الموسيقى اليهودية المغربية... إرث يحاول الشباب إحياءه

السبت 4 سبتمبر 202112:11 م

"للمغرب تاريخ عمره آلاف السنين من تلاقح الثقافات، وتعايشها، ولذلك فالأغنية اليهودية المغربية، هي مغربية فحسب، وماضيها وحاضرها سواء". لم تستغرق صياغة المغني المغربي فيصل عزيزي لهذا الجواب، ثانيةً واحدة، وبلهجة تحمل من ملامح الاعتزاز والفخر الكثير، وقصَّ عليَّ حكايته مع الموسيقى الشعبية اليهودية المغربية، التي بدأت خلال تأديته للنسخة الجديدة من مسرحية "الخَرَّاز". وهي الأغنية التي أداها قبل ستة أعوام.

انبرى شباب مغاربة لإعادة أداء الموسيقى التقليدية اليهودية. وهي الأغاني التي كانت منتشرة بشكل واسع في المغرب في النصف الأول من القرن العشرين

تلك كانت اللبنة الأولى، لعلاقته مع التراث اليهودي. "هاكَّا آماما"، التي غنّتها المغربية زهرة الفاسي، ذات الأصول اليهودية، في أربعينيات القرن الماضي، قطعت أشواطاً كبيرة لتجد ضالتها مع فيصل، وهو بدوره لم يبخل على المقطوعة بحسه الفني. أخرجها بشكل جديد راقٍ للجمهور الناشئ، وأخذه بيده إلى زمن سحيق، حين كان اليهود المغاربة ينشدون القصائد، والأشعار، عند المفرح والمبكى، في مجتمع لم يكن فيه فصل بين المنتمين إلى الدينَين، اليهودي والإسلامي.

تناقل شفهي للأهازيج

في الختان، والزواج، والطلاق، وكل سبت، وعند ترتيل التعاويذ، وفي الجنائز، كانت الأهازيج حاضرة دوماً لدى اليهود المغاربة، تعبيراً منهم عن اللّحظة، مهما اشتدت قساوتها أو حفاوتها، وأهميتها لم تقتصر على وقع الكلمة في نفوس السامعين، بل كذلك في جماليتها.

مركزية الغناء هذه، حرص الشعراء اليهود المغاربة على ضبطها، من خلال الرباعيّات، والمساواة في البحور، حتى يتم اختيار القصيدة التي تتوافر فيها الشروط كافة، بالعاميّة المغربية، أو العبريّة، لتصبح الشعار الأوحد الذي يتغنى به الأهل، في تلك المناسبة، فعرف اليوم الثامن من عمر كل مولود بـ"المهيلة"، وهو يوم الختان، وكانت الفرحة فيه، يُعبّر عنها بواسطة أشعار "البيوطيم" التي يشارك في إنشادها الحاضرون كلهم.


أغنية "ياك آماما" بأداء فيصل عزيزي

"لتنشرح جماعتنا، وليستبشر جمعنا، لقد رُزقنا ولداً؛ الإله العلي الذي أنشأ من السحاب مطيته، ليغدق على هذا الولد من نعمه، وليمنحه فضيلة الدخول في العهد الإبراهيمي، عهد أبينا". لم يصعب يوماً على مستمع، أن يميز القصائد اليهودية من غيرها، على الرغم من ملامح العصرنة التي أصبحت تتسم بها، إذ حرص الشعراء على تضمين كل قصيدة يكتبونها، آياتٍ من الكتاب الديني، بهدف الحفاظ على هويتها اليهودية. ولأن الحقبة الزمنية لم تكن تسمح لليهود بأن يحظوا بمطبعة عبرية، ولأن استيراد الكتب من أوروبا كان ممنوعاً قبل الاستعمار الفرنسي، فقد أولوا أهمية كبرى للنقل الشفهي، وما كانوا يحاولون الحفاظ عليه، يتناقلونه كله، شعراً وأغاني.

اندماج يهودي-أندلسي

في البدء، كانت الأهازيج تردَّد باللغة العبرية، وتعتمد على التلمود، خاصةً في الأشعار الصوفية، والقبلية المرتبطة بالبيعة، أو بالسحر، وأُطلق عليها اسم "البيوط"، ثم انتقلت في القرون الأربعة الأخيرة، لتُنشد باللغة العربية العامية الدارِجة، في الأشعار التعليمية، وشعر المناسبات، والوعظ، والحب، وشعر الطبيعة الذي يصف جمالية الأماكن التي يمر فيها الرحالة، ثم الشعر الذي يُلقى في سرايا القصر الملكي، تمجيداً للشخصيات التي كان لها مركز مهم في سلطة البلاد. في تلك اللحظة بالذات، أصبحت الموسيقى الأندلسية، والطرب الغرناطي، القاسم المشترك بين اليهود والمسلمين، بعد اتحاد الشعر اليهودي مع موسيقى الملحون وآلاته؛ وهو ما يعزوه الباحث المغربي في التراث الثقافي محمد المدلاوي، إلى كون "المجموعات اليهودية المغربية لم تطور نوعاً موسيقياً خاصاً بها، له ميزات فنية، من ألحان وإيقاعات، على خلاف ما قام لدى جماعات يهود أوروبا الشرقية، وإثيوبيا، واليمن"، فخصوصية الموسيقى اليهودية، يضيف المدلاوي في تصريحه لرصيف22: "تكمن في انخراطها كفاعلة ومنفعلة، في الأنواع الموسيقية المغربية الكبرى جميعها، من شعبية (ملحون، عصري)، وعالمية (أندلسي، غرناطي)، وبدوية، وحضرية، وحسب اللغات، واللهجات، والأوساط، والمناطق"، فكان أن أنتجت الجماعات اليهودية في كل من الأطلس الكبير، والأطلس المتوسط، أهازيج وأنواعاً موسيقية باللغة الأمازيغية التي ينطق بها أهل تلك المنطقة.

تاريخ مهمل

طوال ألفي سنة، عمر اليهود في المغرب، وتعايشوا مع المسلمين، وشاركوهم طقوسهم، وشؤونهم؛ خلال هذه المدة، بنى اليهود تراثهم الثقافي ذا الملامح اليهودية العربية. ومنذ ذلك الحين، وإلى حدود الستينيات من القرن الماضي، كانت الأهازيج اليهودية تُغنّى في المناسبات اليهودية، كما في المناسبات غير الدينية، ومنها المناسبات الإسلامية. وذاع صيت مجموعة من الفنانين اليهود، كزهرة الفاسية صاحبة أشهر أغاني العشق التي أنشدها المغاربة وقتذاك، وسامي المغربي الذي غنى "قفطانك محلول"، و"ألف هنية وهنية" السرمدية التي قدّمها احتفاءً بعودة الملك محمد الخامس من المنفى، وحاييم بوطبول الذائع الصيت في أداء الكشكولات الشعبية، والملحون، والشكوري، وأشهرها أغنية "صدرك على صدري"، و"شْوَيَّخْ من أرض مكناس".


أغنية "سيدي حبيبي" للمغنية اليهودية المغربية زهرة الفاسية

الشهرة الواسعة، والنجاح الذي حققته الأغنية اليهودية في بداية القرن الماضي، انطفأ توهجهما، بعد هجرة العديد من اليهود المغاربة إبان قيام دولة إسرائيل، فالضغط الذي كان يشكله وجود الطائفة اليهودية في المغرب، اندثر شيئاً فشيئاً، ومضت الأهازيج اليهودية على طريق النسيان.

تراث بملامح عصرية

في السنوات العشر الأخيرة، أقبلت ثلة من الفنانين المغاربة، من ذوي الأصول اليهودية، على زيارة المغرب، سنوياً، لإحياء مهرجانات في عدد من المدن، كالصويرة، ومراكش، وفاس، أعقبتها مبادرات من فنانين شباب لإعادة تأدية الموروث الشفهي اليهودي، بما يتماشى ومتطلبات الجيل الجديد من الموسيقى.

منذ سنوات قام بعض الموسيقيين الشباب في المغرب بإعادة غناء الموسيقى اليهودية، وهي التجربة التي تلاقي نجاحا.

السرعة في الأداء، والإيقاعات الصاخبة، من السمات الفارقة في تقديم الأهازيج اليهودية في قالبها الأصلي، وتوزيعها بأسلوب عصري، فـ"الكلمات هي نفسها، والسياق كذلك"، يقول فيصل، ويضيف: "الرسالة التي كانت تقدمها الأهازيج اليهودية، في عهد الحماية مثلاً، هي نفسها الرسالة التي تقدمها اليوم"؛ وهذا الاجتهاد لم ينحصر في المغرب فحسب، بل تعداه إلى بقية دول العالم، وعن ذلك يضيف المدلاوي: "هذا ليس بفضل الشباب المغربي فحسب، بل كذلك العالمي، فكثيرون من اليهود ذوي الأصول المغربية حملوا معهم الأنواع الموسيقية المغربية إلى حيث هاجروا (إسرائيل، والأمريكيتين خاصةً)، فشكلوا جوقات عصرية، وعادوا إلى الموسيقى المغربية القديمة، عربيةً وأمازيغـية، بمقاماتها المتنوعة، وأخذوا يطورونها، تأليفاً وأداء، ويسوقونها في مختلف أنحاء العالم".

بين الموسيقى والدين خيط رفيع؛ قناعة أشهرها اليهود المغاربة في وجه العالم، تعبيراً عن امتنانهم من اتحاد الموسيقى الأندلسية الإسلامية، وكلمات ألّفها الشعراء اليهود، لغايات تبدأ من البحث عن معنى الوجود، وتنتهي عند العشق. فهل يمكن لعصرنتها أن تكون دافعاً لها نحو العالمية؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard