المخدرات والجنس والأحزاب والسلطة… مغنّو الراب ذوو الأصول العربية في ألمانيا

الاثنين 20 سبتمبر 202102:32 م

"بقيتُ صامتاً لفترة طويلة، وأنا أشاهدكم أيها "الأكساس"/ لكنّني ما زلتُ متحكماً باللعبة/ وعلى الرغم من كلّ هذه الكراهية، فأنا مستعد لحرب دموية"؛ بهذه الكلمات، يبدأ مؤدي الراب الأكثر شهرة، ألمانياً، بوشيدو، أغنيته الأخيرة، في ما يبدو أنّها رسالة إلى "أعدائه"، وهو الذي اشتهر في السنوات الأخيرة بعدائه لعائلة "أبو شاكر"، ذات الأصول اللبنانية، والمُتهمة دائماً بضلوعها في نشاطات غير مشروعة، حتى إنّ بوشيدو شَهِدَ في محاكمة ألمانية، ضد رأس العائلة، عرفات أبو شاكر، ممّا جعله يعيش تحت حماية الشرطة منذ العام 2018، خوفاً من انتقام العائلة اللبنانية، المعروفة في "العالم الموازي للعصابات الإجرامية".


بوشيدو، الرابر الألماني الأشهر

وُلِدَ مغني الراب الشهير "بوشيدو"، في برلين، من أب تونسي، وأم ألمانية، واسمه الأصلي "أنيس محمد يوسف الفرشيشي"، لكنه يُعرف باسمه الفني، الذي يعني طريق محارب الساموراي الياباني الممتد بالشرف والأخلاق، كما يطلقُ على نفسه لقب "سوني بلاك".

انطلقت مسيرة بوشيدو الفنية، في العام 2000، وفي العام 2007، حاز على جائزة MTV لأفضل عمل ألماني، وهي واحدة من جوائز عدة حصل عليها بوشيدو، خلال الأعوام العشرين الأخيرة، ليثبت نفسه كأحد أهم أعمدة الراب الألماني.

لا تكاد أغنية من أغنيات بوشيدو تخلو من كلماتٍ وشتائم ذكورية متعالية. يهدّد أعداءه، ويشتمهم، ويستخدم أعضاء النساء في شتائمه، وهو يُعرف في المشهد الألماني بعدائه للنساء، ولأصحاب الميول الجنسية المختلفة. في أغنيته الأخيرة المذكورة سابقاً، يستعمل بوشيدو كلمات من نوع "أكساس" (جمع كس، العضو الجنسي للأنثى)، و"سوني بلاك يـ**ك أطيازكم"، و"أبناء العاهرة"...إلخ. كما يُظهر أصله العربي، بكتابة "سوني بلاك" باللغة العربية، على قماش أبيض في خلفية الصورة، ويُظهر جِمالاً تمشي في الصحراء، في صورة استشراقية للعالم العربي.

يبدو أن "بوشيدو" كان السهم الذي اخترق جدار ثقافة الهيب الهوب الألمانية، ليدخل من بعده العشرات من مؤدي الراب ذوي الأصول العربية، خلال السنوات العشرين الأخيرة، حتى يكادون يسيطرون على المشهد

المجتمع الألماني وقبول ذوي الأصول المهاجرة

يبدو أن بوشيدو كان السهم الذي اخترق جدار ثقافة الهيب الهوب الألمانية، ليدخل من بعده العشرات من مؤدي الراب ذوي الأصول العربية، خلال السنوات العشرين الأخيرة، ليصيروا دائمي الحضور في المشهد الثقافي الألماني، حتى يكاد يسيطر مؤدو الراب ذوو الأصول العربية، على مشهد الهيب هوب الألماني.

الحديث هنا عن أولئك الذين وُلدوا، وكبروا في ألمانيا، وصاروا يقدّمون أغنياتهم باللغة الألمانية، وليس باللغة العربية، إذ انتشر بعض مؤدي الراب في المدن الألمانية المختلفة، بعد العام 2011، وخصوصاً الذين جاؤوا ضمن موجة "المهاجرين الجُدد إلى ألمانيا"؛ أولئك يقدّمون أغنياتهم باللغة العربية، وينتمي معظمهم إلى مشهد "الأندرغراوند"، ولا سيما في العاصمة برلين.

تتقدم مشهد الهيب هوب الألماني، مواضيع المخدرات، والجنس، والأحزاب، والسلطة، وربما يعود السبب بشكل رئيسي إلى عدم قدرة المجتمع الألماني على قبول ذوي الأصول المهاجرة، فيه، وتكاد الحكومات المتتالية، ومجالس النواب، والوزارات، تفتقد إلى أشخاص من خلفيات مهاجرة، على الرغم من أنّهم يشكلون ربع سكّان ألمانيا تقريباً.لا يختلف حال بوشيدو، عن بقية مغنّي الراب الألمان، ذوي الأصول العربية، في نظرتهم إلى البلاد العربية، والقضايا العربية، إذ تسيطر النظرة الاستشراقية السلبية التي تؤطر العرب في صورة جِمال، وصحراء، عليهم، مثل أغنية بوشيدو المذكورة سابقاً. وربما كان الاستثناء الوحيد، هو القضية الفلسطينية الحاضرة دائماً في أغنيات أولئك المنحدرين من فلسطين، لتبقى الهموم المحلية والقضايا الداخلية هي عصب هذه الأغنيات.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، كانت قد دعت سابقاً إلى المزيد من الانفتاح والتسامح في المجتمع عموماً، وانتقدت، مراراً، سياسة الاندماج في البلاد، وعدم تقبّل المجتمع للمهاجرين، إذ قالت إنّ الاندماج، "يجب ألّا يكون مسعىً يستمر حتى سابع جيل، ولا أن ينتهي بمجرد أن الشخص لا يحمل اسم كلاوس، أو إريكا"، مضيفةً: "ما الوقت الذي يتعين أن يقضيه شخص لا يحمل اسماً ألمانياً، حتى يندمج في المجتمع؟ أعتقد أنّ كل شخص يجب أن تتاح له الفرصة، على أبعد تقدير عندما يحصل على الجنسية الألمانية، لأن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من هذه الأرض، ويجب ألّا يكون للاسم أي دور".

ربما الاستثناء الوحيد، هو القضية الفلسطينية الحاضرة دائماً في أغنيات المنحدرين من فلسطين، لتبقى الهموم المحلية والقضايا الداخلية هي عصب هذه الأغنيات.

لكن، وعلى الرغم من تصريحات المستشارة، يشعر الكثيرون من أبناء المهاجرين، وبالأخص أبناء الجيلين، الثاني والثالث، بالغربة عن محيطهم، خاصةً وأنّ لغتهم الأم هي الألمانية، وأنّ ألمانيا هي وطنهم "الوحيد"، الذين يعرفونه ويعيشون فيه. في هذه المجتمعات "الموازية" للمجتمع الألماني الأكبر، يبرز مغنّو الراب، منتجين موسيقى أخرى، غير الموسيقى الألمانية المعروفة، بكلمات أخرى جديدة على الشارع الألماني، دامجين كلمات عربية في جمل ألمانية، متحدثين بلهجة سريعة، مستقطبين جمهوراً واسعاً يشبههم، لتباع بطاقات معظم الحفلات بشكل كامل، وتحصل هذه الأغنيات على موقع يوتيوب على ملايين المشاهدات.

غضب الراب

في أغنية لمؤدي الراب "توني دي"، واسمه الحقيقي هو محمد عياد، وهو من أصل لبناني، اسمها "ضَرَر كامل"، وصدرت في العام 2007، يقول: "نعم نريد أن نحطم/ هل تريدون الإساءة/ نعم نريد الشغب/ ثم ادفعه بعيداً، وافسح المجال/ ادفعه بعيداً، وافسح المجال". يعبّر "توني دي"، في هذه الأغنية، عن الغضب المكتوم داخله، وربما في دواخل أبناء جيله كلهم، من المجتمع، والبيئة المحيطة بهم.

أما أشهر مغنّي الراب الألمان من ذوي الأصول العربية في الآونة الأخيرة، والذي حازت أغنيته الأخيرة، التي أطلقها في شهر آب/ أغسطس الماضي، على أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة، بعد ثلاثة أسابيع من إطلاقها، فهو حسين عكوش، أو كما يُعرف باسمه الفني "سمرة"، وهو ينحدر من أصول لبنانية، ومولود في برلين.


سمرة، كان السبب الرئيسي في انطلاق حملة "أنا أيضاً" (Me too)، في مشهد الراب الألماني، تحت وسم #deutschrapmetoo، وذلك بعد اتهامات أطلقتها اليوتيوبر "نيكا إيراني" (Nika Irani)، متهمةً "سمرة" باغتصابها في الإستديو الخاص به سنة 2020، إلّا أنّ سمرة رفض هذه الاتهامات، وأصدر بياناً ينفي فيه الحادثة. وعلى الرغم من عدم صدور قرار من المحكمة في هذه القضية، إلّا أنّ حملة واسعة انطلقت ترفض تمجيد العنف في ثقافة الراب الألماني.

تبقى أغنيات الراب، هي المُعبّر الأساسي والرئيسي عن أصوات الشباب الألمان المنحدرين من أصول عربية، أولئك الذين وُلدوا وترعرعوا في ألمانيا، ولم يعرفوا غيرها وطناً

الراب صوت المجتمعات المغيّبة

سبق الراب الألماني، المنحدر من أصول عربية، راب آخر منحدر من أصول تركية، إذ يشكّل الأتراك الجالية الأجنبية الأكبر في ألمانيا. بدأ الراب ذو الأصل التركي بالانتشار على الصعيد الوطني، في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، ليصبح "موسيقى المهمشين التي تتخطى حدود الدولة القومية"، حسب تعبير الباحث الموسيقي هشام عايدي.

بعيداً عن الفن العربي الكلاسيكي، والأغنيات العربية "التقليدية" التي يستمع إليها معظم أبناء الجالية العربية في ألمانيا، أو الألمان ذوو الأصول العربية، يظهر "مجتمع الموسيقى البديلة" العربي، وهو مجتمع آخذ في التشكّل والاتساع أكثر فأكثر، خلال السنوات الأخيرة الماضية.

لكن تبقى أغنيات الراب، وثقافة الهيب هوب، هي المُعبّر الأساسي والرئيسي عن أصوات الشباب الألمان المنحدرين من أصول عربية، أولئك الذين وُلدوا وترعرعوا في ألمانيا، ولم يعرفوا غيرها وطناً. أصبح الراب مسرحاً لأولئك الذين لا يجدون لأنفسهم مكاناً في المشهد الألماني العام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard