الشاب حسني... فن باق برغم التهميش

الخميس 30 سبتمبر 202108:48 م


"يا لميمة ماتبكيش حسني راح مايوليش"، وتعني "أمي لا تبكي، حسني ذاهب ولن يعود"، هي كلمات آخر أغنية لملك الراي الرومانسي في الجزائر حسني شقرون، المعروف بالشاب حسني. وكان قد أداها في حفل أحياه بأحد ملاعب الجزائر في 5 يوليو/تموز 1993، وكأنها نبوءة، إذ اغتاله إرهابيون في 29 سبتمبر/ أيلول من العام التالي.   

هذه الأيام، يسترجع عشاق المغني، الذي تعدت شهرته حدود الجزائر، الذكرى الـ27 لاغتياله وسط تساؤلات لا تزال مثارة حول ظروف مقتله، الذي فتح الباب لاغتيال فنانين آخرين خلال العشرية الجزائرية السوداء.


لم تكن "يا لميمة ما تبكيش" أغنيته الوحيدة التي تحدث فيها الشاب حسني عن موته. فقبل أن يغنيها بثلاثة أشهر، في مارس/آذار 1993، غنى "قالوا حسني مات"، التي تكررت فيها ثيمة إخبار أمه بوفاته وانفطار قلبها عليه. هذه الأغنية تم تصويرها فيديو، تظهر فيه أم تبكي بينما تتوجه إلى بيت ابنها بعد سماعها خبر وفاته، لتجده نائماً معافى، وكان يوجه فيها حسني رسالة إلى من هددوه، إلا أن تفاؤله بفشلهم في اغتياله لم يدم طويلاً.


في أيامه الأخيرة بدا الشاب حسني متيقناً من اغتياله الوشيك. تقول زوجته ملوكة شڨرون المستقرة في باريس إنها تلقت مكالمة من زوجها قبل وفاته بيومين سألها خلالها: "لو أخبروك أني توفيت، هل ستتزوجين بعدي؟".  

وتقول لرصيف22: "زوجي كان كثير الحديث عن الموت، خاصة لما توفي أحد أصدقائه بحي كومبيطا بقلب مدينة وهران غرب الجزائر، قال لي يومها ‘الموت اقترب مني اليوم أكثر’".


من هو الشاب حسني؟

حسني شقرون أو الشاب حسني، هو أحد الأسماء اللامعة في سماء فن الراي الجزائري. نال شهرة عالمية رغم صغر سنه وقصر مدة غنائه.

ولد في مدينة وهران، معقل الراي، لأسرة من خمسة أخوة وأب حداد وأم ربة بيت في فبراير/شباط 1968، وانقطع عن الدراسة بسبب عشقه لكرة القدم، رغم حلم أبيه أن يصير ابنه طبيباً. اعتقد والده أن رفاق السوء كانوا سبباً في تراجع مستواه الدراسي، متجاهلاً بروز نزعة موسيقية في ابنه الذي كان يقضي جل وقته بين الملعب وترديد أغاني الراي الشهيرة آنذاك. ولولا إصابة مبكرة أقعدته عن لعب الكرة، خضع بعدها للعلاج أسابيع طويلة، لفقدت الجزائر واحداً من أهم رواد الراي الرومانسي.

"لم توقفه شلالات الدم التي أسالها الإرهاب عن الغناء وإحياء الحفلات، رافضاً الهروب عن الوطن كما فعل أقرانه من نجوم الراي الذين لا يزالون مستقرين بالدول الأوروبية والأمريكية"

بدأ حسني في إحياء حفلات موسيقية صغيرة وأعراس محلية رفقة فرقة محلية اسمها قادة ناوي، وذاع صيته بسبب حسن أدائه وعذوبة صوته.

 في سن الـ18 توصل حسني لاتفاق مع شركة إنتاج محلية لتسجيل أول البوم غنائي رفقة مغنية مغمورة آنذاك اسمها الشابة الزهوانية التي ستصبح فيما بعد من أعمدة الراي الجزائري. حملت أولى أغنياتهما المشتركة عنوان "البراكة"، واعتبرت واحدة من أكثر أغاني الراي تأثيراً بكلماتها غير المألوفة والمثيرة.


التهديد للجميع

حسني شقرون واحد من آلاف قتلوا خلال الحرب الأهلية الجزائرية "العشرية السوداء"، التي دامت من نهاية عام 1992 حتى بداية 2002.

وكان من طليعة الضحايا في هذه الحرب التي خاضها متطرفون ضد الشعب الجزائري، لكنه كان الأول من الفنانين الضحايا.

تقول ملوكة شڨرون تؤكد في حديثها لرصيف22: "كانت التهديدات حينذاك تطال كل المغنيين باسم المحافظة والدين، وحتى زوجي وصلته رسائل تهديد باغتياله".

وتضيف: "الشاب حسني كان ينوي الاستقرار بفرنسا بسبب التهديدات، وسبقته إلى باريس في انتظار التحاقه بي بعد حفلة ملعب 5 يوليو/ تموز 1993، لكن السفر تأخر كثيراً حتى خطفه الموت قبل موعد سفره بيوم واحد، فرحلته إلى باريس كانت الجمعة، لكن أيادي الغدر اغتالته ظهر الخميس 29 سبتمبر/أيلول 1994". وتتذكر ملوكة: "كان حسني لا يريد تخويفي، لكن أصدقاءه بعد وفاته صرحوا بأنه كان مهدداً بالقتل، ووصله كلام ورسائل تطلب منه التوقف عن الغناء أو القتل".

عدو عذب الصوت

رغم الشهرة التي وصل إليها حسني كان الإعلام الرسمي حينها بعيداً عن الترويج لأعماله أو بثها، وبالرجوع إلى أرشيف الإذاعة والتلفزيون الجزائريين، لا نجد سوى أغان معدودة جرى حفظها وبثها.  

يفسر الناقد الفني سفيان عليوات لرصيف22 أن هذا الوضع يعود إلى أن "الإعلام الرسمي كان يرى في الرومانسية أحد الطابوهات (المحرمات) التي من الصعب كسرها أمام العائلة الجزائرية". ويرى أن هذا الفن (الراي الرومانسي) وليد الملاهي والمراقص الليلية.  وذلك رغم أن الشاب حسني "كان يتناول قضايا الحب والزواج، ويتطرق أيضاً إلى قضايا اجتماعية ومواضيع الشباب، وهو ما جعل الملايين من الشباب يعشقونه ويتعلقون بإنتاجه الفني إلى يومنا هذا". إلا أن "الضغط الجماهيري المحب للشاب حسني جعل الإعلام الرسمي يقبل بث بعض أعماله مثل أغنية "ڨاع النساء" أي "كل النساء"، رغم أن الفيديو كليب كان يظهر النساء راقصات في صورة أثارت الجدل حينها "قبل أن تصبح في خانة العادي لدى الأسرة الجزائرية"، بحسب عليوات.

أرملة الشاب حسني: "كانت التهديدات حينذاك تطال كل المغنيين باسم المحافظة والدين، وحتى زوجي وصلته رسائل تهديد باغتياله"

التجاهل في الإعلام الرسمي، بحسب زوجته، لم يكن يزعج الشاب حسني كثيراً، لأنه صنع لنفسه النجاح من خلال الحفلات التي كان يحييها، وملايين المحبين الذين رفعوا اسمه عالياً، تقول: "المدير العام للتلفزيون الجزائري يوم جنازته كان حاضراً، وقدم التعازي للعائلة، لكنني منعت من مقابلته ولن أخوض في التفاصيل".

آخر حفلة 

خلال يوليو/تموز 1993، أحيا الشاب حسني حفلاً فنياً بالملعب الأولمبي في 5 يوليو /تموز بالعاصمة، وكان هذا آخر حفل له قبل اغتياله.

وعلى الرغم من حظر التجوال الشامل وقتذاك بسبب الإرهاب، والتهديدات التي كانت تطال كل المغنيين وعشاق السهر والحفلات، يقول سفيان عليوات إن حفل الشاب حسني الأخير حضره قرابة 200 ألف شخص من مختلف محافظات الجمهورية، "وهو ما أرغم التلفزيون الجزائري على نقل الحفل على الهواء".

ويرى الناقد الفني أن هذا الإعجاب الكبير، ربما كان السبب الرئيسي في "وضع حسني على رأس قائمة اغتيالات الإرهابيين"، فهذا الرقم "يعكس وزن هذا الفنان، وزاد من إصرار العناصر الإرهابية على رصد تحركاته والتكثيف من تهديداتهم له، حتى بلغوا مرادهم في اغتياله أمام بيته وبين أصدقائه بمفترق الطرق على بعد 500 متر عن بيته بحي كومبيطة بوهران غرب الجزائر".

مرزاق ثابت كان من بين حضور الحفل الأخير للشاب حسني، يتذكر في حديثه مع رصيف22 قائلاً "حضرت الحفل مع عدد من أصدقائي. ورغم أن الملعب يعد الأكبر على المستوى الوطني، لم يتسع لجموع المحبين الذين جاءوا من أقصى الشرق والغرب والجنوب. وكان لقاء حسني وحضور حفلاته حلم كل الشباب والشابات في ذلك الوقت".

ويتذكر مرزاق: "لما وصل الى أغنية ‘يا لميمة ماتبكيش حسني راح ما يوليش’، الكل صمت وبكى، وكأنه مشهد الوداع الحقيقي، وهو ما كان فعلاً. والآن لم يبقَ للذكرى سوى أغانيه التي باتت مؤنس الشباب والمسنين".

                          

حبيب الجزائريين

"لما كان صوت الرصاص يدوي، وجثث القتلى تغرق المدن خلال العشرية السوداء، واليأس يجتاح الصدور بسبب أزمة الإرهاب التي جرَّت الجزائر إلى أزمة اقتصادية خانقة، كان الشاب حسني ينثر الأمل والحب بين الشباب، ويجعلهم يتعلقون بالحياة والفرح رغم كل شيء، لذلك كانت مكانته بين الجزائريين كبيرة جداً". هكذا رد الناقد الفني والسينمائي الجزائري سفيان عليوات عن سؤال رصيف22 عن السبب الرئيس الذي جعل الجزائريين يتعلقون بالشاب حسني كل هذا التعلق، رغم أن الاعلام الرسمي أوصد الأبواب أمام أعماله.

يواصل عليوات: "كل فن يكون قريباً من الشعب، وينقل أحاسيسه من الأفراح والآلام، يكون على الطريق الصحيح للنجاح، وهو ما لمسه المتابعون والنقاد في أعمال الشاب حسني الذي لم توقفه شلالات الدم التي أسالها الإرهاب عن الغناء وإحياء الحفلات، رافضاً الهروب عن الوطن كما فعل أقرانه من نجوم الراي الذين لا يزالون مستقرين بالدول الأوروبية والأمريكية".

 ويعلق مرزاق ثابت أحد عشاق المغني الراحل: "كيف لا نحب هذا العظيم، وهو الذي كان يمسك بيد الشباب وسط الأزمة، ويقول لهم ‘ما زال كان ليسبوار وعلاش نقطعو لياس’. (أي الأمل ما زال موجوداً ولماذا نقطع الأمل)، في أغنية ما زال الجميع يحفظها إلى اليوم عن ظهر قلب".


في ذكرى وفاته هذا العام، قام العشرات من الفنانين ومحبيه بزيارة قبره بوهران غرب الجزائر العاصمة. وأظهرت صور بثتها الإذاعة الجزائرية شباباً قدموا من مختلف محافظات الجمهورية لإحياء الذكرى، وصرحوا بمدى تعلقهم بما قدمه حسني من فن سيبقى خالداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard