قفزٌ من السفينة الغارقة؟ ... استقالات جماعية مفاجئة في حركة النهضة

الأحد 26 سبتمبر 202101:11 م

أعلن 113 قيادياً في حركة النهضة التونسية أمس، 25 سبتمبر/ أيلول، استقالتهم من الحركة و"تغليب التزامهم بالدفاع عن الديمقراطية، والتحرر من الإكراهات المكبلة التي أصبح يمثلها الانتماء لحركة النهضة". وذلك بالتزامن مع الاجتماع الـ53 لمجلس شورى النهضة الذي كان ينتظر أن تجري خلاله انتخابات جديدة لاختيار المكتب السياسي للحركة.

الاستقالات تأتي بعد أيام قليلة من كلمة الرئيس التونسي قيس سعيّد، أعلن خلالها عن تعديل الدستور بما يحقق طموحاته التي أعلنها من قبل في التحول إلى النظام الرئاسي، وأنه سيتولى تعديل الدستور بعد استشارة لجنة سيشكلها هو نفسه.

وتعمق الاستقالات المعلنة من النزيف السياسي الذي تعانيه الحركة منذ إعلان رئيس الجمهورية عن الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/ تموز الماضي، إذ وقعت في الحركة انشقاقات عديدة عقب تحميلها مسؤولية إخفاق سياسات الدولة منذ توليها الحكم .

وقد غذت الاختلافات في وجهات النظر تجاه الأحداث الأخيرة الصراعات الداخلية المتراكمة منذ سنوات، وساهمت في انفراط عقد الحركة التي لطالما كان الالتزام والولاء والتماسك مصدر قوتها وصمودها في الساحة السياسية، على عكس الأحزاب الأخرى التي تمتعت عضويتها بحالة من الرخاوة.

 وشهد اجتماع مجلس شورى الحركة في الخامس من أغسطس/ آب الماضي انسحاب العديد من قياداتها، على خلفية تغيير رئيسها راشد الغنوشي موقفه الرافض لقرارات قيس سعيد، وتبع ذلك إعلان القيادي النهضوي عماد الحمامي تجميد عضويته بالحركة، وتصريحه بأن "رئيس الحركة تحول الى ديكتاتور وانتهى سياسياً"، ما كشف الستار عن إشكاليات في صلب الحركة.

تعمق الاستقالات المعلنة من النزيف السياسي الذي تعانيه الحركة منذ إعلان رئيس الجمهورية عن الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/ تموز الماضي

عزلة سياسية واستقالات بالجملة

حمّل بيان الاستقالة مسؤولية الانشقاقات للغنوشي، معتبراً أن "تعطل الديمقراطية الداخلية لحركة النهضة، والمركزة داخلها، وتفرّد مجموعة من الموالين لرئيسها بالقرار، لم يعد شأناً داخلياً".

 وعلقت النائبة المستقيلة رباب بن لطيف لرصيف22 أنها اختارت الانخراط في الحركة إبان الثورة "لحملها نفس الأفكار الإصلاحية ونفس التوجه الذي أومن به، لكن الحركة لم تستطع تصحيح المسار في ظل وجود حراك سياسي مختلف، ومرحلة تقتضي التواجد لتونس وليس لأغراض حزبية. وتبعاً لذلك قررت وجملة من قياديي الحزب الخروج إلى فضاء أرحب".

 وبينت بن لطيف أن قرار الاستقالة من الحركة، تم اتخاذه بعد فترة من التفكير ودراسة الواقع السياسي للبلاد من داخل الحركة وخارجها، مشددةً على أن قرار القطيعة نهائي وليس مجرد وسيلة ضغط، وأن لا وجود حالياً لرؤية واضحة للمجموعة المنشقة حول المستقبل، لكن المؤكد أن العمل السياسي متواصل وستجمعهم تجربة مع فرقاء سياسيين.

وحول توقيت الانسحاب من الحركة اعتبرت بن لطيف أنه تقدير سياسي للمرحلة الجديدة التي تعيشها تونس، وإذا ما وجد انحراف بالديمقراطية، فتفكير المنشقين "لن يكون من داخل الحركة بل من خارجها".

القيادي المستقيل من حركة النهضة سمير ديلو: هناك "استحالة" في مسألة الإصلاح الداخلي "نتيجة تعطيل المؤسسات وتفرّد رئيس الحزب راشد الغنوشي والمجموعة المحيطة به بالقرار"

وقال القيادي المستقيل من حركة النهضة سمير ديلو إن هناك "استحالة" في مسألة الإصلاح الداخلي "نتيجة تعطيل المؤسسات وتفرّد رئيس الحزب راشد الغنوشي والمجموعة المحيطة به بالقرار".

واعتبر في تصريح لرصيف22 أن عزلة قيادة حركة النهضة في المشهد السياسي والمدني كانت نتيجة سياساتها التي خلقت النقمة على المشهد السابق لـ25 يوليو/ تموز، مضيفاً "ولعل الترحيب الشعبي بطي تلك الصفحة التي تصدرتها حركة النهضة دليل على مسؤولياتها الكبرى في الوصول إلى الخروج الكامل عن الشرعية الدستورية في 22 سبتمبر/ أيلول 2022"، في إشارة إلى كلمة قيس سعيّد الأخيرة.

أما عن الخيارات المستقبلية للمستقيلين، فحددها ديلو بـ"الانخراط في الدفاع عن الديمقراطية ومعارضة الحكم الفردي المطلق". مشدداً على أن هذه استقالة نهائية ولا رجوع عنها.

 مواصلة التحذير من الحكم الفردي

في تجاوز تام لخلافاتها الداخلية تواصل حركة النهضة التحذير من العصف بالتجربة الديمقراطية في تونس، بعد إعلان رئيس الجمهورية إلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار مراسيم رئاسية تقضي بإلغاء العمل ببعض فصول الدستور.

وكشف المكلف بملف الإعلام والاتصال بحركة النهضة عبد الفتاح الطاغوتي عن أن مجلس شورى الحركة سيجتمع نهاية الأسبوع  لمناقشة الوضع بالبلاد والتطورات داخل الحركة، مبيناً أن النهضة "تتابع بعناية المنعرج الخطير والدقيق التي تتجه فيه البلاد".

محلل سياسي: حركة النهضة "تدفع ثمن السلطة وخياراتها"، وكذلك تدفع ثمن ارتباك قراراتها

وقال لرصيف22: "كان من الأجدر [بالرئيس] السير في حوار لتقريب وجهات النظر، والتركيز على الأولويات المالية والاقتصادية والاجتماعية، على اعتبار ان الاستياء الشعبي قائم بالأساس على تعطل ملفي التنمية والتشغيل، لكن الأوضاع تأزمت أكثر وتم التراجع عن مكسب الحرية والديمقراطية والتظاهر".

وتابع: "مستعدون لإصلاح أخطاء الماضي بشكل تشاركي مع المنظمات والفاعلين السياسيين والمنظمة الشغيلة (اتحاد الشغل) ويشرف عليه رئيس الجمهورية. لكن ما راعنا أن الصراع أصبح على السلطة وتفكيكها والذهاب نحو الحكم المفرد"، وأضاف أن "ما حدث قبل 25 يوليو/تموز يبرر الخروج عن الدستور"، داعياً رئيس الجمهورية إلى "العودة للحرية لأن الاستبداد لن يحقق التنمية".

هل انتهت حركة النهضة؟

ويرى المحلل السياسي بولبابة سالم أن الأحزاب الكبيرة لا تنتهي، لكنها قد تشهد سوء إدارة، أو اختلافاً في الآراء، وهو ما يمكن أن يسبب انشقاقات في ظل غياب الإدارة الديمقراطية. مؤكداً أن الأحزاب العقائدية عادة ما تكون متماسكة ومحافظة على وحدتها، "لكن حزب النهضة لم يعد حزباً عقائدياً منذ سنة 2014 وأصبح حزباً براغماتياً بانضمام العديد من المتنقلين إليه في الانتخابات التشريعية" .

ويؤكد سالم لرصيف22 أنه على الرغم من أهمية الأسماء المستقيلة من الحركة على غرار عبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم وسمير ديلو، فإن "الحركة تبقى قوية والمؤتمر القادم من شأنه أن يؤكد موجة الاستقالات أو يعيد بناء الحزب على أساس ديمقراطي، خاصة أن رئيس الحركة تعهد عدم الترشح من جديد".

ويشدد على أن حركة النهضة "تدفع ثمن السلطة وخياراتها"، وكذلك تدفع ثمن ارتباك قراراتها، وأسهمت تلك الخيارات في جعل الحركة في عزلة سياسية، وباتت تواجه رفضاً شعبياً وسياسياً يعيقها عن الالتحاق بأي جبهة سياسية، على الرغم من أن طيفاً واسعاً من الأحزاب والسياسيين يرفض الأحداث الأخيرة في تونس، ويرفض كذلك العمل مع حركة النهضة.

تجدر الإشارة إلى شيوع أنباء تفيد بسقوط تركيبة المكتب التنفيذي للحركة  في اجتماع شورى الحركة رقم 53 الذي انعقد أمس السبت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard