محمود بيرم التونسي الصورة وفتنة المتخيل

الأحد 31 أكتوبر 202111:43 ص

مازالت إشكالية نزول الباحث الجامعي إلى الفضاء الثقافي العام مطروحة منذ عقود بتونس، والعالم العربي عامة، فقد انعتق الناقد الكبير توفيق بكار من أسوار الجامعة، واقتحم عالم الصحافة والإشراف على سلسة روائية في دار نشر هي "عيون المعاصرة" بدار الجنوب، وساهم في اكتشاف أصوات تونسية كثيرة، كان لها الإشعاع العربي والعالمي بعد ذلك.

تخلّص توفيق بكار من إكراهات الخطاب الأكاديمي الجاف، وحوّل النقد إلى حالة إبداعية منذ السبعينيات، فقدّم للشعراء الشبان وقتها والروائيين، ودفع بالمترجمين إلى اكتشاف النصوص المهاجرة. هذا الأب المؤسس للعصيان الشكلي، من المفارقات أنه أوّل من درّس المناهج النقدية الغربية، ونظريات الإنشائيين الفرنسيين والشكلانيين الروس بالجامعة التونسية، ومن المفارقات أنه لم يكمل الدكتوراه، ولكنه ظلّ أستاذاً لجلّ الدكاترة المعروفين الآن.

 وضمن هذا الإطار من الرهان المزدوج الذي يصالح بين الثقافي العام والجامعي العلمي، يمكن تنزيل مشروع ابتسام الوسلاتي، التي بدأته بالبحث في الشعر العصري التونسي قبل أن تطرح كتابها "الهامشية  في الأدب التونسي؛ تجربة جماعة تحت السور"، الذي حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً، ودخل طبعته الثانية ونافس الأعمال الروائية في المكتبات، لطرافة طرحه وسلاسة خطابه.

تعود د. ابتسام الوسلاتي بكتاب جديد ضمن مشروعها الكبير، الحفر في ذاكرة الحداثة التونسية في القرن العشرين، لتلتفت إلى شخصية تونسية وعربية إشكالية، هي شخصية بيرم التونسي، والذي كان واحداً من جماعة "تحت السور" التونسية، في ثلاثينيات القرن الماضي.   

محمود بيرم التونسي المنفلت

وضعت الباحثة كتابها الجديد الصادر عن دار الجنوب التونسية  تحت عنوان "محمود بيرم التونسي، الصورة وفتنة المتخيل"، وهو، كما يشي عنوانه، يبحث في منجز الكاتب محمود بيرم التونسي، وأنزلته ضمن البحوث التي تعنى بالعلاقة بين الأنا والآخر. 

وصفت الباحثة عملها بأنه من منظور مقارنة من خلال ما دوّنه الكاتب، ومنها "السيد ومراته في باريس" و"السيد ومراته في مصر" و"مذكرات المنفى" وأزجاله،  واعتبرت أن من دوافع اختيار هذا البحث هو أن جلّ النقاد الذين تناولوا تراث بيرم التونسي اهتمّوا بشخصيته في بعدها الفني والثقافي، في غياب رؤية جامعة من شأنها إدراج هذه التجربة ضمن تيّار أدبي وفكري، يشكّل خطاً مشتركاً يجمع المخزون الثري الذي تركه بيرم.

وتعتبر أن لذلك مبررات من أهمها: تنصّل بيرم التونسي نفسه مما يمكن تسميته بـ"التخندق الأجناسي"، فبيرم اختار ممارسة "مختلف الأجناس الأدبية، من أقصوصة وقصيدة ومقامة ومسرحية ومقال وزجل وأغنية"، وهذا ما عمّق من صعوبة دراسة منجزه وفق ثقافة النمذجة و"القولبة".

ولذلك تحرّرت الباحثة من أي عقد كاثوليكي مع منهج نقدي معين باعتماد استنطاق النصوص التي من شأنها أن تستدعي، في كل حين، المنهج المناسب.

تقول صاحبة "الهامشية في الأدب التونسي": "اخترنا أن يكون الوفاء لشكل النص ومضمونه هو ما يحثّنا على اختيار المنهج الملائم، فنراعي بذلك طبيعة النص ورؤية المبدع مع تطويع المناهج الحديثة، دون التزام حرفيّ بحدودها، بل في إطار ما يسمح به النصّ".

كما أشارت الباحثة إلى التهميش الذي طال أعمال محمود بيرم التونسي،  واعتبرت أن النقد المصري المهتمّ بـ"مذكرات المنفى"، أهمل الفترة التي عاشها محمود بيرم التونسي بتونس مثلاً، لأنه لم يسع إلى التنقيب عنها في الصحف التونسية التي نشرتها، ومنها "الزمان" و"السرور" و"الشباب" و"السردوك"، بل إن الكاتبة تحمّل المسؤولية لبعض دور النشر التونسية التي نشرت تلك المذكرات معتمدة على ترتيب فصول الكتاب، استناداً إلى تاريخ تدوين الفصل الأول من مذكرات المنفى، وأهملت في المقابل تواريخ النشر، وتدخّلت في المنجز بإقحام عناوين فرعية للحلقات، ما جعل من تلك المدونة المنشورة غير وفية للأصل، ونقلت عنها دور النشر اللبنانية تلك الأخطاء.

وتعتبر أن بحثها يندرج ضمن البحث في صورة الآخر واستكناه الأنا، ضمن مشروع ترميم الذاكرة وإعادة تبويبها والنظر إلى ذلك المنجز وفق نظرة شمولية.

في قضايا المتن وإشكالياته

قسمت الكاتبة ابتسام الوسلاتي بحثها إلى أربعة فصول، أولها "الصورة الأدبية بين المتخيل والتمثيل الثقافي"، ودرست فيه  الصورولوجيا وقضايا المصطلح  وتمثّلات الآخر في الرحلات العربية، والثاني "أطوار حياة محمود بيرم التونسي"،  ودرست فيه طور الحدوتة المصرية، طور المنفى الفرنسي، طور بيرم في المنفى التونسي، طور العودة إلى مصر ونهاية رحلة المنفى .

بينما خصصت للفصل الثالث "الصورة الأدبية للأنا والآخر وتشكلها في آثار محمود بيرم التونسي: مقاربة صورولوجية "، لدراسة اللغة والحقول المعجمية  للمبدع، وبنية الزمان والمكان واشتغالاتها، والشخصية وبنيتها عبر تفكيك اسم الشخصية وأبعادها وأصنافها وأسلوب تقديمها، وانعطفت على إشكالية تصنيف مذكرات محمود بيرم التونسي، وخاصة فيما يتعلق بمذكراته التي كانت تظهر ازدواجية أجناسية بين فَنّي المذكرات واليوميات، وجعلت الفصل الرابع "المرايا المقعرة، الأنا والآخر:

صورة للتبادل الاجتماعي والقيمي والثقافي بين الآخرية المألوفة والآخرية الغريبة"، بحثاً في صورة الأنا والآخر من خلال الأنساق اليومية والاحتفالية، كآداب السلوك، طقوس الطعام والشراب، سيمياء اللباس، دلالات المكان ورموزه، كما اهتمت بالآخرية من خلال المخزون الاجتماعي والقيمي، كصورة المرأة واختراقات المتخيل وتمثل الآخر من خلال النسق القيمي، وملامح صورة الأنا والآخر من خلال المشهد الديني والثقافي، لتختتم بحثها بالنظر في صورة الغرب في مرآة الشرق  في النص البيرمي، بين التاريخ والمتخيّل.

 معاناة بيرم ومنفاه

من الأمور المهمة التي تدرسها الناقدة في شخصية بيرم هي حياته في المنفى في فرنسا، والصعوبات التي سيتعرّض لها المبدع عندما ترمي به السلطات إلى أرض لا يتقن لغة أهلها. هناك يموت المبدع مرتين، لأنه يفقد وطنه ويفقد لسانه.  وليس أقسى على الكاتب أن يجد نفسه فجأة غير قادر على التعبير ولا التواصل.

وتؤكد ابتسام الوسلاتي أن قدرة بيرم على مواجهة المنفى كانت بحجم قدرته على مواجهة السلطة التي نفته، فلم يستسلم، والتحق بمصنع الحديد الذي لا يشترط إتقان اللغة الفرنسية، حتى تعرض لحادث أليم بسقوط قطعة حديد على فخذه.

تقلّب الكاتب في مهن عدّة، من محل بقالة إلى مصنع للحرير إلى مصنع للعب الأطفال، قبل أن تغلق في وجهه من جديد الأبواب ويضطر للهجرة إلى تونس، وقبول عرض محمد بدرة للأشراف على جريدة "الزمان" سنة 1932.

وتحدى إكراهات اللغة بالتواصل مع الصحف العربية بمصر، كـ"الشباب" و"الفنون"، حتى أصبح من أهم محرري جريدة "الشباب" ومصمم أعدادها.

وساهم نشر  عبد العزيز الصدر، صاحب جريدة "الشباب" كتابيه "السيد ومراته في باريس" و"السيد ومراته في مصر"، واختارتهما كلية برلين لتدريس اللغة العامية المصرية، في فك العزلة اللغوية عليه. حيث حقق الكتابان، وهما مجموع المقالات التي كان ينشرها بيرم في الجريدة دون نية تجميعها في كتاب، شهرة كبيرة لبيرم.

وتأتي أهمية كتابات بيرم  في تصديها لـ "مظاهر السلوك الاجتماعي الخاطئ في الشرق واستعرض فيها مشاهد مختلفة من الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، موجهاً نقده اللاذع لشتى الانحرافات". كل ذلك في أسلوب ساخر وشيق، صار بعد ذلك مدرسة تتواصل إلى اليوم عبر ما يعرف بالأدب المصري الساخر.

بيرم وجماعة تحت السور التونسية

تكشف الباحثة الأسباب التي دفعت محمود بيرم التونسي للانخراط في جماعة "تحت السور". فقد ربط بيرم علاقة متينة بزعيم الجماعة، علي الدوعاجي، وعرف أبا القاسم الشابي، وأعجب بعبقريته الشعرية، وهو ما جرّه تدريجياً للانضمام للجماعة الثقافية المارقة وقتها.

تقول الباحثة: "انخرط في صفوف جماعة تحت السور، بعد أن لمس اشتراكاً في الميول والتوجهات. فقد كان بيرم، كما تثبت سيرة حياته، متمرّداً وكارهاً للقيود بمختلف أنواعها، الأخلاقية والاجتماعية. وقد تحمل في سبيل ذلك جملة من الصعوبات التي اعترضته طيلة حياته، أما مجالس تحت السور فقد مثلت تجمعاً فنياً وأدبياً لمبدعين يبحثون عن آليات جديدة للتعبير، بعد أن أثبتت الأحداث أن الوسائل التقليدية عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات المرحلة".

لم يكتف بيرم بالانضمام للجماعة، بل انضم إلى فروعها الخاصة جداً كنادي المجانين، وهو نادٍ يجمع غلاة جماعة "تحت السور" وأكثرهم تطرفاً في الجرأة،  وكذلك انضم إلى جماعة ما عرف بـ"نادي السبعة".

وتوغل بيرم التونسي بسرعة في المشهد التونسي الذي رحّب به، فأطلق سنة 1936 جريدة "الشباب" الساخرة اللاذعة. غير أنها قضت نحبها بعد عشرين عدداً بسبب هذه الجرأة. تكتب د ابتسام الوسلاتي: "تمكّنت جريدة الشباب من أن تحظى بمكانة خاصة لدى القراء، ولكنها أثارت غضب رؤوس الفساد الذي استهدفهم بيرم بنقده اللاذع، بدءاً بممثلي السلطة الاستعمارية في البلاد وأعضاء المجلس الكبير وأعيان البلاد.

فتعددت الشكاوي لدى السلطة الاستعمارية التي كانت أول المتضررين من جرأة صاحب هذه الجريدة. بالإضافة إلى تضرر بعض الشخصيات العامة ممن فضح بيرم حياتهم الخاصة"، فعُطلت الجريدة ونُفي صاحبها.

سر نجاح أعمال د. ابتسام الوسلاتي التي تجعل من عملها ممكناً ومتاحاً للفهم في مستويات متعددة،

ومن قوة هذه الجريدة  في الإقناع وخلودها، أن الرئيس قيس سعيد كان قبيل قرارات 25 تموز 2021، يستظهر ببعض أعدادها ليحلّل الشأن التونسي اليوم،  ما يعكس خطورة ما كانت تنشره تلك الجريدة ونقدها للفساد والمفسدين .

 وقد استند قرار إغلاق الجريدة، كما تقول الكاتبة، إلى شكوى من السفارة الإيطالية، بعد أن هاجم بيرم في الجريدة موسوليني، واتهام شيخ مدينة تونس مصطفى صفر بعلاقة غير شرعية مع المطربة شافية رشدي، وبنشر قصيدة للجزائري مفدي زكريا، تشيد بكفاح الجزائريين  ضد الاحتلال الفرنسي. فتضامن معه جماعة "تحت السور" وظلوا على عهدهم به بعد رحيله، وظلوا يكتبون إليه ويكتب إليهم.

إن قيمة هذا الكتاب النقدي أنه لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي فقط، بل ينحو نحو السرد في أحايين كثيرة، ما يحوّل العمل إلى شكل من القصّ، نتتبع فيه سيرة  الكاتب قبل أن تتعمق الباحثة بتحليل تلك الأحداث وتأويلها وتنزيلها في إطارها الثقافي والسياسي العام.

وهذا سر نجاح أعمال د. ابتسام الوسلاتي التي تجعل من عملها ممكناً ومتاحاً للفهم في مستويات متعددة، وتباشره طبقات من الوعي متباينة من ناحية، ويجعله عملاً مرجعياً لا يمكن تجاوزه في دراسة هؤلاء الشخصيات وهذه الفترة  الثقافية والسياسية، المتقاطعة تونسياً وعربياً وعالمياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard