عنصرية تركية تجاه السوريين... من سوء إدارة ملف اللجوء إلى الاستغلال السياسي

تقوم المعارضة التركية بحملات تحريض على اللاجئين بهدف الاستثمار الانتخابي

الاثنين 15 نوفمبر 202103:30 م

ارتفعت حدة العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في تركيا إلى مستويات غير مسبوقة، وأخذ الملف خلال الأشهر القليلة الماضية، منحى جديداً يتجلّى في مهاجمة المستائين الأتراك لأحياءٍ مكتظة باللاجئين، في العاصمة التركية أنقرة، وارتفاع حدة الخطاب العنصري، مع استخدامه بشكل منظّم من قبل شخصيات تركية معارضة برزت في الفترة الأخيرة.

ومع تردّي الأوضاع الاقتصادية في تركيا، اعتمدت الحكومة سياسية الاحتواء، وتهدئة الشارع التركي الغاضب، وساهمت العوامل السياسية في تعكير الجوّ العام فيها. كانت هذه المعطيات حصيلة أعوام سابقة شابها سوء إدارة الملف السوري، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج، مع غياب العوامل المشجعة لذلك، بالإضافة إلى التدخلات الإقليمية التركية التي انعكست على الملف عموماً.

اتّسمت سياسة الحكومة التركية في التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين، بعدم الوضوح من الناحية القانونية، فخلال السنوات الأولى لم تكن هناك طريقة قانونية للتعريف بالوجود السوري، واحتاجت إلى سنوات عدة لبحث طبيعة وجود السوريين الذين وصفتهم بـ"الضيوف"، ومنحت على هذا الأساس "ورقة حماية مؤقتة" للّاجئين، من دون أن يكون تعريف قانوني واضح لها، ولكن بموجبها استطاع السوريون ممارسة الحد الأدنى في الحقوق، من التعليم، والعمل، والتنقل الجزئي.

فضّلت المصانع والشركات التركية العامل السوري على التركي، لأسباب تتعلق بعدم دفع التأمين الصحي، وعدم وجود ضوابط قانونية لإلزام الشركات التركية بدفع رواتب، ممّا رفع نسب المنافسة بين العامل السوري والتركي

ولم تستطع الحكومة التركية وضع برامج اجتماعية، بما يتناسب مع سياسة الاندماج، مما يجعل الشعب السوري على مسافة واحدة من التركي، ولا سيما مع عدم وجود مراكز "مجانية" لتعليم اللغة التركية، على غرار الدول الأوروبية.

وبرزت خلال السنوات الماضية، قضية عمل السوري، كون الكثير من السوريين يعملون من دون أن يكون لهم الحد الأدنى من الحقوق، وذلك لتفضيل المصانع والشركات التركية العامل السوري على التركي، لأسباب تتعلق بعدم دفع التأمين الصحي، وعدم وجود ضوابط قانونية لإلزام الشركات التركية بدفع رواتب، كما ينص قانون الحد الأدنى للأجور، والاستثمار في العامل السوري من خلال ساعات العمل، ممّا رفع نسب المنافسة بين العامل السوري والتركي، وزاد من صعوبة إيجاد العامل التركي فرصة عمل.

في هذا الإطار، قال أحمد، وهو أحد العمال السوريين في تركيا، رفض الكشف عن اسمه كاملاً خوفاً من أي رد فعل تجاهه، لرصيف22، إنَّ "العامل السوري غير مسؤول عمّا يقوم به أصحاب رؤوس الأموال التركية، من خلال انتقاء العامل السوري على حساب التركي، فهذه مسؤولية الطبقة الرأسمالية التركية، وتالياً من المفترض أن تتدخل الدولة في عملية المراقبة، وضمان حقوق السوريين والأتراك على حدٍ سواء، لتقليل حدة العنصرية وإلقاء اللوم على اللاجئين السوريين".

يشعر اللاجئون السوريون بالتمييز ضدهم، ولا سيما مع دخول قرار منع التنقل والإقامة، إلّا في مدينة الإقامة التي حصل فيها "الضيف" على بطاقة الحماية، مع السماح بالتنقل أياماً محدودة بين الولايات، ولكن بإذن مسبق

في المقابل، يشعر اللاجئون السوريون بالتمييز ضدهم، ولا سيما مع دخول قرار منع التنقل والإقامة، إلّا في مدينة الإقامة التي حصل فيها "الضيف" على بطاقة الحماية، مع السماح بالتنقل أياماً محدودة بين الولايات، ولكن بإذن مسبق. ويمكن القول إنَّ أسباب التنقل الرئيسية بين المدن، وفي إسطنبول بالتحديد، تعود إلى محاولة البحث عن فرص عمل جيدة، كون المدينة تُعدّ "متروبولاً"، وتتوفر فيها فرص عمل برواتب جيدة نوعاً ما، قياساً بالمدن الأخرى.

وفي هذا السياق، قالت دُعاء محمد، لرصيف22، إنَّ "هذه السياسات أدّت إلى انتشار سياسة التمييز بشكل واضح بين الشعبين، مع تفوّق شعب على حساب الآخر، من حيث حقوق التنقل والانتقال، كما في الآونة الأخيرة، مع غياب آليات المساءلة والمحاسبة تجاه الخطاب العنصري، إذ بدأ أصحاب البيوت، ولا سيما في مدينة إسطنبول، بمنع تأجير البيوت للسوريين".

ثمن التوسع الإقليمي

اصطفّت أنقرة بعد انطلاق الثورة السورية إلى جانب مطالب الشعب السوري، وخلال السنة الأولى عملت من خلال الأدوات الدبلوماسية مستثمرةً في علاقتها الجيدة مع النظام السوري، في ظل الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي جرى قبل اندلاع الاحتجاجات. ولكن، مع فشل هذه المساعي، اضطرت إلى أن تدعم المعارضة السورية، فاستقبلت العديد من مؤتمراتها، كما ساهمت في دعم العمل العسكري بشكل كبير.

وفي النصف الثاني من العام 2015، أخذ الملف السوري منحى جديداً مع التدخل الروسي في نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، ودعم موسكو لقوّاتٍ مناهضةٍ لأنقرة، حزب العمال الكردستاني، ما دفع الأخيرة إلى إعادة النظر في سياستها العامة حيال الملف.

تداعيات التدخل العسكري التركي كانت خطيرةً على مستوى ملف اللاجئين السوريين، بعد مقتل العشرات من قوات الجيش، وهذا سبّب سخطاً كبيراً في الشارع التركي، الذي يتساءل  عن أهمية وجود قوات للجيش في تلك المناطق، بينما يهرب الشعب السوري إلى تركيا.

انخرطت تركيا في الصراع السوري، بشقّه العسكري، بشكل رسمي بعد إعلانها عن عملية درع الفرات ضد تلك القوات وداعش، وتوالت التدخلات التركية من خلال ترجمتها بعمليات عسكرية أخرى، كغصن الزيتون (2018)، ونبع السلام (2019)، ودرع الربيع (2020).

وكأيّ صراع عسكري، فإنّ سقوط الضحايا أمر لا بدّ منه، ولكن تداعيات الأمر كانت خطيرةً على مستوى ملف اللاجئين السوريين في تركيا، بعد مقتل العشرات من قوات الجيش التركي، وهذا سبّب سخطاً كبيراً في الشارع التركي، ولا سيما المعارض منه، الذي يتساءل بشكل شبه دائم عن أهمية وجود قوات للجيش في تلك المناطق، بينما يهرب الشعب السوري إلى تركيا.

وأطلق الناشطون الأتراك المعارضون للعملية العسكرية، مطلع العام 2020، حملةً بعنوان "ما أهمية وجودنا في سوريا"، وفي هذا الإطار رفض مؤخراً الحزب الجمهوري للمرة الأولى، مذكرةً جديدةً لتمديد وجود القوات التركية في سوريا والعراق.

وقال رئيس الحزب، كمال كلتشيدار أوغلو: "لا يمكن أن نقبل كل ما يقوله (رجب طيب) أردوغان، لأنه يعمل على استثمار هذه القوات لمصالحه الشخصية". فيما رد أردوغان باتهامه بالخيانة، وبأنَّه يعمل لمصالح غير وطنية.

وازداد الأمر تعقيداً مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على تركيا، بسبب هذه التدخلات، ولتقاربها مع روسيا، مع فرض الملف السوري خريطة تحالفات جديدة بين روسيا وتركيا، وتوقيع اتفاقية سوتشي (2018)، وصفقة S-400 التي تسببت باضطراب العلاقات الأمريكية-التركية.

تصرفات عشوائية

عانت شرائح من اللاجئين من عدم قدرتها على التكيّف مع متطلبات الوجود في تركيا، من الناحيتين الثقافية والاجتماعية، فتركيا تُعدّ بلداً ديمقراطياً علمانياً، وشعبها منفتح، على عكس الشعب السوري المحافظ، بغالبيته، من الناحية الاجتماعية.

خلقت هذه التباينات نوعاً من عدم التفاهم بين الشعبين، بالإضافة إلى تركيبة المجتمع التركي، من حيث النظام والسلوك العام، الذي غالباً ما يفضّل الهدوء، والالتزام، والقوانين، والأنظمة، كأساس في عملية إدارة المجتمع، وتوجيهه.

عانت شرائح من اللاجئين من عدم قدرتها على التكيّف مع متطلبات الوجود في تركيا، من الناحيتين الثقافية والاجتماعية، فتركيا تُعدّ بلداً ديمقراطياً علمانياً، وشعبها منفتح، على عكس الشعب السوري المحافظ، بغالبيته.

ولم يتمكن الكثيرون من السوريين من فهم هذه التركيبة، والتعامل معها من حيث احترام الثقافة، والعادات والتقاليد، والقوانين، وغلب في كثير من الأحيان عدم الالتزام بالقوانين السائدة، بالإضافة إلى العشوائيات المنتشرة في أماكن متعددة في أنحاء تركيا.

سببّت هذه المظاهر استياءً كبيراً في الشارع التركي تجاه السوريين، ما ساهم في تكوين الأتراك نظرةً متحيزةً وضيقةً نوعاً ما عن الشعب السوري، وفي هذا الإطار قالت آسيا، وهي إحدى الطالبات السوريات وتدرس العلوم السياسية في إسطنبول، لرصيف22: "كان هناك استغراب من بعض زملائي الأتراك من كوني مواطنةً سوريةً، جرّاء هذه التصرفات غير المسؤولة، والتي أعطت انطباعاً سائداً مغلوطاً عنّا، ولكن بسبب حسن التصرّف الذي أبديته، استطعت تغيير وجهة نظر بعضهم تجاهنا".

لم يتمكن كُثر من السوريين من تركيبة المجتمع التركي، والتعامل معها من حيث احترام الثقافة، والعادات والتقاليد، والقوانين، وغلب في كثير من الأحيان عدم الالتزام بالقوانين السائدة، بالإضافة إلى العشوائيات المنتشرة في أماكن متعددة في أنحاء تركيا.

في الأصل، تتعامل الحكومة التركية مع القضية السورية، من الناحية الإنسانية، إذ تحاول قدر الإمكان غض الطرف عن هذه التصرفات، ولكن تداعيات هذا الإهمال المقصود لغايات إنسانية، كانت عواقبه سيئة على الوجود السوري، على المستوى الاجتماعي، وتالياً التعامل مع هذه المظاهر أصبح حاجةً ملحةً.

الاقتصاد المتردّي

مع تراجع قيمة الليرة التركية أمام الدولار، وفرض الحكومة سياسات اقتصادية غير مستقرّة، توجهت أنظار الشعب التركي نحو ملف اللاجئين، بوصفه حسب الاعتقاد السائد، سبباً رئيسياً في تردّي الأوضاع الاقتصادية، من دون التنبه إلى أن المشكلة الأساسية كانت في غياب الشفافية من قبل الحكومة التركية تجاه شعبها، ولا سيما في الإفصاح عن مصادر المساعدات الإنسانية التي يتلقاها السوريون، وهذا ما سببّ سوء فهم من قبل شرائح واسعة حول ماهية تلك المساعدات، مع رسوخ اعتقادٍ بتقديم الحكومة مساعداتٍ استثنائيةً للسوريين على حساب الشعب التركي، في الوقت الذي يضخّ فيه الاتحاد الأوروبي الحجم الأكبر منها، وذلك وفقاً لاتفاقية الهجرة (2016).

يرى أوموت، وهو شاب تركي، في تصريح لرصيف22، أنّ "الحكومة التركية تعطي السوريين مساعداتٍ مجانيةً، على الرغم من المعاناة الاقتصادية، بينما لا تدعم شعبها الذي هو أحق، مما ساهم في زيادة نسب الاحتقان ضد السوريين".

تداعيات إهمال الحكومة التركية المقصود لغايات إنسانية، كانت عواقبه سيئة على الوجود السوري، على المستوى الاجتماعي، وتالياً التعامل مع هذه المظاهر أصبح حاجةً ملحةً

وعلى الرغم من حملات التوعية التي قام بها سوريون، وكذلك الحكومة التركية لاحقاً، إلّا أنَّ المعارضة التركية بقيت متقدمةً خطوات، كونها هي من أثارت الملف، وقادت حملات التأجيج، وضخ المعلومات المضللة.

فعلى سبيل المثال؛ قامت القنوات الرسمية التركية مطلع العام 2018، ولا سيما TRT، بتخصيص فقرات متلفزة ومواد صحافية لتصحيح المعلومات الخطأ التي ضخّتها المعارضة حول السوريين. كما قامت منظمة اللاجئين العاملة في مدينة إسطنبول، في منتصف العام 2020، باستصدار ملفٍ كاملٍ بعنوان "الصح والخطأ"، تناولت فيه المعلومات الصحيحة، وتلك الخطأ حول اللاجئين في تركيا، من حيث الرواتب، والتعليم المجاني، والمنح العامة، والذي لاقى تفاعلاً وانتشاراً كبيرين على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتحول إلى هاشتاغ واسع في تركيا.

كما عملت بشكل حثيث ومدروس على استثمار هذه الورقة ضد حكومة العدالة والتنمية، على مدار السنوات السابقة، لتكون الورقة الثانية بعد ملف التدخل العسكري الذي دفعت المعارضة التركية نحو تحريكه، في إطار الصراع السياسي على الحكم.

استثمار المعارضة

برزت خلال الأعوام الثلاثة الماضية، شخصيات عدة في المعارضة التركية، تحرّض بشكل مدروس على الوجود السوري في تركيا ممّا أكسبها شعبيةً لا بأس بها، وباتت شبه معروفة في المجتمعين السوري والتركي، ولعلّ أبرز تلك الشخصيات إيلاي أكسوي، وهي إحدى مؤسسات حزب الجيد التركي اليميني القومي. تعِد أكسوي متابعيها، في حال وصول حزبها إلى السلطة، بأنَّها ستعيد السوريين إلى بلادهم، وتعمل على إعادة العلاقات مع النظام السوري إلى مجراها الطبيعي، ولديها شبكة علاقات جيدة مع شخصيات مهمّة في النظام السوري، وغالباً ما يقوم الأخير بمدحها، من خلال شخصيات مقربة منه.

تعِد أكسوي متابعيها، في حال وصول حزبها إلى السلطة، بأنَّها ستعيد السوريين إلى بلادهم، وتعمل على إعادة العلاقات مع النظام السوري إلى مجراها الطبيعي، ولديها شبكة علاقات جيدة مع شخصيات مهمّة فيه

وتقود أكسوي بشكل دائم حملاتٍ ضد السوريين، من بينها حملة الموز الأخيرة التي أثارتها، وتسببت بأزمة اجتماعية سيئة، وباعتقال العديد من السوريين، على خلفية فيديوهات قاموا بتصويرها، ولا تخفي أكسوي دعمها لنظام بشار الأسد، إذ قامت بالتعبير عن ذلك إعلامياً خلال الانتخابات التي أُجريَت في النصف الثاني من العام 2021.

كذلك، يقود رئيس حزب النصر، أوميت أوزداغ، حملاتٍ مشابهةً كان آخرها قيامه بجولة في الشوارع التركية، لجمع أكبر عدد من التوقيعات، لإعادة السوريين إلى بلادهم، على أمل أن يكون قادراً على تحقيق نصاب الرقم المطلوب لعرضه على البرلمان التركي، بغية تبنّيه كقانون.

ويستمر والي مدينة بولو، في استصدار القرارات العنصرية تجاه السوريين والأجانب في المدينة، وكان آخرها قرار رفع رسوم الزواج للأجانب بمقدار مئة ألف ليرة تركية، وذلك، حسب تعبيره، لمنع السوريين من الزواج والإنجاب. 

معظم هذه الشخصيات لم يكن لها حضور في الحياة السياسية التركية، ولكنها برزت مع تصاعد خطاب العنصرية والكراهية ضد السوريين، كما أنَّها عززت بشكل كبير تنظيم هذا الخطاب، مما ساعد على تأجيج العنصرية في تركيا إلى مستويات غير مسبوقة، ودفع شرائح واسعة من الشعب التركي لرفض هذه التصرفات، ولا سيما قرارات رئيس بلدية بولو، كونها تمسّ الديمقراطية التركية، ومبادئ حقوق الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard