"Squid Game" وتشويه البراءة المرتبطة بألعاب الطفولة

السبت 16 أكتوبر 202112:05 م

تجلس بهدوء، تفتح حاسوبك، وربما تعدّ البوشار، وتتأهب لمتابعة لعبة الحبار "Squid Game" المسلسل الذي حطم أرقام المشاهدة القياسية على شبكة نتفليكس. بدايته اعتيادية، شخص مثقل بالديون، يعيش مع والدته المسنة بعد طلاقه من زوجته، وخسارة حضانة طفلته، ويحاول بشتى الطرق بما فيها المراهنات امتلاك المال لرد الديون المتراكمة عليه للبنوك، ولأشخاص يجبرونه بالعنف على توقيع تنازل عن أعضائه في حال عدم التسديد، لكن لن يبقى الوضع آمناً لهذه الدرجة، فإن كنت من أصحاب القلوب الضعيفة أو عمرك دون الـ18 عاماً توقف عن المشاهدة عند الدقيقة 45 من الحلقة الأولى.

لا يتعلق الأمر فقط بالمشاهد الدموية والعنف والرعب، بل بتحطيم مشاعرك الجميلة والبريئة المرتبطة بألعاب الطفولة.

لا يتعلق الأمر فقط بالمشاهد الدموية والعنف والرعب، بل بتحطيم مشاعرك الجميلة والبريئة المرتبطة بألعاب الطفولة، فالمسلسل يدور حول 456 لاعباً يتنافسون بست ألعاب للأطفال، ليفوز الرابح منهم بجائزة قدرها 45.6 مليار وون (حوالى 38 مليون دولار أمريكي)، لكن مع قاعدة بسيطة هي أن الخاسر يُقتل، لذلك ستكون على موعد مع رؤية 455 لاعباً يقتلون تباعاً، على مدى تسع حلقات.

المسلسل يتحدث عن مشكلة الديون الأسرية في كوريا الجنوبية التي ارتفعت في السنوات الأخيرة لتعادل الآن أكثر من مئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تسير جنباً إلى جنب مع تفاقم فجوة الدخل بسبب ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وأسعار العقارات في المدن الكبرى بما يتجاوز إمكانات معظم العمال العاديين حسب تقارير صحافية.

فالمبلغ الإجمالي للديون التي يتكبدها المواطنون الكوريون الجنوبيون العاديون يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة خمسة بالمئة من الناحية الفردية، هذا يعني أنه حتى وإن أدخرت كل قرش واحد كسبته لمدة عام كامل، فلن تكون قادراً على سداد ديونك وفق صحيفة الغارديان.

هذا الواقع الذي دفع الحكومة أخيراً لتناشد المواطنين وقف الإفراط في الديون، كما خفضت لجنة الخدمات المالية في تموز/ يوليو الماضي الحد الأقصى من القروض المصرفية التي يمكن للأفراد الحصول عليها بالنسبة لدخلهم إلى 40 بالمئة، وتعهدت تشديد القيود أكثر فأكثر لأن الديون تهدد الاستقرار المالي، وفقاً لرويترز.

والمفارقة أن المسلسل الذي اعتبر مكافأة رائعة لقرار نتفليكس باستثمار 500 مليون دولار في الترفيه الكوري في عام 2021، وأدى ذلك إلى ازدهار أسهمها، يروي معاناة إنسانية لطبقة معدمة مالياً، ويظهر بقسوة الانفصال اللاإنساني بين عالم الفقراء وعالم الأغنياء، فلا تعود قادراً على تمييز أيهما أكثر دراماتيكية المسلسل أم الواقع.

بالعودة لأحداث المسلسل، فإن الوضع المالي السيىء والديون يدفعان أبطاله للاشتراك بلعبة حتى بعد معرفة قاعدتها "الخاسر يموت"، اللعبة التي أسسها رجل بالغ الثراء لاستعادة متعة فقدها بعدما حصل على كل شيء، ليدعو أيضاً أمثاله من الأثرياء فاقدي الرغبة لمتابعة مراحلها مباشرة، فلا يبتعد هذا المشهد السريالي عن الواقع، مشهد أغنياء يجلسون للفرجة على فقراء تطحنهم الحياة، دون أدنى محاولة للتدخل.

ورغم أن فكرة اللعبة ليست بجديدة، فهي تشبه حلبة الموت في الحضارات القديمة كالحضارة الرومانية، حين كانت الشعوب تتسلى بمشهد أسيرين يتقاتلان حتى الموت، إلا أن الفكرة تبقى صادمة لكونها تحدث في القرن الواحد والعشرين، وبألعاب مرتبطة بذاكرة أطفال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، مثل إشارة خضراء إشارة حمراء، وشد الحبل، والكرات الزجاجية.

"تشبه اللعبة حلبة الموت في الحضارات القديمة كالحضارة الرومانية، حين كانت الشعوب تتسلى بمشهد أسيرين يتقاتلان حتى الموت، إلا أن الفكرة تبقى صادمة لكونها تحدث في القرن الواحد والعشرين، وبألعاب مرتبطة بذاكرة أطفال حقبتَي السبعينيات والثمانينيات"

فالمسلسل الذي تخطى عدد مشاهديه على نتفليكس خلال 27 يوماً فقط من بداية بثه نحو 111 مليوناً، متفوقاً بذلك على مسلسل "بريدجرتون" الذي تابعه 82 مليوناً في أول 28 يوماً، ويصبح رسمياً صاحب أكبر عدد من المشاهدين بين مسلسلاتها الأصلية، واجه انتقاد بأنه انتهك البراءة لاستخدامه ألعاب الأطفال في سياق عنيف ودموي.

عن هذا الأمر يقول مؤلف ومخرج المسلسل هوانغ دونغ هيوك Hwang Dong-hyuk في حديث صحافي: "كنت أرغب بخلق شعور بالارتباط بين الحنين لألعاب طفولتنا، وإحساس المنافسة الذي لا ينتهي لدى الكبار"، ويضيف "هناك مفارقة في تحول أجمل ذكرياتنا البريئة إلى واقع مروع".

هوانغ الذي بدأ العمل على السيناريو الخاص بلعبة الحبار في عام 2008 وأنهى مسودته الأولى عام 2009، قال في حديث صحافي آخر إنه شعر أن القصة "غير مألوفة وعنيفة" وساوره قلق تجاه ردة فعل الناس، لكن بعد حوالى 12 عاماً، تحول العالم إلى مكان يرحب فيه بمثل هذه القصص العنيفة والغريبة عن محاولات البقاء".

القصة العنيفة للمسلسل الذي انتشرت مشاهده بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تتوقف عند قاعدة الخاسر يموت، فالقاعدة دفعت اللاعبين أنفسهم لتبرير كل شيء من أجل الغاية الأسمى وهي الفوز، ليبدأ بعضهم بقتل بعض، ما يمنعهم من النوم، ويحول الليل إلى حرب حقيقية تحتاج متاريس وحارساً وأسلحة، ومع اشتداد المنافسة، تتسع دائرة الموت لتبتلع المثل والأخلاق والمثاليات والصداقات، فأنت أمام خيارين إما ضحية أو قاتل.

شعر مؤلف ومخرج مسلسل "Squid Game" أن القصة "غير مألوفة وعنيفة" وساوره قلق تجاه ردة فعل الناس، لكن بعد حوالى 12 عاماً، "تحوّل العالم إلى مكان يُرحَّب فيه بمثل هذه القصص العنيفة والغريبة عن محاولات البقاء"

شخصيات المسلسل الذي عرضته شبكة نتفليكس في 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، والمدروسة بعناية، والبسيطة إلى حد تشعر معه أنك صادفت جميعها في حياتك، تضعك في كل مشهد أمام تساؤلات كثيرة وجودية وأخلاقية، وتحطم قبل أن تصل لمصيرها البائس حرمة السلطة والمجتمع والدين والأسرة، بعدما حطمتها هذه المسلمات المقدسة، وأوصلتها لتكون في الحلبة قاتلاً أو مقتولاً.

ما يخيف فعلاً في مسلسل لعبة الحبار أنه حقيقي وواقعي ينتهي تأثيره مع بروز شارة النهاية، من الديون إلى تجارة الأعضاء والتناقضات المثيرة للغثيان بين عوالم الأغنياء والفقراء، والتفرج على موت الآخرين دون أدنى شعور بالتعاطف أو الشفقة أو الرغبة في التدخل، وأخيراً إلى قاعدة الموت للخاسر لربما ليست بلعبة لكن بأشكال مختلفة كحرب أو تنافس اقتصادي وعلمي وصناعي وغيره، فعندما تغمض عينيك هرباً من مشهد دموي مخيف، تعود لتفتحهما متذكراً أن عالمك ليس في حال أفضل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard