساعدة خبراء مسلمين. ومع أن زعماء هذه الدولة وقعوا تحت التأثير الإسلامي، لكن بقيت طقوس البلاد وثقافتها، خليطاً من ممارسات إسلامية ووثنية، فقد كان أولاد الزعماء يتعرضون للختان، ويُعطون أسماءً إسلامية، غير أن الأمر كان يتم وفق طقوس وثنية لا إسلامية. وكانت الأعياد تتبع التقويم الإسلامي، غير أنها لم تكن تحمل أي سمات إسلامية واضحة.

أما في داغومبا، فقد بادر زعماؤها إلى اعتماد الختان، والأسماء الإسلامية، والتقويم الإسلامي، وطقوس الاحتفال وممارسات الدفن الإسلامية، واندمجت احتفالات ما قبل الإسلام الوثنية بأخرى إسلامية.

ازدواجية الممارسات والطقوس

لم يُثنِ الإسلام الملوك وسواهم من حواشيهم مطلقاً عن الاحتفاظ ببعض الممارسات الوثنية، حسب مرزوقي. ومن ذلك ركوبهم إلى بعض الأماكن المقدسة، وتقديم القرابين، وسماع همهمة السّحرة، وعزف الموسيقيين، وإنشادهم المعظم لهم. كذلك ظهر من الملوك سوء فهم لتعاليم الدين الإسلامي، فكانوا يجودون بالصدقات التطوعية، ويوزعون المؤن والهبات، ويهملون ركن الزكاة.

وانطوى سلوك معتنقي الإسلام على ضربٍ من مزج ديني وثقافي جسّدته سياسة الملوك الذين سعوا إلى إقامة توازن دقيق للغاية بين الوثنية والإسلام، يضمن تعايشهما، وحرصوا على إدامته، والمحافظة عليه، وتوخوا الحذر الشديد من تغليب أحد المكوّنَين على الآخر.

ويذكر مرزوقي أن سياسة المهادنة الدينية استمرت حتى القرن السابع عشر الميلادي، حين دخل المجتمع مرحلةً جديدةً بلغت أوجها عن طريق حركات الجهاد الصوفي، لا سيما حركة شيخ القادرية عثمان بن فودي.

عدم نسب الولد إلى أبيه

امتدت المواءمة بين الإسلام والعقائد المحلية إلى العادات والتقاليد. يذكر محمد فاضل علي باري وسعيد إبراهيم كريدية، في كتابهما "المسلمون في غرب إفريقيا/ تاريخ وحضارة"، أن مالي كانت فيها عادات وتقاليد تقتصر على سكانها، وبعيدة عن الإسلام، مثل الاختلاط بين الجنسين، وظهور عورات النساء بشكل فاضح، ونسب الولد إلى خاله.

وتحدث ابن بطوطة عن هذه العادات الغريبة في كتابه "تحفة النظّار": "شأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم، ولا يُنسب أحدهم إلى أبيه، بل ينسب إلى خاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه".

ويضيف ابن بطوطة: "أما هؤلاء، فهم مسلمون محافظون على الصلوات، وتعلم الفقه، وحفظ القرآن، وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال، ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات، ومَن أراد التزوج منهن تزوج، لكنهن لا يسافرن مع الزوج، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها. والنساء هناك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال والأجانب، وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات".

توريث الحكم لابن الأخت

يذكر إبراهيم علي طرخان، في كتابه "إمبراطورية غانا الإسلامية"، أن نظام الحكم في إمبراطورية غانا كان ملكياً استبدادياً، شأن جميع النظم القائمة في الإمبراطوريات والممالك التي ظهرت في السودان الغربي والأوسط، سواء أكانت في عهدها الوثني، أم في عهدها الإسلامي، والنظام السائد في وراثة العرش كان يقوم على توريث ابن الأخت.

ويضرب مثالاً على ذلك بالملك "تنكامنين"، الذي وُلّي عرش غانا نحو عام 1063م، خلفاً لخاله "بسي". وتنكامين من شعب السوننكي، أول قومية تعتنق الإسلام في غرب إفريقيا، وكان يحكم غانا وقت فتحها المرابطون، وبإسلامه دخل عدد كبير من سكان غانا وغيرها من المدن، الإسلام.

وينقل طرخان عن أبي عبيد الله البكري في كتابه "المسالك والممالك"، أن "سنّتهم أن الملك لا يكون إلا في ابن الأخت، لأنه لا يُشك فيه"، إذ هناك يقين في أن الوليد هو ابن أمه.

غير أن البكري يشير إلى تفسير آخر لتوريث الحكم لابن الأخت، وهو أن لهذه الظاهرة أصول ترجع إلى التقاليد الوثنية القديمة التي تعلي من شأن المرأة عند أغلب القبائل الإفريقية الوثنية.

ويشير إلى أن الإسلام أضعف ظاهرة التوريث لابن الأخت، ولكنه لم يقضِ عليها في جميع الإمبراطوريات والممالك الإسلامية التي قامت في السودان الغربي والأوسط، بدليل بقائها في بعض الممالك الإسلامية في السودان الغربي.

وقد شهد ابن بطوطة على هذه الظاهرة في القرن الرابع عشر في مدينة تكده في مالي، ولم تعجبه، وعلّق عليها بقوله: "ذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفّار بلاد الملبار من الهنود، وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard