ماذا فعل بي حبّي لكاظم الساهر؟

الأحد 12 سبتمبر 202110:40 ص

تبدو الكتابة عن مُطربك المفضل، أمراً صعباً. فضبط إيقاع المشاعر لا يقدر عليه كثيرون، وحين يتخطى الأمر، مجرد مطرب، إلى شخصية أثّرت، بشكل كبير، في حياتك، كما فعل كاظم الساهر الذي يحتفل بعيد ميلاده الـ64 هذه الأيام، معي، فإن المهمة تصبح أصعب.

لذلك، تحاشيت الكتابة عنه، خلال السنوات الماضية، فهو ليس المطرب الأثير لدي فحسب، لكن بسببه أخذت قرارات مهمة، تسببت بتغيير مجرى حياتي، إن جاز القول. ولأن التفاصيل كثيرة، والذكريات أكثر، وربما لا تتسع لها مساحة المقال، انتقيت مشاهد عدة، تلخص علاقتي مع القيصر، منذ مراهقتي، وحتى الآن، وتجسد ما يمكن أن يفعله مطرب، بحيوات الناس.

مشهد 1

كنت مراهقاً صغيراً، في الثانية عشرة من عمري، أستمع إلى الراديو، لأنه الوسيلة المتاحة لسماع الأغاني، في بيت لم يدخله الإنترنت بعد. ووسط كثيرين من نجوم جيلي، تلتقط أذناي أغنية "الحب المستحيل"، التي وقعتُ أسير موسيقاها، وهذا اللون الغريب الذي لا يشبه أحداً؛ كلمات بالفصحى، وألحان فيها ناي وعود.

في اليوم التالي مباشرةً، بحثت عن ألبومات كاظم الساهر، في حي الطالبية الذي أسكن فيه، ولم أجد سوى "في مدرسة الحب"، كونه الأشهر للقيصر، فاقتنيته، واستمعت إلى أغانيه التي بدأت بفهمها، وعلى غلاف الشريط، لمحت اسم نزار قباني الجديد عليّ تماماً، في هذا السن، فذهبت إلى إحدى المكتبات، لشراء دواوينه.

مشهد 2

فتىً، أعشق كاظم الساهر، وأنتظر حفلته ضمن ليالي التلفزيون، بفارغ الصبر، وفي بيت ليست فيه أقمار صناعية، كان من المستحيل إقناع الأب، بعد يوم عمل طويل، بأن يترك لي وقته المخصص لمشاهدة التلفاز، ويجعلني أتابع الحفل. لكن الرغبة الطفولية تقودني إلى الإصرار، وأتصرف. هكذا نطقت، من دون اكتراث، فلم يجد والدي سبيلاً، سوى استخراج تلفازنا القديم الأبيض والأسود، لأشاهد القيصر وحدي، ويستمتع هو بفيلمه المفضل "حنفي الأبهة".

في الجامعة، وفي جلسات الأصدقاء بين المحاضرات، تدور الأسئلة، ومنها: من هو مطربك المفضل؟ فأجيب: كاظم الساهر. فيجيء الرد ساخراً: "أنت من بتوع بحبك يا كااااظيم"، ثم وصلة "تريقة" على رهافتي، لأنني أعشق "مطرباً نسائياً" كما يرون، فأصمت

مشهد 3

في الجامعة، وفي جلسات الأصدقاء بين المحاضرات، تدور الأسئلة، ومنها: من هو مطربك المفضل؟ فأجيب: كاظم الساهر. فيجيء الرد ساخراً: "أنت من بتوع بحبك يا كااااظيم"، ثم وصلة "تريقة" على رهافتي، لأنني أعشق "مطرباً نسائياً" كما يرون، فأصمت.

وفي الـ2009، تهديني صديقتي تذكرتين لحفل القيصر في القاهرة، ونذهب معاً. فخامة الحفل تُبهرني؛ فساتين النساء تخطف الأعين، وصديقتي متألقة بملابسها. أترك ذلك كله، مقابل شعوري بأنني أمام مطربي المفضل الذي ردّدت أغانيه لسنوات كثيرة، وأنسى الجميع، وأضبط عينيّ تدمعان على آهات "مو ضحكتك"، فتسأم صديقتي التي ربما خيّبتُ آمالها، قبل أن أحاول تدارك الأمر على أنغام "هل عندك شك".

مشهد 4

حبيبتي تنفر من كاظم الساهر، وترى كلمات أغانيه صعبة الإدراك، وتطالبني بالكف عن التغزل بأغانيه، فلا أجد مفراً سوى بتنفيذ رغبتها. لكن ما لم أتوقعه، هو أنني باستجابتي لما قالته، فقدت الكثير من نفسي، وتحولت لغتي إلى مسخ، لا أشعر به، ونطقت جملاً لا تجسّد ما أعنيه بالضبط، وبت أجامل بكلمات لا أحسّ بها، ناهيك عن أوقات كثيرة عجزت فيها عن قول شيء. هنا فقط، أدركت أن كاظم الساهر لم يعد مجرد مطرب، بل هو جزء من تكويني، ولغتي.

مشهد 5

ككاتب، أدركت أن الدنيا أوسع من مطرب واحد، فأحببت من رفضت سماعهم من قبل، ظنّاً مني أن ذلك يعني خيانة مطربي المفضل، وتعددت ذائقتي، وعشقت أم كلثوم، وعدوية، وعبد الباسط حمودة. لكن كاظم ظل كما هو، يسير معي، حتى بعد أن تخطيت الثلاثين. ظل يعلمني كيف أتغزل بجسد خطير النوايا، وكيف أن فكرة وجود من نحب، أهم بكثير من نوع العلاقة.

حين سمعت كاظم، للمرة الأولى، أحببت اللغة العربية التي كنت أكرهها في المناهج الدراسية، فصارت لي هوية أؤمن بها، لا مفروضة عليّ

كل المشاهد

كل مشهد من المشاهد الخمسة السابقة، جسّد لي حقيقة سرت عليها حتى الآن، وغيّرت حياتي كثيراً. فحين سمعت كاظم، للمرة الأولى، أحببت اللغة العربية التي كنت أكرهها في المناهج الدراسية، فصارت لي هوية أؤمن بها، لا مفروضة عليّ. والأهم، إدراكي أن الاختلاف عن السائد، ليس بالضرورة أمراً سيئاً، بدليل نجاح القيصر، وهو يغني معظم أغانيه بالفصحى. ومنذ تلك اللحظة، تصالحت مع أي آخر، فكرياً، ودينياً، واحترمت قرارات الآخرين.

وعلى الرغم من أن القراءة باتت جزءاً أساسياً في حياتي، خاصةً وأنا أمتهن الكتابة، لكن يظل حقيقةً، أن كاظم الساهر هو أول من أدخلني إلى مكتبة لشراء كتاب، لأبدأ عادة لم تنتهِ حتى الآن، تماماً مثلما كان السبب في معرفتي بالتنمّر، حين تعرضت لسخرية الأصدقاء، بسبب حبي لمطرب يخاطب النساء بـ"سيدتي"، فحرصت طوال حياتي، على ألا أتنمر على أحد، لمعرفتي بأثر التنمر المؤلم في النفوس، ناهيك عن قناعتي باحترام المرأة، وعدّ مناداتها بمولاتي، أو سيدتي، تدليلاً، لا ينتقص من رجولتي، كما ردد الكثيرون من حولي، حين كنت صغيراً، وحتى الآن.

وأخيراً، لقد عشت الاغتراب الداخلي، حين نفرت حبيبتي السابقة من كاظم الساهر، ووجدتني أنسلخ عن لغتي. وقتها، لم أعرف أن الأمر صعب فحسب، لكني آمنت بأن من يريدون أن نحبهم، بطريقتهم فقط، لم يحبونا أصلاً، فالحب مشاعر إنسانية تتصل بآلاف المعاني والأحاسيس، وتالياً، من لا يريدك كما أنت، لن يريدك أبداً.

ربما تأثر غيري بكاظم الساهر، وربما لو لم يكن موجوداً في حياتي، لتأثرت بغيره، فنحن نتيجة من أثروا فينا صغاراً، قبل أن نبدأ بتشكيل وعينا الخاص، لكن الحقيقة الثابتة، هي أن الفن أعظم مؤثر في حياة الشعب، وأنه يمكن لفنان أن يفعل ما لا تقدر عليه أجهزة كثيرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard