الليغو والإيغو أو الحاكم الحكاء والمستبد المتلعثم

الأحد 12 سبتمبر 202111:36 ص

يقول جوناثال غوتشيل في كتابه "الحيوان الحكاء" إن البشر كائنات قصصية، لذلك تمس الحكاية كل جانب من حياتنا، فالعلماء صناع حكاية والمؤرخون صناع حكاية والمحامون والمديرون التنفيذيون يجب عليهم أن يكونوا حكائين، "ولا يرى المحللون السياسيون الانتخابات الرئاسية بوصفها منافسة بين سياسيين مؤثرين وجدلاً بين أفكارهم فحسب، بل مباراة بين قصص متضاربة عن ماضي الأمة ومستقبلها أيضاً".

وقد مثّلت الفصاحة والبلاغة أهم ركائز القائد الشعبي ولكنها لم تربط بفصاحة اللغة الرسمية دائماً، بل باللغة الأجنبية وحتى باللهجة العامية، ولكن الأهم من الفصاحة والبلاغة، ينهض الخيال، أهم مميزات القائد الذي قبل أن يتكلم عبر المنجز، يحدث الجماهير عن المستقبل، وهذه الصورة عن المستقبل مستندة دائما إلى قناعات ذاتية للحاكم يسردها عبر التمثيل ليقنع بها الجماهير. وهذا التمثيل يتخذ في الغالب مقاطع من سير الزعيم، أو نوادر، أو مواقف، يعمل على حبكها بالشكل الذي تحبك به الجدات الخرافات.

والحق أن الإنسان كائن حكاء وهو يهيمن على العالم بقدرته على الحكي، لذلك يهتم القادة عبر التاريخ بهذا الأمر، فينتدبون المستشارين وكتاب الخطابات ويستعينون بالأدباء والفنانين، فهم عند جماهيرهم ما قالوا عن أنفسهم أو قيل عنهم، لذلك يلاحقون مطلقي النكات السياسية والحكايات الجنسية والحياة الخاصة، فكل ما يقال عن القائد يجب أن يكون مضبوطاً ومعروفاً ومصادقاً عليه، ولا مجال للارتجال أو الاختلاق إلا عند توفر عبقرية السارد الخلاق.

رئيس البلاد  بلا خيال 

يعاني قيس سعيد من أزمة خيال، رجل بلا خيال، " قيس سعيد لا خيال ولا تصوّر"، هكذا ردد  الدكتور لطفي المرايحي، واحد من الساسة التونسيين وأحد المرشحين لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الأخيرة، وفي بلد لا تهتم بالخيال وضرب أهلها الشاعر أبا القاسم الشابي، صاحب "الخيال الشعري عند العرب"، بالطماطم في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما اتهم الثقافة العربية بضحالة الخيال، لم يهتم بهذه الجملة أحد. ماذا يعني ألا يكون للرئيس خيال؟

" قيس سعيد لا خيال ولا تصوّر"، هكذا ردد  أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الأخيرة، وفي بلدضرب أهلها الشاعر أبا القاسم الشابي، صاحب "الخيال الشعري عند العرب"، بالطماطم في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما اتهم الثقافة العربية بضحالة الخيال، لم يهتم بهذه الجملة أحد. ماذا يعني ألا يكون للرئيس خيال؟

الرئيس  قيس سعيد يرد على هذا الاتهام أكثر من مرة، ليؤكده عبر الفعل والقول،  عندما يضع لنفسه زمناً لوضع تصور للبلاد ومستقبلها، ينتهي الزمن الذي وضعه لنفسه ويمدد، وعندما يكون التمديد لما لانهاية فهذا إعلان عجز عن الخلق، عجز عن التخييل، فكل ما طالب به شعبه، مساندين ومعارضين، هو تصور للمستقبل وليس إنجازات.

ثم يأتي الرد عبر القول بعد الرد عبر المراسيم، عندما أطلق جملته الشهيرة: "من يريد خرائط للطريق يبحث عنها في كتب الجغرافيا". هكذا ينتقل العاجز عند مواجهته بعجزه إلى العنف. فهذه العبارة أكثر العبارات عنفية في تاريخ الخطاب السياسي في تونس. رئيس دولة يتمسك بكل السلطات ويجيب سائليه عن المستقبل: ابحثوا عنه في الكتب. خطاب لم يصل إليه أي نظام بطريركي في ما قرأناه، لأنه يضرب حتى مشروعيته الشعوبية، ويجعلها في حرج، عندما تواجه بأن القائد الذي راهنوا عليه لا يخاطبهم حتى باحترام، ولا أحد يعتقد أن المطالبة بخارطة طريق تعتبر جريمة أو إهانة لقائد يمسك بكل دواليب الدولة منذ أشهر.

"من يريد خرائط للطريق يبحث عنها في كتب الجغرافيا"... أكثر العبارات عنفية في تاريخ الخطاب السياسي في تونس

رئيس بقصص ضعيفة

إذا كنا نسيطر على الآخرين والعالم بالسرد فالحاكم المعني بالسلطة عليه أن يكون سارداً قوياً، لذلك يخلق كل حاكم لنفسه سروداً تتوغل في المخيال الجمعي لتحصنه وتعطيه مشروعية نوعية.  

كان الحبيب بورقيبة، الرئيس الأول للبلاد التونسية، سيد القصّ عبر الأنظمة التونسية، ويظهر ذلك في خطاباته وتوجيهاته التي يعود فيها إلى تجربته الحياتية والسياسية، ولزخم تلك التجربة كان بورقيبة مسيطراً على جماهيره حتى في صمته

كان الحبيب بورقيبة، الرئيس الأول للبلاد التونسية، سيد القصّ عبر الأنظمة التونسية، ويظهر ذلك في خطاباته وتوجيهاته التي يعود فيها إلى تجربته الحياتية والسياسية، ولزخم تلك التجربة كان بورقيبة مسيطراً على جماهيره حتى في صمته، وقد توقف عند هذه الموهبة الناقد السينمائي التونسي الهادي خليل. كان بورقيبة رجل مسرح ومحامياً يملك تلك البلاغة والفصاحة من جهة وقوة السرد، حتى أن تأتأته أحياناً تحولت إلى جزء من جماليات خطابه، وصمته كذلك تحول إلى صمت حجاجي.

ولنا في خطابه المرتجل في  فضاء البالماريوم 15 ديسمبر 1972، عندما التحق بالزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان يدعو الجماهير التونسية للوحدة العربية، مثال دال على قدرة الحكاء الكبير والخطيب البارع الذي يسحر الجماهير ويحولهم من موقف إلى آخر، فبعد أن كانت الجماهير هائجة بالثورجية القذافية والعروبة، جعلهم بورقيبة في لحظات يسخرون من الخطاب العروبي نفسه الذي صفقوا له قبل دقائق.

 ومهما كانت ردود فعل الجماهير، حتى لو كانت عنيفة كما حدث في أريحا، فإن تلك الردة المحرضة أيضاً من دعاة القومية وقتها دليل على خطورة هذا الخطيب الحكاء وأثره في الجماهير، ومازالت تلك الجماعات تتجنب إلى الآن سماع ذلك الخطاب  العقلاني الذي أرعبهم. وترقى محاضرات بورقيبة في معهد الصحافة إلى مستوى السيرة الذاتية الأدبية، بما وصل به من بوح عاد به إلى الطفولة والعائلة حتى وصل إلى الحاضر .

إن قوة بورقيبة ككل روائي مجيد أنه يسحرك حتى وهو يروي لك جرائمه

 إن قوة بورقيبة ككل روائي مجيد أنه يسحرك حتى وهو يروي لك جرائمه، ولنا في روايته لقصة اغتيال أحد منافسيه (صالح بن يوسف) دليل على ذلك. فتسقط من ذهنك أخلاقية الفعل، لتتشبث كما تتشبث بأحداث فيلم سينمائي عنيف بالأحداث وحبكتها. بل إن أحاديث غير مؤكدة تروي أنه وصل مرة إلى الحديث  عن خصائص أعضائه التناسلية، وأنه قادر على الإنجاب على الرغم من أنه كان بخصية واحدة.

كما الحبيب بورقيبة في المغرب الكبير، كان في الشرق جمال عبد الناصر زعيماً بليغاً وقصاصاً ماهراً، وكلاهما يلوذ بالدموع متى توجب ذلك، فذرف الدموع جزء من اللعبة السردية وميكانزمات الحكي، وقوة تأثيره مثله مثل الصمت الذي يستثير الجماهير التي يعنيها أن تلمس تلك الهشاشة في زعيمها، وأنه يبكي أحياناً من أجلها.

كما الحبيب بورقيبة في المغرب الكبير، كان في الشرق جمال عبد الناصر زعيماً بليغاً وقصاصاً ماهراً، وكلاهما يلوذ بالدموع متى توجب ذلك، فذرف الدموع جزء من اللعبة السردية وميكانزمات الحكي، وقوة تأثيره مثله مثل الصمت الذي يستثير الجماهير التي يعنيها أن تلمس تلك الهشاشة في زعيمها، وأنه يبكي أحياناً من أجلها.

وهنا تظهر براعة الممثل والسياسي المحنك الذي يقود جماهير ثلاثة أرباعها ترزح تحت الأمية، فالدمعة تعبير بدائي عن الصدق. حتى أن الكثير من المحللين يرون في خطاب الاستقالة الذي قدمه جمال عبد الناصر عملية استباقية ذكية لعملية إقالته ومحاكمته، وحولت الشعب من ساخط عليه وعلى هزيمته إلى متعاطف معه، مجدداً الثقة فيه بأكثر مما كانت.


ثلاجة السيسي ودنانير سعيد

في مقابل ذلك، يطل علينا عبد الفتاح السيسي وقيس سعيد بخيال منعدم وبخطاب فج وبتحد صارخ للإنسان، ولأن القصّ له قوانينه ومفاهيمه، تتحول حكايات السيسي وسعيد إلى وبال عليهما، وبعد أن كنا نرى الحاكم الذي كان يطارد الإشاعات والقصص الملفقة حوله يصبح هو نفسه منتجاً لها. 

يقول الناقد والروائي البريطاني كولن ولسن: "الرواية لا تتخلى عن أهم خصائصها: الإيهام بالواقعية"، فلا يمكن أن تبني قصتك التي تريد منها أن تكون مؤثرة بمفارقات غير ممكنة واقعياً، فالغاية من الحكي التصديق واستشعار الصدق يولد الانفعال.

"والله العظيم أنا قعدت عشر سنين ثلاجتي كان فيها مية بس ومحدش سمع صوتي"، هكذا أطلق عبد الفتاح السيسي قصته الضعيفة هذه والمضحكة، ليصبح مسخرة العالم كله وليندلع هاشتاغ  " #ثلاجة_ السيسي".

وكذلك فعل قيس سعيد بقصة البيضة والمواطن الذي أهداه إياها، وهي كل ما عنده طعاماً لأولاده، ليعود ليلاً مغامراً في الظلام بالأمن الرئاسي في وضع وبائي خطير، ويقدم له سلة من الطعام، وعاد إلى مثل هذه القصص رديئة الصياغة وضعيفة الأركان بما رواه بعد الانقلاب، قصة أنه كان بقصر قرطاج مفلساً ولا يملك إلا أربعين ديناراً، وجاءت بعض اللبوبيات لترشيه وتغريه بالمال ولكنه امتنع.

كيف يمكن أن نصدق هذا؟ أستاذ جامعي متقاعد، ورئيس دولة يتقاضى آلاف الدنانير كان مفلساً وهو في قرطاج، وهل الرئيس أصلاً بحاجة إلى المال وهو في القصر، ليشتري سجائر مثلاً؟

إن أزمة الخيال التي يعانيها الرئيس قيس سعيد صارت واضحة أيضاً من خلال تلك الاستعدادات المتكلفة في الإحالات على كتب الأدب القديم أو الأسماء التراثية، والتي تغيرت بعد 25 يوليو/تموز، وصارت عبارات مسجوعة كسجع الكهان، تحمل شحنة تهديد يلعب فيها الجناس التام دوراً رئيساً عجز عن أن يؤدي واجبه الساخر وقوة التهديد، لأن التكلف كان واضحاً من خلال إعادة العبارة مرات أمام الكاميرا، كل مرة بطريقة متلعثمة، في محاولة لإيصالها بأي الطرق، وكأنه ما خرج إلا ليقولها قبل فسادها في رأسه. ويؤكد أنه أجبر نفسه على حفظها، ويذكرنا بأنه من أولئك الأساتذة الذين يملون على طلبتهم دون أن يشركوهم في النقاش، وهؤلاء أسوأ الأساتذة عبر التاريخ، يفقدون تدريجياً حاسة السمع، ويتحولون إلى كائنات هيسترية تهذي طوال الوقت.

إن التلعثم الذي يعاني منه قيس سعيد تجاوز اللسان ليظهر في القرارات، فكثيراً ما وعد ولم ينجز شيئاً مما وعد به، وعيّن مسؤولين وتراجع بعد ذلك وعيّن آخرين، مذكراً بالمثل التونسي الشهير "يتعلم الحجامة (الحلاقة) في رؤوس اليتامى".

إن التلعثم الذي يعاني منه قيس سعيد تجاوز اللسان ليظهر في القرارات، فكثيراً ما وعد ولم ينجز شيئاً مما وعد به، وعيّن مسؤولين وتراجع بعد ذلك وعيّن آخرين، مذكراً بالمثل التونسي الشهير "يتعلم الحجامة (الحلاقة) في رؤوس اليتامى".

فحتى وعده بكشف ملابسات لجوئه الى البند 80 للدستور، والذي وعد به منذ شهر تقريباً، لم ينجح إلى الآن في صياغة سيناريو مقنع، لذلك لم يظهر على الناس ويفسر ما جرى، فحتى سيناريوهات محاولات الاغتيال والعمليات الإرهابية القادمة من ليبيا، كشفت قبل أن يطلقها، وكادت تتسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين، لأن السيناريوهات الجيدة مهما كانت مصداقيتها تحتاج إلى خيال وتحتاج إلى عقل سردي يضع لها الحبكة الجيدة والمناسبة.

وإذا صدقنا مقولة الي فيزال التي صدر بها جوناثال غوتشيل كتابه "الحيوان الحكاء": "خلق الرب الإنسان، لأنه يحب الحكايا"، فإن هذا الاعتقاد أيضاً يُساءل اليوم: هل الرب سعيد الآن بهذه الحكايات النيئة التي يطلقها السيسي وسعيّد، ومن شابههم ضحالة في الخيال اليوم؟

يبدأ الكتاب الشباب حياتهم الأدبية بمحاولات هي عادة سجع وبحث عن الجناس والايقاع الخارجي، وهو تماماً ما يفعله قيس سعيد في خطاباته. إنه يتعلم السرد عبر المحسنات البلاغية لا عبر الذكاء الروائي العقلاني القائم على الهندسة، وهو الأنجع في العمل السياسي.

 ويرتبط هذا الفقر في الخيال بأصل التربية والطفولة التي نجهلها لهؤلاء الرؤساء،  لأن تنمية الخيال تبدأ من السنوات المبكرة، والتي تجعل من الطفل طفلاً خلاقاً أو طفلاً يعاني من العجز أمام لعبة الليغو LEGO، والتي تحوله إلى طاغية إذا ما تمكن منه الإيغو  EGO.

إذا كنا نتحقق ونفوز بأنفسنا عبر القصص، أي عبر القصص الجيدة، فإننا ننعدم  ونخسر ذواتنا عبر القصص السيئة. وإذا صدقنا مقولة الي فيزال التي صدر بها جوناثال غوتشيل كتابه "الحيوان الحكاء": "خلق الرب الإنسان، لأنه يحب الحكايا"، فإن هذا الاعتقاد أيضاً يُساءل اليوم: هل الرب سعيد الآن بهذه الحكايات النيئة التي يطلقها السيسي وسعيّد، ومن شابههم ضحالة في الخيال اليوم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard