"لا أؤمن بالله لأني لم أره أبداً"... شذرات من حقيبة بيسوا السحرية

الأربعاء 22 سبتمبر 202110:00 ص

في كل مرة يقدم اسكندر حبش ترجمةً جديدة لـفرناندو بيسوا يضعنا أمام وليمة للدهشة. دهشة متعددة وذات وجوه كما الشاعر البرتغالي، صاحبُ السيرة المتعددة، كثيرة الأجزاء، ليس من دون وجه ولكن مع قناع.

هكذا يختصرها المترجم اللبناني الذي بنى معه علاقة عبر ثلاثين عاماً واثني عشر كتاباً، وغيرها لم يأت بعد. لعل الانطواء والعزلة والكتابة خلف جدران الحياة هي ما يجمع كليهما. يضيف حبش "هي وجوه بيسوا العديدة التي تشبهني. أو ربما التي أصبحتُ أشبهها لكثرة انغماسي به".

"بدأت علاقتي ببيسوا بداية ثمانينيات القرن الماضي حين شاهدت معرضاً استعادياً كبيراً عنه في مركز بومبيدو بباريس حيث اكتشفته. يومها اشتريت أيضاً الكتاب التذكاري عنه لاكتشف نصوصه وبعض أجزاء من سيرته الذاتية.

أتاحت لي القراءة الدخولَ في أعماق هذا الفكر المتشظي. أقول ذلك لأن بيسوا لم يكن شخصاً واحداً بل عدة أسماء لإنسان واحد. أشخاص يتقابلون ويفترقون مثل لعبة المرايا المتعاكسة".

في كل مرة يقدم اسكندر حبش ترجمةً جديدة لفرناندو بيسوا يضعنا أمام وليمة للدهشة. دهشة متعددة وذات وجوه كما الشاعر البرتغالي، صاحبُ السيرة المتعددة، كثيرة الأجزاء، ليس من دون وجه ولكن مع قناع

اللعبة أعجبت اسكندر حبش ليغرق بها لاحقاً في رحلة طويلة، لم ينتهِ حصادها بعد. لا يزال بين يديه عددٌ من المشاريع، يؤكد لنا أن هدفه تقديم هذه الوجوه المختلفة لواحد من كبار كتاب النصف الأول من القرن العشرين.

من حقيبة بيسوا السحرية يقدم الشاعر اللبناني أربعَ ترجمات جديدة صدرت تواً عن دار "خطوط وظلال". هي "دكان التبغ"، "حوارات حول الطغيان"، "القصائد الوثنية"، "افتح لمن لا يطرق بابك".

في هذا الأخير "افتح لمن لا يطرق بابك" يكشف حبش وجهاً جديدا لبيسوا، أو انبثاقاً آخر، مصنوعاً من أمكنة وصداقات ولقاءات ومن حقبة تاريخية تجتازه وتعنيه بشكل كبير.

شذراتٌ فلسفية وروحية، يظهر فيها بيسوا إنسانوياً كبيراً، بتعبير المترجم، عبر حزنه المتعذر سبرَه كما وعيه الثقيل على الحمل، وعبر هذا الغم الذي قصف حياته إلى ألف جزء وجزء، وجعله يعترف "أغتاظ. أرغب في فهم كل شيء، معرفة كل شيء، إكمال كل شيء، قول كل شيء، التمتع بكل شيء، التألم من كل شيء، نعم، التألم من كل شيء. لكن ما من شيء من هذا كله، لا شيء، لا شيء. أنهكتني فكرة ما أرغب في الحصول عليه، ما أستطيعه، ما أحسّه. حلم حياتي كبير".

صداع الطفولة كان المنهل الأول الذي جاءت منه الكتابة لدى بيسوا. وبعض هذه التأملات. في الخامسة من عمره توفي والده جراء مرض السل، أخوه جورجي لم يكن قد أكمل العام الأول من حياته حين رحل عن الوجود. ضرب الضيق الأسرة ومن بقي منها، انتقل إلى حي أفقر، ثم والدته الأرملة الشابة تعرفت على الكومندان جوان ميغيل روسا.

أما جدته ديونيسيا، فقد دخلت بعد فترة قصيرة إلى مستشفى الأمراض العصبية. نجا الولد من ذلك كيفما استطاع وبشتى الوسائل. كان طفلاً ناضجاً قبل أوانه، يجيد القراءة والكتابة، وقد اخترع "شخصين خياليين" كي يساعداه على العيش.

أنا كائن خجول. لا يروقني إطلاع الآخرين على انشغالاتي

يقول "أنا كائن خجول. لا يروقني إطلاع الآخرين على انشغالاتي. أصدقائي الحميمون هم من لدات تصوراتي، ممن أحلم بهم في يقظتي، ممن لن أمتلكهم أبداً".

ثم أبدع بيسوا قضية حياته وسرّ عمله –بتعبير حبش-  "البدلاء"، شعراءٌ ابتكرهم وأضفى عليهم بعض السمات الفيزيائية والسير الذاتية ومفاهيم للعالم، وصلت هذه الشخصيات إلى حدود 72 شخصية، ثلاثة منهم أساسيون ومعروفون اليوم لدى القراء، هم البرتو كايرو، ريكاردو رييش، الفارو دوكامبوش.

صدقائي الحميمون هم من لدات تصوراتي، ممن أحلم بهم في يقظتي، ممن لن أمتلكهم أبداً

بالنسبة لبيسوا الكائنات الواقعية أقل ألفة من كل شخصيات الأدب "الأدب البديل هو أدب الكاتب خارج شخصه، إنه أدب فرد مخترَع من قبله بشكل كامل، مثلما هي عليه إجاباتُ شخص منحدر من مسرحية ما مكتوبةٍ بخط يده".

مهنة "البدلاء" التي ابتكرها بيسوا سبب يستحق التقصي والعودة وراءه، لتقدير عمله، والذهاب عميقاً في غور هذا الرجل الذي لم يكن يهتم بالشهرة حتى المتأخرة. إذ كان معتاداً، ما إن يكتب، حتى يرمي كيفما اتفق مخطوطاتِه في حقيبته.

خلف هذه المخطوطات والصفحات المتعددة ذات الدروب التي تتعرج وتفترق، نجد كاتباً واحداً، معلماً واحداً، كآبة واحدة هي كآبة كائن يبحث عن نفسه، تماماً كما يقول "هل كان هذا الإنسان إلهاً؟ ما معنى أن تكون إنساناً آلهتنا قديمة. نسَونا مثلما نسَوا هؤلاء اللقطاء الكثر".

"هل كان هذا الإنسان إلهاً؟ ما معنى أن تكون إنساناً آلهتنا قديمة، نسَونا مثلما نسَوا هؤلاء اللقطاء الكثر" 

يقدم اسكندر حبش مختاراتٍ من أفكار مختصرة لبيسوا، كان قد رماها صدفة على الأوراق بشكل متفرق، تكشف هذه الشذرات ما يسميه المترجم "الفكر الفلسفي" لبيسوا. رغم أن هذا الأخير لم يعترف بمصطلح الاختصار واعتبره ضد طبيعة الشاعر، بل ضد طبيعة البشرية وأمراً أسوأ من اللامعنى أو من غيابه.

هذه التأملات التي اقتطعها الصحافي اللبناني من قصائد ونصوص متفرقة، تتبدى فيها سخرية بيسوا تجربة خام لفكر مرير أليم، قادم من تجربة طويلة في التوحد والانعزال، توحد عاطفي، هو توحد هذه الروح العليا التي ترغب في أن "تقتل" هذه التفاهةَ المسيطرة.

قلق الطفولة، سؤال الله والهوية، مكانة الإنسان في هذا الكون، مواجهة الوعي البشري مع الفن ومع الحب، العزلة والتوحد. وغيرها من الموضوعات يتعرف عليها القارئ في شذرات فرناندو بيسوا

قلق الطفولة، سؤال الله والهوية، مكانة الإنسان في هذا الكون، مواجهة الوعي البشري مع الفن ومع الحب، العزلة والتوحد. وغيرها من الموضوعات يتعرف عليها القارئ في شذرات فرناندو بيسوا

*

الحقيقة الوحيدة في الحياة، هي الأحاسيس

أما الحقيقة الوحيدة في الفن: وعيُ هذه الأحاسيس

*

ليس لدي أيُّ طموح، ولا أي رغبة

طموحي أن لا أكون شاعراً

إنها طريقتي الخاصة لأكون متفرداً

*

الشاعر الأسمى هو من يُعبّر عن الذي يحسّ به حقاً. الشاعر المتوسط، هو الذي يقرر ما سيشعر به، أما الشويعر فهو الذي يؤمن بما سيحسه.

أحسّو بكل شيء في جميع الأحوال

عيشوا كل شيء بجميع الجهات

كونو الشيء عينه في الوقت نفسه، بكل الطرق الممكنة

*

لدينا جميعنا، نوعان من الحياة:

حياة حقيقية، وهي تلك التي نحلم بها في طفولتنا، تلك التي نستمر بالحلم بها، كباراً، وخلفنا أرضية من الضباب.

أما الحياة الخاطئة، فهي تلك التي نتقاسمها مع الآخرين، إنها الحياة العملية، إنها الحياة المفيدة، إنها الحياة التي ننهيها في الكفن.

*

أحبّ أن أتحدث، بالأحرى، أحبّ أن أثرثر. الكلمات بالنسبة إلي هي أجسادٌ يمكن أن نلمسها، حوريات يمكن أن نراها، فجور يمكن لنا أن نجسده. ربما، لأن ليس للفجور أي أهمية بالنسبة إليّ...

*

وأنا طفل، كنتُ أميل إلى اختراع عالم متخيل من حولي، إلى أن أكون محاطاً بأصدقاء ومعارف لم يوجدوا مطلقاً- لا أعرف بالطبع إن لم يوجدوا أم أنني انا غير الموجود. فيما يتعلق بذلك، كما فيما يتعلق بكل الأمور الأخرى، علينا أن لا نكون دوغمائيين.

*

كل شيء يتبخر مني، حياتي بأسرها، ذكرياتي، مخيلتي وما تحتويه، شخصيتي، كل شيء يتبخر مني.

*

"سأموت كما حييت، وسط سقط المتاع الذي يحيطني، موضوعاً بين حواشي الخسارات"... من ترجمة اسكندر حبش لفرناندو بيسوا 

سأموت كما حييت، وسط سقط المتاع الذي يحيطني، موضوعاً بين حواشي الخسارات.

*

غياب الله هو الله بحد ذاته

*

لا أؤمن بالله لأني لم أره أبداً

إن رغب أن أؤمن به،

سيأتي ليكلمني من دون أدنى شك...

*

ليس لدي أي شعور سياسي أو اجتماعي، ومع ذلك، وبطريقة ما، ثمة شعورٌ وطني عالي وكبير. وطني هو اللغة البرتغالية.

*

يا أيها البحرُ المالح، كم من الملح فيك

إنه دمعُ البرتغال

*

يحدث لي أحياناً أن لا أعرف نفسي: وهذا أمرٌ مألوف عند الذين يعرفون أنفسهم. أتابع في داخلي حفلاتِ التنكر المتعددة التي تجعلني على قيد الحياة. لا أملك - من كل ما يتبدل- إلا الذي يبقى على حاله دائماً، فمن كل الذي يحدث هناك اللاشيء

*

لا أنوجد إلا متنكراً

*

الله هو مسافة سحيقة

لكن بين ماذا وماذا...؟

*

دائماً ثمة شيء مقابل شيء آخر

دائماً ثمة شيء أتفه من غيره

دائماً المستحيل أحمق من الواقع

دائماً السرّ في العمق أكثر ثقةً من نعاس السرّ الذي يقابلنا

دائماً هذا أو دائماً ثمة شيء آخر، أو لا هذا ولا ذاك

*

المعنى الوحيد الحميمي للأشياء

يكمن في أن ليس لها معنى حميم

*

صادقةٌ تلك الكتابات التي صُنعت من أجل الإدهاش، وتلك التي، أيضاً –سجلوا ذلك جيدا فهذا مهم- لا تتكئ على أيه فكرة ميتافيزيقية أساسية، أي تلك التي لا يحدث فيها – وهي التي تشبه النفحة- أي مفهوم للثقل أو لغموض الحياة.

*

الموت هو منعطف الطريق،

الموت، أن تختفي عن الأنظار فقط

*

"لن يفتقدني أحد إن متّ... لن يقال: منذ الأمس تغيرت المدينة"

لن يفتقدني أحد إن متّ: لن يقال:

منذ الأمس تغيرت المدينة

*

 الحياة شرّ جدير أن نتذوقه

*

الله هو أجمل مزحة قام بها الله ذاته

*

الفن هو التعبير عن الذات التي تناضل كي تنجح في الوصول إلى المطلق

*

إنهم سعداء، لأنهم ليسوا أنا

*

افتحْ لمن لا يطرق على بابك

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard