المفكر التونسي فتحي التريكي لرصيف22: المقاربة النظرية للحرية لا تكفي

الأحد 17 أكتوبر 202111:10 ص

يرى المفكر التونسي فتحي التريكي أنه "علينا أن نأخذ إرادة الشعب بكثير من الجدية، وألا نتحداها باسم الدين أو بتَعِلّات أخرى كالضرورة الاقتصادية والتلاحم الاجتماعي ومحاربة الفساد وغيرها من الدغدغات الإيديولوجية"، مبدياً قناعته بأن المفكر العربي "مدعو لتدعيم المجتمع المدني بالفكر العقلاني أولاً".

في المشهد العربي، يشير إلى أن الأحزاب الإسلامية صعدت إلى السلطة بما يسميه بـ"الوجدانية"، وحكمت بها، وهذا ما سرّع في سقوطها وفشلها، مرجحاً أن الإسلام السياسي لم ينتهِ بعد كما يروّج البعض، رغم فشله في تونس ومصر بسبب ممارسة سياسية الغلبة.

وفي تونس، يعتبر أن ما قام به التونسيون في 25 تموز/ يوليو 2021 هو انتفاضة شعبية هدفها تصحيح مسار الثورة التونسية، لافتاً إلى أن ما قام به الرئيس التونسي قيس سعيّد كان استجابة لمطالب شعبية، استناداً إلى دوره الدستوري، دون أن يخفي تخوّفه من "عودة الفكر الواحد والقرار الأوحد والمنقذ الأوحد وقريباً الزعيم الأوحد".

التريكي هو مفكر وفيلسوف تونسي، ولد عام 1947، وحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون في باريس، وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في تونس. وهو أستاذ كرسي اليونيسكو للفلسفة في جامعة تونس. ويُعَدّ من أبرز المفكرين العرب، وأثرى المكتبة العربية بعدة مؤلفات قيّمة أبرزها: "الفلسفة الشريدة"، "العقل والحرية"، "فلسفة التنوع" و"الهوية ورهاناتها".

وفي الآتي حوار أجراه معه رصيف22:

ـ في 27 تموز/ يوليو 2021، أي بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد بيومين، قلتَ إن ما حصل هو "انتفاضة شعبية هدفها تصحيح المسار الثوري بعد سنوات الجمر والفقر والمرض والمعاناة"، واعتبرتَ أن "قرارات رئيس الدولة دستورية دون شك" لأن مقاربته "تعتمد التأويل الذي يضيّق المسافة بين لغة الإفصاح في الدستور والواقع الشارعي الجديد". ما الأسس التي بنيت عليها موقفك هذا؟

نعم، ما حصل يوم 25 تموز/ يوليو هو انتفاضة شعبية هدفها مواصلة ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2010 وتصحيحها، وبيّنت في الكثير من تدخلاتي أننا نعيش مساراً ثورياً، وليس ثورة اكتملت وانتهت بقيام نظام ديمقراطي كما ظن الكثيرون من المفكرين والسياسيين. وقد انتفض الشعب مرة أخرى في 3 تشرين الأول/ أكتوبر، وسينتفض مرات أخرى حتى تتحقق أهداف الثورة المتمثلة في الكرامة (التشغيل والحياة الكريمة السعيدة)، وفي الحرية (الحرية الفردية والاجتماعية والديمقراطية السياسية).

والملفت للانتباه أن الدستوريين بعد كانون الثاني/ يناير 2011 اعتبروا، وما زالوا يعتبرون، أن تلك الثورة هي انقلاب تحت إمرة قوى خارجية، واليوم يعتبر "النهضويون" (أنصار حركة النهضة)، والذين كانوا معهم في الحكم أن انتفاضة 25 يوليو هي انقلاب تقوده قوى خارجية. ذلك ينمّ عن عدم قدرة السلطة السياسية على فهم معاناة الشعب وطموحاته. لذلك حاولت، وأحاول، أن أبيّن أن علينا أن نأخذ إرادة الشعب بكثير من الجدية، وألا نتحداها باسم الدين أو بتَعِلّات أخرى كالضرورة الاقتصادية والتلاحم الاجتماعي ومحاربة الفساد وغيرها من الدغدغات الإيديولوجية...

أما رئيس الجمهورية، فقد انتهز الفرصة ليستجيب إلى بعض مطالب الشعب، وكان ذلك هو دوره باعتباره، دستورياً، حامي شعبه من كل الأخطار الداهمة. وقناعتي أنه لو لم يقم بذلك ستجرفه الحركية الشعبية وتهدد النظام بأكمله، لأن الفئات الضعيفة (وتمثل أغلبية الشعب) أنهكها الفقر والبطالة وأناخت عليها الأمراض والجائحة بكلاكلها. أخَذَ قرارات كان لا بد من أخذها، وهي قرارات يمكن استخراجها تأويلياً من الدستور نفسه. قد يكون ذلك نتيجة ضعف الدستور نفسه، ولكن هذا التأويل ممكن ومحبَّذ في تلك الظروف. والذين ينادون بعدم مس الدستور مخطئون لأن الدساتير في العالم كله يمكن أن تكون موضوع قراءات مختلفة وتأويلات عديدة. لذلك تكوّنت في الديمقراطيات هياكل محايدة متكونة من رجال قانون ووطنيين يشهد لهم الجميع بوطنيتهم، لها وحدها الحق في إقرار التأويل الرسمي. عمل حزب "حركة النهضة" وحزب "نداء تونس" وحزب "قلب تونس" على ألا ترى المحكمة الدستورية النور لأسباب نعرفها. فقام الرئيس بواجبه الوطني ونجح في ذلك. فهل كان ذلك انقلاباً على الدستور؟ وهل كان رفض تكوين المحكمة الدستورية انقلاباً على الدستور؟

أنا شخصياً أميل إلى الاعتقاد بأن ما قام به الرئيس هو تأويل قد يكون مبالغاً فيه، ولكنه ناجع، إذ أنقذ البلاد من أكبر خطر عرفته تونس والمتمثل في تحالف قوي بين الإسلاميين (حزب النهضة وحزب الكرامة) والبرجوازية الكمبرادورية المالية (حزب قلب تونس) حيث يترعرع الفساد بكل أنواعه. كذلك أميل إلى القول بأن رفض تكوين المحكمة الدستورية من خلال تعطيلات متنوعة هو انقلاب واضح على الدستور لأنه أعطى الفرصة لفرد واحد بإمكانية التأويل. والفرد ليس معصوماً عن الخطأ، حتى ولو كان في أعلى مراتب السلطة.

ـ قلتَ أيضاً إن هذه القرارات قد تؤدّي إلى العودة إلى الحكم الدكتاتوري، فما تقييمك الآن لما نحن ذاهبون إليه، بعد قرابة شهرين من اتخاذ تلك القرارات، خصوصاً أن السلطات جميعاً ما زالت بيد رئيس الجمهورية الذي يرفض تقديم أي خارطة طريق للخروج من الوضع الاستثنائي؟

كان تخوّفي في محلّه لأننا نلاحظ يوماً بعد يوم عودة الفكر الواحد والقرار الأوحد والمنقذ الأوحد وقريباً الزعيم الأوحد. الآن، أصبحت كل السلطات وكل القرارات بل كل إمكانيات الحلول ومهمات التفكير عند الرئيس وحده لمدة غير محددة لا يعرفها إلا الله. وهذا مؤشر ضخم لحكم كلياني مستقبلي. إذا أضفنا إلى ذلك تكوين تنسيقيات تعمل في كل أنحاء البلاد لتشكل شيئاً فشيئاً لجاناً لحماية الثورة، فإننا سنحصل على مؤشر آخر لوضع أسس الحكم الاستبدادي، لأن هذه التنسيقيات ستكون مهمتها رفض الفكرة المغايرة المختلفة بالقوة "الشعبية" اليوم، وربما بأشياء أخرى غداً، كما فعلت يوم 5 تشرين الأول/ أكتوبر في باجة مع رئيسة "الحزب الدستوري الحر"، وكما تفعل كلما خرج أنصار النهضة وغيرها للتظاهر.

"علينا أن نأخذ إرادة الشعب بكثير من الجدية، وألا نتحداها باسم الدين أو بتَعِلّات أخرى كالضرورة الاقتصادية والتلاحم الاجتماعي ومحاربة الفساد وغيرها من الدغدغات الإيديولوجية..."

ويزداد تخوفي أكثر عندما نشاهد رفض الأحزاب جميعها وعدم التشاور والتحاور معها، وكأن هناك إمكانية لديمقراطية بدون أحزاب. أفلا يذكرنا ذلك بعداوة (الزعيم الليبي معمّر) القذافي للأحزاب في ما مضى؟ لا يمكننا تصور ديمقراطية بدون تنوع وتعدد في الأحزاب. وهل يمكننا تصور نظام سياسي لا يرتكز على أحزاب؟ حتى الدكتاتوريات والكليانيات ترتكز على الحزب الواحد. لذلك فإن هذه التنسيقيات ستتحول إلى الحزب الحاكم الأوحد إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. وعندما نعلم أن السيناريو السياسي الذي يترقبنا هو النظام المجالسي الذي يحذف إمكانية انتخاب البرلمان مباشرة من قبل الشعب، ويكرس نظام القبائل والعائلات، سنفهم أن النظام الجماهيري الذي كان سائداً في ليبيا سيكون نموذج النظام الجديد في تونس. لذلك ليس هناك إمكانية للخروج من هذه الوضعية الاستثنائية الآن إلا بعد تحقيق هذا النظام الجديد.

عبّرت هنا عن تخوفاتي العميقة وكم أتمنى أن أكون خاطئاً لأن الشعب لا يريد نظاماً دكتاتورياً، وقناعتي أنه سيناضل ضد هذا التوجه، وكعادته سينتفض ضد القهر مهما طال الزمن.

ـ تقول في كتابك المشترك مع الأستاذة رشيدة التريكي "فلسفة الحداثة": "ولئن تيسّر لنا في الوطن العربي أن نمارس في مستويات مختلفة بعض مظاهر الديمقراطية في فترات محددة بعد الاستقلال وبعد حركات التحرير الوطني، فإن التفكير النظري لتوضيح الأسس التي ترتكز عليها كل ممارسة ديمقراطية لم تصاحب بعد هذه التجارب الديمقراطية". كان ذلك منذ ثلاثين عاماً تقريباً. ماذا عن الراهن العربي الآن؟ هل ترى أن العرب تصالحوا مع الديمقراطية خصوصاً بعد الثورات؟

ليس ثمة شك في أن هناك كتابات مختلفة ومتنوعة عن الديمقراطية في بلداننا العربية، ولكن قلّما ارتقت هذه الكتابات إلى مستوى التنظير المؤسس للديمقراطية والموضِح لإمكانياتها في المجتمعات العربية. لا ننكر أن النسبية قد تلعب دورها في تحديد الديمقراطية التي تصبو إلى أن تكون كونية في معناها نظراً وتطبيقاً. والحقيقة أن الكثير من فلاسفة العصر ومفكريه استأنفوا طرح إشكالية الديمقراطية من جديد لأنها انحصرت في صبغتها الإجرائية القانونية في كثير من البلدان الغربية، ففقدت بذلك كنهها وغايتها لتصبح آلة سلطة قد تقود إلى نوع من الكليانية قد يلبس ثوباً ديمقراطياً مزيفاً، وقد عبّرت عن ذلك في بعض أبحاثي بمفهوم "الدكتاتورية الخفيّة".

والفكر العربي السياسي بصفة عامة لم يجد توازنه الخاص بتأطير الحياة السياسية في المجتمعات العربية لأن هذا الفكر بقي دائماً في حالة التساؤل المستمر عمّا ينبغي أن تكون عليه السلطة في تعاملها اليومي مع الأفراد، وفي بناء مشروعيتها التي تضمن لها البقاء والنجاعة، لذلك اتجه هذا الفكر عامة نحو إيجاد حلول لهذه التساؤلات، تارة تتمترس المشروعية خلف التراث الديني فتتخذ منه حصناً "منيعاً"، فلا يمكن لهذه الإيديولوجية الدينية أن تقبل التعارض أو الاختلاف، وتارة أخرى تحاول المشروعية الاعتماد على الحاضر بتعقّد مشاكله وتنوع معطياته لتنفتح على المستقبل وتبني بذلك فكراً تقدمياً يستند إلى العقل العلمي والتقني.

"نلاحظ يوماً (في تونس) بعد يوم عودة الفكر الواحد والقرار الأوحد والمنقذ الأوحد وقريباً الزعيم الأوحد. الآن، أصبحت كل السلطات وكل القرارات بل كل إمكانيات الحلول ومهمات التفكير عند الرئيس وحده لمدة غير محددة لا يعرفها إلا الله"

مجتمعاتنا العربية بقيت تتأرجح بين هاتين المشروعيتين، ولم يستطع الفكر العربي السياسي إلى الآن أن يقوم بهذه القفزة النوعية ليطرح جانباً وبصفة نهائية المشروعية الأولى، وألا يعتمد إلا مشروعية التقدم بكل أصنافها ونظرياتها. ويبقى الاختلاف وارداً، ولكن بين تقنيات المشروعية الثانية وكيفياتها. ذلك يعني أن الظاهرة السياسية بصفة عامة في المجتمعات العربية يجب ألا تخرج عن المشروعية الفكرية المدنية وإلا انزلقت المجتمعات في هيمنة عناصر غيبية لا ناقة للإنسان فيها ولا جمل. وقناعتي أن المفكر العربي مدعو لتدعيم المجتمع المدني بالفكر العقلاني أولاً، قبل الالتجاء إلى الوجدانية المهيمنة الآن في مجتمعاتنا.

ـ صعَدَت حركات الإسلام السياسي بعد الثورات في تونس ومصر بعد انتخابات توصَف بأنها "ديمقراطية"، رغم ما أثبتته تقارير محكمة المحاسبات في تونس مثلاً من تجاوزات عديدة مثل التمويل الخارجي المحظور والدعاية عبر قنوات غير قانونية، إلا أن هذه الحركات إما أن تفشل وإما أن يتم إفشالها. فأين يكمن الخلل برأيك؟

طبعاً، كان من البديهي أن تصعد الحركات الإسلامية السياسية بعد تلك الثورات لأن بينها وبين الحركات الشعبية التي انتفضت قاسم مشترك يتمثل في الوجدانية. فالأحزاب السياسية الإسلامية تعطي للجانب العاطفي أهمية قصوى في علاقاتها مع الشعب. وعندما تصل إلى الحكم تبقي نفس العلاقات بدون أن تتمكن من تدبير شؤون الناس بالعقل وبالعلوم المناسبة. فالوجدانية غير كافية، لذلك لا تستطيع هذه الحركات أن تبقى مسيطرة على الوضع السياسي مهما استعملت تقنيات التقيّة وتقنيات التمكين.

والجانب العاطفي سمّيته في أبحاثي بالوجدانية. وعندما نتحدث عن الوجدانية فإننا نعني قبل كل شيء الدخول في علاقة مباشرة وبدون واسطة مع الأشياء ومع الحياة بصفة عامة. ونحن نعرف أن الإنسان توصّل بعقله وإحساسه ووجدانه إلى معرفة ذاته وذات غيره من حيث هو آخر له الحق بأن يعيش ويفكر ويختار ويبدع حسب إرادته، وانطلاقاً من ثقافته وعقائده وطموحاته، ولا من حيث هو نتيجة لإرادتي وتطبيقاً لاختياراتي. فالوجدانية بهذا المعنى قد تحرر العواطف وتكسر القيود للتقارب والتحابب والتآنس والاحترام والتسامح، ولكنها قد تبعث شحنات عدوانية وتسبب الكراهية والعنف والاستبعاد بل قد تصل إلى حد التقتيل وإلى اللامعقول واللامقبول.

فالثورة التونسية التي أعطت للوجداني الجانب الأكبر، فتحت الباب للحركة الإسلامية التي تقوم أساساً هي أيضاً على الوجدانية لكي تصعد إلى السلطة. وفي واقع الأمر، الإنسان لن يكون عقلاً وحسب، ولن يكون أداة وآلة، لأنه يعيش ويشعر لذة اختياراته وعقائده وروحانياته. لذلك، لا بد من إعطاء الوجدانية مكانتها الدقيقة، ولكنها لن تكون كافية لتجعل الإنسان قادراً على التحكم في الطبيعة والحياة. وكنت قد بيّنت أنه لا بد من تفاعل إيجابي بين العقل والإحساس، فهذا التفاعل هو التعقل، وهو الذي سيربط العقل بالحرية، وسيربط الحرية بالمسؤولية ويجعل المجتمع في حالة توازن. والتعقل لا يعني الاستكانة وقبول الأمر المقضي، بل يعني فسح المجال أمام العقل لكي يكون تآنساً لا وسيلة انهيار للإنسان واضمحلاله، وفسح المجال للوجدان لكي يكون رحمة وتسالماً.

"النظام الجماهيري الذي كان سائداً في ليبيا سيكون نموذج النظام الجديد في تونس"

لم تستطع النهضة عند وصولها إلى الحكم أن تستعمل قاعدة التعقل، بل تمادت في تهور الوجدانية، فبدأت بخرق قوانين الديمقراطية نفسها، وقد بينت لنا تقارير محكمة المحاسبات ضخامة هذه الخروقات. لذلك ما زلت أعتقد أننا بعد انتفاضة الثورة لم نستطع تطبيق قواعد الديمقراطية، رغم أن دستور 2014 قدّم أرضية مهمة لذلك. والمسؤولية في ذلك لا تقع فقط على عاتق حزب النهضة بل تتقاسمها كل الأحزاب التي وصلت إلى السلطة كنداء تونس.

هكذا، يكمن الخلل في عدم القدرة على احترام القوانين وتفعيلها نتيجة التهور الوجداني الذي يؤدي إلى إيديولوجية الغلبة.

ـ تروَّج هذه الأيام فكرة مفادها أن الإسلام السياسي انتهى، ويبشر كثيرون بمرحلة "ما بعد الإسلام السياسي" مستندين إلى ما حصل في مصر وتونس مؤخراً. ما مدى وجاهة هذا الطرح برأيك؟

شخصياً، لا أعتقد أن الإسلام السياسي ولّى وانتهى. فلا ننسى أنه متنوع ومتعدد، حتى وإنْ كانت له نواة واحدة وقاسم مشترك يتمثل في تطويع الدين الإسلامي لخدمة المشروع السياسي. ولكن ذلك لا ينفي أنه فشل في مصر وتونس في الظروف الحالية لأنه استعمل سياسة الغلبة النهائية، ولم يتفطن إلى أن الإرادة الشعبية حقيقة ومعطى سياسي هام. أنا دائماً أتساءل لماذا نجحت المسيحية السياسية ولم ينجح الإسلام السياسي؟ لعل ذلك يعود إلى النموذج الإجرائي والعملي المعتمد. فالمسيحية السياسية تنظر إلى المستقبل، وتتخذ من الإنسان مهما كانت أفكاره وعقائده ووضعيته الاجتماعية هدفاً استراتيجياً، بينما ينظر الإسلام السياسي إلى الوراء، وغايته العودة إلى الخلافة أو إلى نظام مشابه، وهدفه إخضاع الإنسان للإسلام الذي يعتقد أنه هو الأصح والأصلح.

كنت شخصياً أظن أن النهضة ستكون رائدة في ممارسة جديدة للإسلام السياسي يقوم على المبادئ الإنسانية الكبرى، ولكن الأحداث بينت عكس ذلك، فكانت هناك ممارسات الغلبة والغنيمة والتقية والتمكن وغيرها من الممارسات التقليدية للإسلام السياسي المنتمي نظرياً لتنظيم الإخوان المسلمين.

ـ قبل الثورة، لما اشتدت حملة النقد على الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي بسبب تعدّيه الصارخ على حقوق الإنسان والحريات العامة، لجأ إلى بعض "الفلاسفة" ليضفي مشروعية على ما يفعله، فألقوا المحاضرات عن حقوق الإنسان بين يديه وألّفوا عنه الكتب. وبعد الثورة، استقطبت حركة النهضة أيضاً بعض "الفلاسفة"، وكذا فعل "نداء تونس" بعدها، وما زلنا نشهد لجوء السياسي إلى الفيلسوف إلى أيامنا. كيف ترى علاقة الفيلسوف بالسياسة؟ وأي دور يمكن أن يلعبه إزاء السلطة برأيك؟

أن يلجأ السياسي إلى الفلسفة والفلاسفة ليفهم الأسس الثابتة للعمل وللممارسات بتنوّعها فهذا أمر طبيعي ومحبّذ. ولكن أن يلتجئ المفكر الفيلسوف إلى السياسي ليبرر ممارساته المختلفة، ولا سيما منها التعسفية والظالمة، أو التي تصب في الدكتاتورية، فهذا أمر مرفوض، ولا يمت إلى الفلسفة، بل يقع ذلك عادة طمعاً في المناصب والجاه والنقود. وشخصياً لاحظت أن بعض هؤلاء قد نزع عنه لباس الفلسفة ليرتدي جبة السياسة، وكثيراً ما يكون في ذلك فاشلاً، وعرفنا في فترة بن علي مَن مارس التخويف والترهيب على زملائه، فكان دكتاتوراً صغيراً. طبعاً، لحركة النهضة فلاسفتها ومن بينهم مَن كان تلميذي، ولكنهم فضّلوا أن يكونوا من القيادات السياسية، وهناك مَن لبس جبتهم في الحين وأصبح عمادهم الفكري، ولكنه فشل، إذ سيطرت علية معطيات سياسية خانقة، فانعزل عنها، وأصبح ينظر للعمل السياسي بصفة عامة.

"الأحزاب السياسية الإسلامية تعطي للجانب العاطفي أهمية قصوى في علاقاتها مع الشعب. وعندما تصل إلى الحكم تبقي نفس العلاقات بدون أن تتمكن من تدبير شؤون الناس بالعقل وبالعلوم المناسبة"

أنا لست ضد تسييس الفلسفة، وتفلسف السياسة، كما أنني لست ضد اختيارات المفكرين بصفة عامة الانتمائية والحزبية، فذاك من حقهم. ولكنّي أرفض المراوغة والتخويف والانتهازية التي قد تصاحب هذا الاختيار. ومهما يكن من أمر، فإن دور الفيلسوف في السياسة وغيرها هو التوضيح والتحديد والنقد والتشخيص والتنظير، لعل بذلك سيؤدي خدمة هائلة لبلاده ولشعبه.

ـ ركزت في مشروعك الفلسفي على مفهوم "الفلسفة الشريدة" الذي خصصت له كتاباً من كتبك، وترى أن هذه الفلسفة لا تستطيع "إلا أن تكون مناضلة من أجل الحرية والاختلاف والتنوع"، فما الفلسفة الشريدة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تساعدنا على تمثل قيم الحرية والاختلاف والتنوع في بيئتنا العربية؟

في الواقع، ألفت هذا الكتاب في فترات مختلفة من سنة 1977 إلى سنة 1987 وكان عبارة عن مقالات بعضها نُشرت في تونس وفي الشرق العربي. وقد توجهت بالنقد والتوضيح إلى نظريات كانت سائدة آنذاك، وتقوم على وحدة التفكير ووحدة التدبير، إذ كنّا نعيش فترة الحزب الواحد والفكرة الواحدة والزعيم الأوحد مدى الحياة، وكانت المعارضة المختفية وغير المعترف بها هي أيضاً تعتمد الماركسية كنظرية واحدة ممكنة لإنقاذ تونس من دكتاتورية الحزب الواحد لتلقي بها في دكتاتورية البروليتاريا، لذلك دافعت عن تصورات أخرى تعتمد التحرر من الفكر الأوحد. وأول هذه التصورات تهم مسألة الحرية بالذات من حيث هي ركيزة أولية وضرورية لكل تقدّم ممكن. ومقاربة هذه المسألة لا تكون مجدية إلا إذا كانت مقاربة جدلية مفتوحة مرتبطة بمفاهيم مجاورة كالمسؤولية، والقرار والفردية والتعايش والغيرية وحقوق الإنسان وغيرها من مفاهيم أساسية تجعل من الحرية شبكة معقدة من التصورات والممارسات. إلا أن المقاربة النظرية للحرية لا تكفي باعتبارها أيضاً ممارسة في الأساس على المستوى الوجودي والاجتماعي يجب أن ترافق كل تفكير فيها وكل تنظير وتأسيس لها. فالتفاعل الحقيقي بين مفهوم الحرية وممارستها داخل كل طيات المجتمع هو الذي يعطيها إيجابية قصوى ويجعلها تسكن بسهولة كل مجتمع ممكن. لذلك جاء الكتاب متناغماً يضم النظر والعمل في مسألة الحرية والحقوق، وهو أول كتاب في العالم العربي ينظر لفلسفة التنوع، وقمت بتأليف آخر سنة بعد صدوره يهتم بقراءات في فلسفة التنوع.

ـ تركز في مشروعك الفلسفي على ضرورة أن تقترب الفلسفة من الناس وتغادر دائرتها النخبوية الضيقة، كيف يمكن برأيك أن تتحول الفلسفة إلى نمط حياة في واقع ما زال فيه كثيرون يرونها "حراماً" أو "إلحاداً" أو "كفراً"؟ وهل تمثل الفلسفة خطراً على الدين برأيك في ظل اشتغالك بفلسفة التنوع وفي واقع عربي يحاول تكريس فهم معيّن لآية "لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم" (سورة المائدة آية 101)؟

نعم. في كتابي الفلسفة الشريدة، أكدت على العلاقة العضوية بين الفلسفة وشؤون الناس، لأن هذه الفلسفة الجديدة آنذاك لن تكون مجدية وفاعلة إذا لم تتفاعل مع هموم الناس، وإلا ستتمادى في الإغراق الميتافيزيقي، وقد تصبح أضغاث أحلام وحديث صالونات. وهذه الفكرة طورتها بعد ذلك في مفهوم التعقل ومفهوم العيش المشترك ومفهوم الكرامة، وأخيراً في كتابي "فلسفة الحياة اليومية". أما الذي يرى فيها إلحاداً، فهو لم يفهم معنى الفلسفة الجديدة التي لا تتدخل لا في الدين ولا في العلوم ولا في الشعر والأدب وغيرها لتعويضها، أو لتأخذ مكانها، لأن مهمتها التوضيح والتشخيص والنقد. والحقيقة أن الفلسفة الشريدة حددت مهمتها في تسليط بعض الأضواء على الحالة التي وصل إليها التفلسف بعد أن تخلى عن إنتاج المذاهب والأنساق، وتأسيس المدارس الكبرى والطرق. لقد أضحى التفلسف يحتفي بكل لون من ألوان التفكير والتعبير البشري، مناهضاً بذلك كل دكتاتورية فكرية تحاول، باسم وحدة التفكير، طمس حرية الممارسة الفنية، والعلمية، والتفكيرية العامة.

والفلسفة الشريدة لا تمثل خطراً على الدين والتدين، لأنها تعطي الحق للجميع أن يعتقد ويفكر ويقتنع ويمارس دينه ومعتقداته بشكل واضح. والشرط الوحيد هو أن يقبل حرية الآخر، فلا تحدّ حريتي إلا حريةُ الغير. وقد ورد توضيحٌ للآية المذكورة في حديث نبوي شريف "لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". فالمعنى الذي أعطاه الرسول أخلاقي بامتياز، والآية لا تعني أن لا نتعقل حياتنا ووجودنا، وأن لا ننتج علوماً ولا نبدع، وأن نبقى في جهالة لا نفكر ولا نبدع كما حاول بعضهم إعطاءها هذا المعنى. وإذا انتبهنا إلى أسباب نزولها حسب شهادات ثقات وأصحاب الرسول، تأكَّد لنا تأويلنا الحياتي الأخلاقي. ومهما يكن من أمر، فإن الآيات التي تحث على المعرفة والعلم والعقل كثيرة ومبثوثة في آيات القرآن الكريم. فقد اتفق القدماء أن معنى الآية تأديب من الله للمسلمين حديثي العهد أن يسألوا الرسول ويتساءلوا عن أشياء لا فائدة من ورائها، كالسؤال الذي توجه به أحدهم للنبي قائلاً: "يا نبي الله، مَنْ أبي؟" فأجابه الرسول: "أبوك حذافة". ولا يستطيع أي كان أن يقارن بين السؤال الفلسفي وسؤال ابن حذافة، فشتان بين الثرى والثريا، كذلك لا يستطيع أحد أن يبين أن السؤال الفلسفي دون فائدة لسذاجته. وقد حاولت كل الأديان أن تستعمل الفلسفة لفائدتها وقد بيّنت ذلك في كتابي "الفلسفة الشريدة".

ـ تُدرّس الفلسفة في بعض رياض الأطفال في بريطانيا وأوروبا لأطفال في عمر الخمس سنوات. ما تقييمك لهذه التجربة خصوصاً أن هناك مَن يطرحها اليوم في تونس؟

نحن في اليونسكو فتحنا هذا الملف في أوائل هذا القرن بعد أن تطورت الدراسات السيكولوجية التي بيّنت أن الطفل يستطيع استيعاب أفكار كثيرة وبسرعة مدهشة منذ صغره، كما أنه يستطيع تعلم اللغات بإتقان. ففكرة أن الطفل يتعلم بمراحل من طفولته إلى شبابه غير دقيقة. فإذا لم نقم بتعليمه الفكر والعلم والإبداع منذ الصغر سيعوض ذلك بتعلم التقاليد المكبلة وأشياء أخرى. وبما أن الغرب يريد أن يكون رائداً في كل شيء، فقد قام بتكوين مراكز بحث حول هذا الموضوع وبتجارب عديدة كانت ناجحة. طبعاً نحن في العالم العربي أناخ علينا الجهل والخوف بكلاكله، ولن تجد مَن يقوم بتكوين مراكز بحث تضم المربين وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والفلاسفة والقيام بتجارب في هذا الميدان. ونحن في معهد تونس للفلسفة قمنا بالتحسيس بهذه الإشكالية التي عمل عليها المرحوم محمد علي التواتي والأستاذة هدى الكافي. وكنّا قد اقترحنا على أصحاب القرار تثبيت حصة في الابتدائي تسمى "إيقاظاً فكرياً" على منوال "الإيقاظ العلمي" يمكن فيها تعلم التساؤل وبعض القيم بواسطة الحوار، دون أن نطلب حفظاً، ودون إسناد أعداد. هي حصة حرة ومفتوحة يقوم بتنشيطها المعلم نفسه بعد تكوينه في هذا الميدان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard