لم يكن لنا وطن كالبقية… لكن أصبحت تنبعث مني "ريحة البلاد"

الأربعاء 13 أكتوبر 202112:09 م

ـ لا شيء هنا سواك.

في هذه الكتلة النارية، طائر برتقالي يُحلق قريباً من معبرٍ كان يمكن لي أن أدخل منه، وأخرج، على نحو عادي، من دون اعتراض من الكآبة، والغضب، خلال هذه المهمة التي كانت فعلاً طبيعياً، تتيح للبشر العبور والخروج من بلدانهم، من دون مباغتة الحدود، ومعابرها: إلى أين؟

كانت الأرض مفتوحةً كصداقة مع الريح، تمنحنا البلاد، والحب، والموت، من دون أن تكون هناك خرافات تقتل حاجتنا الأبدية إلى العبور بحرّية. وحين أصبحت الحدود قائمةً، اختنقنا بالحرمان من التنفس في الأمكنة التي رسمتها أرواحنا أوطاناً لنا، وفيها قبور أسلافنا، وبذارهم، ونقوش حجارتهم العفوية والمتقنة على المباني، وملامحهم المعتقة في الأشجار، والأغاني، والحكمة.

اليوم، وأنت تقف على حافات معبر، يقودك بعد نصف قرن إلى وطنك، زائراً، ستبحث عن وطنك في وطنك، لتحتمي برائحته، ثم تدخله نزِقاً، أو مشتاقاً، أو غاضباً.

تهيأتُ إذاً للعبور إلى هناك، أريد أن أستشنق "ريحة البلاد"، وأغمض عينيّ على صورة التقطتها بحنيني الممزق، لأفتحهما على مجالي الحيوي للإقامة في الذاكرة، والحقيقة، داخل حدوده، فأنكبّ على التجوال في شوارع المدن، والقرى، والأحياء، والمخيمات. آه... المخيمات التي ما تزال تحفر أوتادها في أعماقي، لأرى ما لم أره خارج هذه القطعة المؤرقة في القلب، من تضاريس تتألم، وحيوات تختنق بالغاز المسيل للدموع.

اليوم، وأنت تقف على حافات معبر، يقودك بعد نصف قرن إلى وطنك، زائراً، ستبحث عن وطنك في وطنك، لتحتمي برائحته، ثم تدخله نزِقاً، أو مشتاقاً، أو غاضباً

ربما سأرى في هذا الوطن، ما رأيته في أمكنة أخرى، هي أيضاً أوطان آخرين، لكنني هنا أعبر إلى وطن لي، لا إلى أمكنة أخرى ليست لي، وألمس الرائحة التي اختزلتها أمي ذات صبيحة مورقة بفوح شتلة ريحان تجلس على حافة سور منزلنا معطّرة بـ"ريحة البلاد".

ربتت أمي على شعري، ومسحت دمعة كانت تختنق بها، وثمة حسرة تجمدت في صدرها. سألتني بصمت عن الصور التي نخط فيها على دفاتر الرسم، ما نلتقطه منها، ومن أبي، عن فلسطين: هل تعرفها لترسمها؟

نبدو أنا وأشقائي عاديين جداً، ممتلئين بالحكايات عنها فحسب، وهي تتدافع كقطعان ألمٍ نلمس ضنكها، تحت هذا الصفيح الذي التهبت به أرواحنا وأجسادنا، بعد أن جرحتنا الأمكنة، ومزّقتنا في أجزائها المتناثرة، سفراً، وترحالاً، وبحثاً عن لقمة كي نستمر في الحياة، ونصمد فيها، لنغيظ من يرتقبون موتنا.

لم يكن لنا وطن كالبقية. لم تكن لنا بيوت كالبقية. لم تكن لنا عرائش، أو حقول، كالبقية، أمكنة فحسب، نبني فيها أحلامنا بالعودة إلى الوطن، ومع الاعتياد ربما صارت وطناً، أو صورة عنه، أو قطعة من ثوبه المُتخيّل.

وها أنت ستذهب إلى الوطن هذه المرة، وستقف على نقطة عبور، هكذا يسمّونها، والنقطة عادة ما تكون في نهاية السطر، أو بين جملتين مقطوعتين في طريق السرد، تتعثران أحياناً برغبة في الاستمرار، ليكتمل السرد، أو تتعرضان للسطو، ليبدو السرد حاسماً، ونهايته وخزة، أو طعنة.

عليّ إذاً التأهب لهذا الحلم، والوقوف عند النقطة بكامل أوراقي الثبوتية التي تقول إنني لست من الوطن، فأُخرج حينها بطاقة شخصية، أو جواز سفر، لأشخاص لا أعرف كيف يمكنهم استقبال زائر قادم إلى وطنه، مُشتقّاً من "ريحة البلاد"، وخارجاً من نبضها بهدوء، وروية، وألم، وتظهرهم بأنهم من الوطن أيضاً، ولهم مثله "ريحة بلاد"، لكنهم في المواربة التي تتهاوى تحت مطرقة الفكرة كلها، ليسوا منه، ولا يعرفونه كما أعرفه، أنا الغائب عنه، والبعيد عنه، والمقطوع كنقطة بين جملتين حزينتين، أو الواقف في حلق السطر الأخير من جملة تبكي.

لم يكن لنا وطن كالبقية. لم تكن لنا بيوت كالبقية. لم تكن لنا عرائش، أو حقول، كالبقية، أمكنة فحسب، نبني فيها أحلامنا بالعودة إلى الوطن، ومع الاعتياد ربما صارت وطناً، أو صورة عنه، أو قطعة من ثوبه المُتخيّل

ـ هل سواك هناك؟

تبدو الكتلة النارية مصحوبة بشرر ساخط يتجول في السماء. ذيلُ طائر صغير ربما، كلما ابتعد يكبر، ويصبح على هيئة وحش أسطوري، مَشوباً بخيال جامح لحالم برؤية ما ستقوله الأسطورة في نهايتها.

أي طائر هذا الذي ظل يلازمني طوال تأهبي لزيارة وطني، كغريب يحمل هوية أخرى، ونفساً آخر، وملامح لم تتمزق على الرغم من مرور نصف قرن من الغياب عنه.

ذات مساء، زارني في بيتي صديق من الكويت. حين دخل البيت، وقف على عتبته، وتنفّس بعمقٍ، يستنشق رائحة البيت. أصابني بالارتباك، ترى أي رائحة يتنفّسها الآن؛ قلت. ثم حين جلس على الأريكة، كان مستثاراً، يبحث بعينيه عن شيء ما فوق الجدران. لم تكن هناك أي صور، أو رسوم، تُعبِّر عن هوية صاحب البيت، أو شغفه. كانت جدران منزلي عارية تماماً.

كانت الكلمة الأولى التي قالها، وهو يرخي جسده فوق الأريكة: ذبحتني، لقد تنشّقت رائحة فلسطين في بيتك.

لم نكن نتحدث عن فلسطين كثيراً، حين نلتقي، ولم يجرِ بيني وبينه أي حديث عن الروائح. لكنه في بيتي استنشق عطرها، وغالباً كنت أصوغ علاقاتي مع الأصدقاء، بعيداً عن الهوية، أو البحث في غلالاتها المُتشربة في الذات. أستخدم حدسي فحسب، لأعرف مقدار الرائحة التي تُشقق الروح، وأستنشقها بهدوء وصمت، لأنني كنت أتوجس من ألا تنبعث رائحة وطني مني.

بقي الطائر المتوهج يحلّق، وبقيت أبحث عن تلك الرائحة.

ـ دعك من المُخيّلة، واقبض على الحقيقة.

لم نكن نتحدث عن فلسطين كثيراً، حين نلتقي، ولم يجرِ بيني وبينه أي حديث عن الروائح.

لم تستطع الكلمات المتفحمة فوق الموقد، طرد الطائر البرتقالي. كانت رائحته تنبعث من كل شيء حولي؛ ملابسي، وكتبي، وعلبة سجائري، وأوراقي المبعثرة على المكتب، وهواجسي، وارتباكي الواضح، وتسلسل رغباتي الخفي، وقائمة حاجاتي الصغيرة، وفناجين القهوة المبعثرة في حوض الغسيل داخل مطبخي، وشتلة ريحان صغيرة في أصص لا أعرف من أين جلبتها. كانت تقف إلى جانبي، لتبدو كملمح بسيط يشير إلى أنني أحلم بمكان ما، مفتوح الذراعين، يستقبلني بخضرته. أريد الخضرة فحسب؛ القلب الأخضر، والجدران الخضراء، والأحلام التي تتعربش عليها أشجار الكرمة، عريشاً يَخضوضر، ويحتمي بـ"ريحة الوطن"، "ريحة البلاد"، ليظل أخضر، مُؤسِساً وطنه خارج الجغرافيا، وفي الجغرافيا ذاتها.

لم أضع على جدران منزلي صوراً، أو خرائط، أو عبارات كتلك التي يضعها الغائبون عن أوطانهم عادةً، في تلك المساحات الصامتة. بقيت زوايا البيت خاليةً، وبقيت جدران البيت غافيةً على فراغها، لكن النبتة كانت الضوء الوحيد الذي يستدل عليّ. وثمة رائحة لزيت زيتون تنبعث من المطبخ، وتفاصيل لا أدري كيف كانت تذهب معي، لتقول ما قاله صديقي الكويتي عن رائحة بيتي.

تَفحمت الكلمات. لم تمنحني فرصةً للقبض عليها قبل أن تتفحم. أمسكتُ بها مُتفحمة، ومشدوهة، لا تتحرك. كان عليّ أن أكون أقل توهجاً، أو أقل حزناً، لا فرق. المهم أن أكون، لكي تهمس لي تلك الكلمات، بأنه حان دورها لتقول: أنت عائد إلى فلسطين، ولو مؤقتاً.

ـ لماذا ابتسم الطائر البرتقالي، وتجشّأ بحزن؟

كثيراً ما حاولت تخيل هيئة طائر يحتفي بمكان لي على جناحيه، ليحلق بي بعيداً عن الأرض، ويَسْبح في السماء، إلى أن يصل إلى فلسطين. كنت أريد رؤيتها من السماء فحسب، لا على شاشات التلفزيون، أو في الصور الفوتوغرافية، أو بين سطور الكتب.

لم يكن التخيّل ممنوعاً عليّ، كما منعنا مدير مدرستنا بلحيته الصغيرة، ذات صباح، من قراءة أشعار محمود درويش، لأنها تُحرّض على الشَغب، ولأن صديقه سميح القاسم، قد يأخذنا إلى السجن. وطلب منا أن نُبدّل أغنية "سجن عكا"، في مسرحية مدرسية، بأغنية أقل غضباً، فرفضنا عرض المسرحية من دون الأغنية الأكثر غضباً، ولم ينتصر رفضنا، بل حُرمنا من عرض المسرحية التي أخذناها بيدين مرتجفتين إلى نادٍ في أحد المخيمات، وعرضناها، ونحن نتلفت حولنا.

كان الطائر معي في هذه الرحلة الخائفة، يبتسم، ويمسك بي، ويضعني فوق منبت جناحيه، لنمضي إلى فلسطين، ولو في المُخيلة، ولنعرض مسرحيتنا حتى لو على مسرح ما في السماء.

لم يكن التخيّل ممنوعاً عليّ، كما منعنا مدير مدرستنا بلحيته الصغيرة، ذات صباح، من قراءة أشعار محمود درويش، لأنها تُحرّض على الشَغب، ولأن صديقه سميح القاسم، قد يأخذنا إلى السجن

ـ هل أنت وحدك؟

معي شيئان، حدسي ومخيلتي، ولا يمكنني الاستغناء عنهما، لكنني هذه المرة معي أنا، وكرة نارية أضحت أكبر مما كانت عليه، وبينما أغطي جراح تعثري في الطرقات، وضعت ما معي كله في حقيبتي، وركضت بذراعين مشدوهين، أريد أن أستنشق "ريحة البلاد".

ذات صباح، كتبنا على جدران الحارات كلمة فلسطين، ورسمناها على طريقة غسان كنفاني في لوحته الخطية الشهرية لاسم فلسطين، ملونة، وجميلة، وحادة الحافات، تشبه نصلاً مجنوناً تنغرز فيه الألوان، وتسيل منها نقاط حمراء متوهجة.

في ذلك الصباح، رسمت طائراً صغيراً، نارياً، عند نهاية حرف النون، وابتسمت، ثم أمسكت بالطائر، ودسسته في صدري. كانت انتفاضاته المُتفلتة تلهث بين أضلُعي، وتركض معي في الشوارع.

أصبح الرسم على الجدران علامة بارزة في الحارة، وكبر الطائر الصغير معي، إلى أن صارت تنبعث مني "ريحة البلاد"، كما أخبرتني جدتي أم والدتي، حين كنت أجلس قريباً من رأسها، قبل رحيلها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard