حرب الإلغاء... كيف لاحقت الإمارات جماعة الإخوان في الداخل والخارج؟

لاحقت أبوظبي الأخوان من تونس وصولاً إلى لندن

الخميس 18 نوفمبر 202111:26 ص

لطالما كان للسياسة الخارجية لأبو ظبي هدفان رئيسيان، الأول حماية نفسها من إيران، وذلك من خلال تحسين علاقتها اقتصادياً مع طهران، والثاني محاربة الإسلام السياسي بجميع أشكاله، على أن يكون استهداف الإخوان المسلمين في المقدمة.

بالنسبة إليها، من المهم إضعاف شبكات الإسلام السياسي الذي ما زالوا يخشون أنه قد يرفع رأسه مرةً أخرى داخل الإمارات السبع، إذ لم يختفِ المتعاطفون معه، على الرغم من أنهم أصبحوا الآن جثثاً تحت الأرض، أو معتقلين بعيدين عن ضوء الشمس.

ينجم هذا الخوف من مؤشرات عدة، أولها عودة حركة طالبان في أفغانستان، والمصالحة مع قطر من دون طرد الإخوان من الدوحة، وأخيراً عودة قيادات محسوبة على الجماعة ذاتها في الكويت. ذلك كله حدث في ظل وجود إدارة ديمقراطية في البيت الأبيض. 

توسّع نشاط الإصلاح طوال الثمانينيات من القرن الماضي، وشغل أعضاؤها مناصب بارزة في قطاعَي التعليم والعدالة الحكوميين، إلى درجة أن أستاذ ولي عهد أبوظبي الحالي محمد بن زايد، كان عضواً في جماعة الإخوان المصرية

تُعرف جماعة الإخوان المسلمين في الإمارات باسم الإصلاح، أو جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي. تأسست كمنظمة غير حكومية في عام 1974، بعد ثلاث سنوات من استقلال الإمارات عن بريطانيا، وتوسّع نشاطها طوال الثمانينيات من القرن الماضي، وشغل أعضاؤها مناصب بارزة في قطاعَي التعليم والعدالة الحكوميين، إلى درجة أن أستاذ ولي عهد أبوظبي الحالي محمد بن زايد، كان عضواً في جماعة الإخوان المصرية، وهو القيادي عز الدين إبراهيم، وذلك بتكليف من والده الشيخ زايد الذي كان على علم بانتمائه، لكنه لم يرَ التنظيم تهديداً في تلك الأيام.

في ذلك الوقت، اقتصرت أنشطتها في الأصل على الرياضة، والثقافة، والعمل الخيري، والأنشطة الاجتماعية. ومع ذلك، أصبح من الواضح بشكل متزايد على مرّ السنين، أن المنظمة قد طوّرت أجندتها السياسية الخاصة.

في آذار/ مارس 2011، تم تقديم عريضة إلى رئيس الإمارات تدعو إلى الاقتراع العام للمجلس الوطني الاتحادي (البرلمان الإماراتي)، وسرعان ما تم القبض على خمسة موقّعين على الالتماس، في وقت لاحق في أيار/ مايو 2011.

في آذار/ مارس 2011، تم تقديم عريضة إلى رئيس الإمارات تدعو إلى الاقتراع العام للمجلس الوطني الاتحادي (البرلمان الإماراتي)، وسرعان ما تم القبض على خمسة موقّعين على الالتماس، في وقت لاحق في أيار/ مايو 2011.

وفي محاولةٍ لطمأنة دول الخليج، قال الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، في عام 2012، خلال حملته الانتخابية، وفي خطاباته منذ انتخابه، إنه لا توجد خطة "لتصدير الثورة"، لكن يبدو أن ذلك الخطاب لم يكن كافياً لإقناع الإمارات بعدم وجود خطر من الإخوان.  

في ذلك العام، ظهرت تقارير تفيد بأن الجماعة تلقّت في وقت واحد عشرة ملايين درهم إماراتي (2.7 مليون دولار)، من أعضاء الإخوان في البلدان المجاورة، وتم إلقاء القبض على 60 شخصاً، بتهمة تأسيس تنظيم عسكري سرّي هدفه الاستيلاء على السلطة، وإقامة حكومة دينية في الإمارات.

أيضاً، أعلن وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، أن الإخوان المسلمين لا يؤمنون بـ"الدولة القومية"، ولا بـ"سيادة الدولة"، مضيفاً أن هناك أفراداً داخل الجماعة يمكنهم استخدام "هيبتهم وقدراتهم لانتهاك سيادة الدول الأخرى، وقوانينها، وقواعدها".

في 2013، شنّ القيادي الإخواني الراحل، عصام العريان، حين كان زعيم الأغلبية في مجلس الشورى، هجوماً عنيفاً على الإمارات، مطالباً السفير علي العشيري، مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج والهجرة، بضرورة إرسال رسائل إلى الإمارات بأن ''صبر المصريين نفد، وأن سلوكهم مشين''.

ومضى العريان مخاطباً السفير العشيري قائلاً: ''سيادة السفير، قل لهم إن إيران النووية قادمة، وإن تسونامي قادم من إيران، وليس من مصر، والفرس قادمون، وستصبحون عبيداً عند الفرس''.

قامت الإمارات بحل حزب الإصلاح في عام 1994، بعد أن أصدرت الحكومة المصرية شكوى تفيد بأن الجماعة قدّمت دعماً مالياً لجماعة الجهاد الإسلامي المصرية. صنّفت الإمارات العربية المتحدة الإصلاح على أنه منظمة إرهابية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.

في رأي الباحث المصري المتخصص في الإسلام السياسي، أحمد بان، فإن "الإمارات من الدول التي انتبهت مبكراً إلى خطر جماعة الإخوان على الدولة الوطنية، وطوّرت إستراتيجيةً ناجعةً في مواجهتها، سواء عبر المقاربة التنموية التي تستهدف النهوض بالإنسان، فضلاً عن مقاربة أمنية بالتعاون مع مصر والسعودية، حاصرت طموحات التنظيم، وأربكت مخططاته".

 "الإمارات من الدول التي انتبهت مبكراً إلى خطر جماعة الإخوان على الدولة الوطنية، وطوّرت إستراتيجيةً ناجعةً في مواجهتها، سواء عبر المقاربة التنموية التي تستهدف النهوض بالإنسان، فضلاً عن مقاربة أمنية بالتعاون مع مصر والسعودية، حاصرت طموحات التنظيم، وأربكت مخططاته"

وأضاف في حديثه إلى رصيف22: "نفهم دواعي كره الإخوان للإمارات التي تبدو شمّاعةً مثالية يعلّق عليها التنظيم جرائمه، وعيوبه البنيوية التي ساهمت في الأساس في سقوطه في الدول العربية".

كان واضحاً أن الإمارات تحرّكت في الخارج، بعد أن قضت على حركة الإصلاح داخل البلاد، خصوصاً بعد أن تلقّوا ضربة حاسمة في مصر بسقوط الرئيس الراحل محمد مرسي، وانهيار الجماعة.  

في تونس، قطعت الإمارات الدعم الاقتصادي عن الدولة، إذ كانت قبل عام 2011 ثاني أكبر شريك تجاري للبلاد بعد ليبيا، وذلك على خلفية سيطرة حزب النهضة بزعامة راشد الغنوشي، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، على الحكم. 

واستمر تجاهلها لتونس حتى عندما كانت النهضة لا تشارك في الحكومة إلا بوزير واحد، في عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، إذ تفضّل أبو ظبي سيناريو واحداً فحسب، وهو الإخلاء الكامل للإخوان المسلمين من مراكز السلطة، كما حدث في مصر خلال صيف 2013.

في اليمن، كانت الإمارات جزءاً من التحالف العسكري الذي شكّلته السعودية عام 2015، لمحاربة الحوثيين. ومع ذلك، فهم لا يوافقون على دعم السعودية للإصلاح، وهو حزب محسوب على الإخوان المسلمين 

في اليمن، كانت الإمارات جزءاً من التحالف العسكري الذي شكّلته السعودية عام 2015، لمحاربة الحوثيين. ومع ذلك، فهم لا يوافقون على دعم السعودية للإصلاح، وهو حزب محسوب على الإخوان المسلمين في اليمن، الذي تقاتل ميليشياته القبلية جنباً إلى جنب مع القوات الموالية للرياض، ضد الحوثيين.

في سوريا، شاركت الإمارات في البداية في مقاطعة النظام السوري، لكن على عكس قطر والسعودية، قالت إنها تدعم المعارضة المعتدلة لنظام الأسد، وفعلياً ابتعدت عن دعم الإسلاميين، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون.

في ليبيا، كان دور الإمارات واضحاً، عندما شاركت طائراتها من طراز F16 في عمليات حلف الناتو لإسقاط نظام معمر القذافي. في ذلك الوقت، قاتلت القوات الخاصة الإماراتية جنباً إلى جنب مع الميليشيات غير الإسلامية.

وشاركت أبو ظبي في تنظيم مؤتمر حول المذهب السني في غروزني في الشيشان، في نهاية آب/ أغسطس 2016، بالتعاون مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، كذلك أعلنت عن مبادرات عدة، منها البيت الإبراهيمي، ووثيقة الأخوّة الإنسانية، والتي كانت جميعها تستهدف الإسلام السياسي، وفي مقدمته الإخوان المسلمون.

في حزيران/ يونيو 2017، قطعت الإمارات ومصر والبحرين والسعودية العلاقات الدبلوماسية مع قطر، ردّاً على دعم جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات المتطرفة والإرهابية.

في هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لمركز تحليلات الخليج في واشنطن، جورجيو كافيرو، إن "الإمارات بدأت بأجندة واسعة في أوروبا من أجل إضعاف نفوذ الإخوان المسلمين، وذلك بعد عزل محمد مرسي في مصر في عام 2013، وشرعت أيضاً في الوقت ذاته في دعم الجنرال الليبي خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومع ذلك لا يزال الإخوان موجودين في غرب البلاد، ولم تحقق النجاح المقصود".

في عام 2015، جرى الكشف عن أوراقٍ تظهر تخيير دولة الإمارات للحكومة البريطانية، بين خسارة صفقات أسلحة بمليارات الجنيهات الإسترلينية، والاستثمار الداخلي والتعاون الاستخباراتي، أو تحرّك بريطانيا ضد الإخوان المسلمين.

وأضاف كافيرو أن الإمارات بدأت كذلك "بحشد جهودها في أوروبا، أيضاً لجلب النظام السوري، كعدو لدود للإخوان، إلى المجتمع الدولي، مع تليين الموقف الأمريكي"، ولفت إلى أن "ما يقلق الإمارات حالياً، هو صعود حركة طالبان في أفغانستان، إذ من المحتمل أن يلهم جماعات الإسلام السياسي التي تعتقد أبو ظبي أنها أصبحت غير قادرة على العودة إلى السلطة مرةً أخرى".  

في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، عاد معارضون محسوبون على جماعة الإخوان في الكويت، إلى بلادهم، من تركيا، بعد حصولهم على عفو من أمير البلاد، وهي خطوة عدّها الصحافي الكويتي فؤاد الهاشم، في حديث إلى رصيف22، أنها ستوتّر العلاقات مع دول خليجية.   

في عام 2015، جرى الكشف عن أوراقٍ تظهر تخيير دولة الإمارات للحكومة البريطانية، بين خسارة صفقات أسلحة بمليارات الجنيهات الإسترلينية، والاستثمار الداخلي والتعاون الاستخباراتي، أو تحرّك بريطانيا ضد الإخوان المسلمين.

واعتمد الإماراتيون خطةً تهدف إلى تقديم سلسلة من الامتيازات للشركات البريطانية، وجيش البلاد، مقابل اتّخاذ إجراءات ضد جماعة الإخوان المسلمين. وعندما لم يتحقق الإجراء البريطاني ضد الإخوان، أشارت أبو ظبي إلى استيائها من المملكة المتحدة، من خلال الضغط التجاري والسياسي. 

عملت الإمارات خلال تولّي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، وذلك من خلال التعاقد مع شركات ضغط في واشنطن، لإقناع المؤسسات الأمريكية بهذه الخطوة.

في عام 2012، تم استبعاد شركة "BP" مؤقتاً من العطاءات، لتمديد امتيازات النفط البرية في الخليج. في نهاية عام 2013، رفضت الإمارات شراء طائرات تايفون المقاتلة. وبعد أشهر قليلة من رفض صفقة الأسلحة، أعلن رئيس الوزراء عن مراجعة أنشطة الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة. 

في عام 2014، أصدرت الإمارات قائمةً بالجماعات والمنظمات الإرهابية، والتي احتوت على أكثر من 80 مجموعةً مختلفة، من جميع أنحاء العالم. وتم تصنيف مجموعتين أمريكيتين تمثّلان المسلمين، مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، والجمعية الإسلامية الأمريكية، كمجموعتين إرهابيتين.

وعملت الإمارات خلال تولّي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، على تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، وذلك من خلال التعاقد مع شركات ضغط في واشنطن، لإقناع المؤسسات الأمريكية بهذه الخطوة.  

في السويد، جنّدت الإمارات شبكة نفوذ واسعة من مراكز بحثية، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتضخيم الرواية المعادية للإسلام السياسي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين.

من جانبه، قال أحمد بان، إن "مواجهتهم في الغرب كانت أصعب، لنجاح الإخوان في خداع الضمير الغربي عبر الخطاب المزدوج والمراوغ، ووقوع الغرب في وهم عدّ الإخوان حزاماً مانعاً للتطرف العنيف، وتسويق فرية أنهم تيار سياسي يؤمن بالدولة الوطنية والديمقراطية، ومن حقه أن يشارك في الحكم، على الرغم من التجارب السلبية التي أنتجوها كلها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard