"هيك شعب بدو هيك واحد متلي"... محطات من أوّل انقلابين شهدتهما سوريا

الاثنين 6 سبتمبر 202112:58 م


كثيراً ما يتردد على مسامعنا مصطلح "المنعطف التاريخي"، ونعيش رهناً لشدة هذا المنعطف، ونشاهد "سكيتشات" الكوميديا السوداء الساخرة من هذا المصطلح، ولا يأتي مَن يُخطرنا بألا نضحك دون أن نسأل عن ماهية هذا المنعطف، حتى لا نسمع ما يوهن عزيمتنا ولا يرضينا.

رغم ذلك، نعرف على الأقل أن المنعطف الذي يحدثوننا عنه تاريخي، ولذلك، حاله كحال أي حدث يمر بتاريخ أمة من الأمم، لا تتضح حقيقته وأسبابه إلا بعد انتهائه وجلاء كل ريب والتباس عن الصورة الكبرى.

وعليه، نستطيع أن نأخذ انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم كمنعطف تاريخي عظيم التأثير في مسار الدولة السورية، نظراً لأن انقلاب الزعيم يُعَدّ الأول في تاريخ الدول العربية الحديث ككل، ولم يشهد إراقة قطرة دمٍ واحدة، أما انقلاب الحناوي فهو أول انقلاب تُراق فيه الدماء وهو منعطفٌ يقبل السؤال عن أسبابه لوفرة ما ورد عنه من تأريخ ومؤلفات قدّمها أشخاص تناولوا ذات الحدث من زوايا مختلفة، بالإضافة إلى ما كشفته الأيام من وثائق وتصريحات كانت خفيّةً أثناء وقوعه، ولأنه ما من أحدٍ اليوم يوبّخنا على أسئلتنا الحمقاء عن مثل هكذا منعطف تاريخي.

انقلاب الزعيم

انقلاب الزعيم الذي غيّر موازين الحكم في سوريا عام 1949، ولا نبالغ إذا قلنا أنه الملهم الأول لتنظيم "الضباط الأحرار" في مصر الذين خلعوا الملك فاروق عام 1952، أتى نتيجةً لمجموعة من الأسباب أولها الحملة الشعواء التي شنّها بعض البرلمانيين على الجيش وقائده حسني الزعيم وما رافقها من تهمٍ بالفساد.

واستناداً إلى ما يورده الصحافي السوري نذير فنصة، رئيس تحرير جريدة "ألف باء" ونسيب حسني الزعيم أو كما يقال عديله، في كتابه "أيام حسني الزعيم"، كانت الحملة التي شنّها أعضاء في البرلمان على الزعيم ظالمةً. يروي أن الزعيم كان يأتيه باكياً من شدة ظلم الادّعاءات الموجهة إليه ليتحوّل هذا البكاء في صباح يوم 29 آذار/ مارس من عام 1949 إلى انقلابٍ ينتزع الحكم من حكومة شكري القوتلي ويعلن حقبةً جديدةً في تاريخ الدولة السورية الحديثة، بعد اجتماع عقده الزعيم مع مجموعة من الضباط في منزل نذير فنصة، في منطقة عين الكرش، في دمشق.

وكان سامي الحناوي، أحد الضباط الحاضرين في منزل نذير والمخططين للانقلاب برفقة الزعيم. وما إن تقلّد الزعيم موازين الحكم حتى شرع بإصدار التشريعات والقوانين المدنية التي تتعارض مع شريعة الملة الإسلامية مما دفع بعض رجال الدين والتجار إلى وصفه بالرئيس الملحد، خلال أحد الاجتماعات التي أقاموها في جامع "دنكز" (هكذا يكتب الاسم نذير فنصة والأرجح أن القصد هو جامع "تنكز") في دمشق لمناقشة الاعتراض على القانون المدني.

وصلت أخبار المجتمعين إلى الزعيم، وطلبوا لقاءه فاستقبلهم بخطةٍ تَختصر، بالرغم من سفاهتها، عقلية حاكم بأكملها. طلب حسني الزعيم من المقدم إبراهيم الحسيني أن يتصل به بعد بداية لقائه مع الوجهاء بعشر دقائق، وهذا ما حصل فعلاً. بعد دخول الوجهاء إلى مكتب الزعيم اتّصل المقدم الحسيني به، فرفع الزعيم السماعة وراح يصرخ غاضباً: "لا يهمني، أعدمه فوراً، سكين أو مسدس لا فرق أعدمه، سوف أعلّم هذا الشعب احترام القانون"، ثم أغلق السماعة لينظر إلى وجوه الحاضرين المصفرّة ويخبرهم أن هذا الهاتف من المقدم إبراهيم الحسيني ليستشيره بخصوص شابٍ ألقي القبض عليه وهو يروّع أمن إحدى المناطق باستخدام سكين كان يحمله.

بعد ذلك، سألهم عن سبب حضورهم إلى مكتبه، فلم ينبس أحد ببنت شفة وطُوي الموضوع كأنه لم يكن. ويستطرد نذير فنصة في كتابه بالقول إن الزعيم ضحك كثيراً بعد رحيل الوفد وقال لنذير: "هيك شعب بدو هيك واحد متلي".

هذه الحادثة تُظهر الشرخ الكبير بين الزعيم والشعب وجنوحه إلى الترهيب دون الأخذ بعين الاعتبار تداخل نسيج المجتمع السوري وحق الشعب على دولته بإصدار قوانين تعكس توجهات الشعب ليس توجهات القيادات.

مؤامرات ضد الزعيم

في تلك الأثناء التي عاشها الزعيم منتشياً بسطوته على البلاد ومخدوعاً بثبات أركان حكمه، كانت المؤامرات تُحاك ضده في الجيش الذي يعتبره مصدر قوّته الأول. وكانت التحذيرات تأتيه تباعاً لكن نظام الزعيم كاملاً لم يحتوِ على رجلٍ يتجرأ على إخباره جهراً بأن الجيش يخطط للانقلاب عليه، لأن الزعيم كان مصاباً بمرض السكري وكان سريع الغضب وربما يقوده الغضب إلى غيبوبة السكر التي قد تودي بحياته.

وللصدفة، أودى بحياته لاحقاً صديق دربه الحناوي بعدما كان موضع ثقة لا يتزعزع لدى الزعيم، حتى أن فنصة روى أن الحناوي في الليلة التي سبقت انقلابه دخل إلى مكتب الزعيم ورآه متضايقاً فأخد بغطاء الطاولة وربطه إلى خصره وشرع يرقص ويهرّج ليخفف كرب "صديقه".

"كل السوريين الذين عانوا من انعدام استقرار البلاد وما يرافقه من ضغوطات مادية ومجتمعية كانوا ضحية مرض حسني الزعيم بالسكري بقدر ما كانوا ضحية المطامع الأميركية والإسرائيلية، كانوا ضحية ضحكات الزعيم بعد ترهيبه لوفد الوجهاء بقدر ما كانوا ضحية مؤامرة الإنكليز على البلاد"

هذان التفصيلان البسيطان، إصابة الزعيم بالسكري وموقفه من وفد الوجهاء، لا يجب أن يمرّا مرور الكرام عندما نناقش حدثاً بحجم انقلاب عسكري. فإذا لجأنا إلى افتراض غياب المرض عن الزعيم وسهولة مصارحته بأي خبر، لكان ربما يلقى مصيراً مختلفاً. ولو أنه استقبل وفد الوجهاء برحابة صدر لما تهيأت الأسباب الداخلية للحناوي للانقلاب عليه، فموقفه من الوجهاء يوضح لنا كيف خسر الزعيم دعم أغلب التيارات السياسية في ذلك الوقت، بسبب تعنته ولجوئه إلى فرض أمرٍ واقع يراه مناسباً.

تعنّت الزعيم دفعه أيضاً إلى ارتكاب خطئه الأعظم عندما سلّم أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية التي أعدمته على الرغم من معارضة دائرته المقربة لمثل هذا التصرف. وكان لتسليم أنطون سعادة الوقع الأكبر في اهتزاز صورة الزعيم أمام المجتمع السياسي السوري والضباط القوميين في الجيش، فلم يبقَ لديه إلا حاشيته العسكرية المقربة التي كان يثق بها ثقة بغير محلها، ناهيك عمّا لم يذكره الصحافي نذير فنصة، إما سهواً أو عمداً، عن علاقة الزعيم الوطيدة بأمريكا وهو ما نوه إليه الدكتور كمال ديب في كتابه "تاريخ سورية المعاصر".

أنطون سعادة

ذكر ديب قرار الزعيم بسحب الجيش السوري من الأراضي التي احتلّها في فلسطين وإعلانها منطقة منزوعة السلاح لتبتلعها إسرائيل تدريجياً مع الوقت، وطلبه لقاء دايفيد بن غوريون ورفض الأخير لقاءه، بالإضافة إلى تقرّبه من تركيا التي سلخت لواء إسكندرون عن البلاد، وعدائه للإنكليز بسبب مشاكله مع العراق الناجمة عن أن سوريا كانت طُموحاً دائماً لمشاريع البلاد المجاورة كالهلال الخصيب العراقي وسوريا الكبرى الأردني.

الأسباب آنفة الذكر مجتمعةً تبدو من حيث المظهر كافية لسقوط حكم الزعيم على يد الحناوي، لكن الحناوي أيضاً لا يخلو من الدوافع الشخصية للقيام بالانقلاب فضلاً عن حب السلطة، المحرّك الأول لأي انقلابٍ عسكري.

محمد أسعد طلس في الوسط، وعلى يمينهِ سامي الحناوي وعلى يسارهِ خالد جادا، مرافق الحناوي.

الحناوي هو الآخر كان ضابطاً وكانت له علاقاته مع جهات خارجية كما جميع ضباط الجيش السوري حينها، والذي كان قبل فترة وجيزة يُعرف بـ"قوات الشرق الخاصة" التابعة للانتداب الفرنسي قبل استقلال البلاد.

استغلّ الحناوي علاقاته مع الإنكليز الذين ضاقوا ذرعاً بالزعيم وتصريحاته المعادية لهم، فقد كان هدف انقلاب الزعيم، بحسب الموظف السابق في السفارة الأمريكية في دمشق والضابط في الاستخبارات الأمريكية مايلز كوبلاند، في كتابه "لعبة الأمم ولاأخلاقية سياسة القوة" (1970)، تأمين مصالح أمريكا في سوريا، وبينها تمرير صفقة التابلاين النفطية.

ما هي دوافع الحناوي الشخصية؟

الدكتور أسعد طلس، عديل سامي الحناوي، وأحد رجالات السياسة السورية ومستشار الزعيم في بداية انقلابه، وعمل في السابق وزيراً مفوضاً في إيران، كان قد أبلغ الخارجية السورية مرةً أن منزله في إيران تعرّض للسرقة وطالب بتعويض عن المسروقات، إلا أن وزارة الخارجية الإيرانية أبلغت دمشق أن طلس كاذب وأرفقت تحقيقاً للشرطة الإيرانية يفيد بأن طلس باع أغراضه لأشخاص إيرانيين وذكرت اسماءهم.

بعد دخول وجهاء دمشق إلى مكتب حسني الزعيم، ورده اتصال، فرفع السماعة وراح يصرخ غاضباً: "لا يهمني، أعدمه فوراً، سكين أو مسدس لا فرق أعدمه، سوف أعلّم هذا الشعب احترام القانون"، ثم أغلق السماعة ونظر إلى وجوه الحاضرين المصفرّة، وسألهم عن سبب حضورهم إلى مكتبه...

هذا ما ذكره نذير فنصة، عديل الزعيم، في كتاباته، لكن لحُسن الحظ هذا المنعطف التاريخي زالت عنه الغشاوة ورأينا لاحقاً أن طلس كان على مفترق طرق مع الزعيم في ما يتعلق بتقاربه مع الأمريكيين وعدم وضوح نواياه من إسرائيل ومناصبته العداء للهاشميين في العراق.

كان طلس العقل المدبّر لانقلاب الحناوي الذي كان قائد اللواء الأول في القنيطرة. بالطبع، نحن لا نستطيع إزالة الشبهات عن طلس فالرجل كان متخماً بالدوافع الانتقامية لتأليب عديله الحناوي على خلع الزعيم الذي وافق على قرار رئيس الوزراء محسن البرازي بعزل طلس من الخارجية وإحالته إلى سلك التعليم، ما دفع بالأخير إلى تدبير الانقلاب وإقناع الحناوي بالإقدام على هكذا خطوة أوغلت بالبلاد في مستنقع الانقلابات أكثر فأكثر.

هذا غيض من فيض تفاصيل أول انقلابين في تاريخ سوريا، فالمؤلفات الضخمة والمجلدات السميكة التي تسرد فترة ولادة الدولة السورية تعج بمثل هذه الأمثلة عن دوافع صُنّاع القرار السوري لكن نقطة التقاء كل ما أورده التاريخ عن سير منعطفاته في بلادنا هي أن العدو الخارجي المتآمر والغرب الطامع بثرواتنا لم يكن يوماً قادراً على إدخالنا في منعطف لولا وجود حسني الزعيم وسامي الحناوي في كل قطعة عسكرية وأسعد طلس في كل مؤسسة دبلوماسية ونذير فنصة في كل مؤسسة إعلامية.

هؤلاء هم مَن يقررون كيف تعبر بلادنا منعطفاتها التاريخية ويمسكون رسن شعبٍ بأكمله موجهين مصير مئات ملايين العرب خلف مطامحهم الشخصية وأطماعهم المادية وعطشهم للانتقام والسلطة.

كل السوريين الذين عانوا من انعدام استقرار البلاد وما يرافقه من ضغوطات مادية ومجتمعية كانوا ضحية مرض الزعيم بالسكري بقدر ما كانوا ضحية المطامع الأميركية والإسرائيلية، كانوا ضحية ضحكات الزعيم بعد ترهيبه لوفد الوجهاء بقدر ما كانوا ضحية مؤامرة الإنكليز على البلاد، كانوا ضحية انتقام أسعد طلس بقدر ما كانوا ضحية مشروع الهلال الخصيب وضحية تلوّن سامي الحناوي للوصول إلى السلطة وبقدر ما كانوا ضحية لعبة السياسة العالمية.

التاريخ ليس مجرد قصص مندثرةً، ليس سيرةً مجردة لحاكم أو ملك، التاريخ سيرة أمة تتورط بأبسط تفاصيل مَن يقود منعطفاتها، فاختاروا قادتكم بحكمة حتى لا يصبح تاريخكم رهناً لارتفاع السكّر لدى فلان ولانتقام علان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard