"أحد": حذلقات بين الاكتشاف والاشتقاق

الثلاثاء 31 أغسطس 202104:37 م

يُبيح الاشتقاق للشاعر والمتحذلق وأحياناً اللغوي، أن يتحرك فوق المعجم، أو يتجاوز تصنيفاته الشكليّة، أي الترتيب ونظام الشواهد والتعريفات، إذ يلعب بالحروف و"يسرد" الاحتمالات الكامنة في اختلاف توزيعها، نابشاً الحكايات التي لم تكتب، تلك المأسورة شكلاً ضمن الترتيب الجدّي للكلمات ومعانيها، تلك التي نقرأ لطائفها فيما يدل على وجودها، من شعر ونثر وقول مأثور، أو حتى قول غريب لم يوجد إلا في المعجم.

إذا ينفي الترتيب والاحتواء في المعجم ما لا دليل عليه، حد اتهام ما هو داخل المعجم دون دليل على معناه، بأنه ينتمي إلى لغة مستقلّة بذاتها، ككلمات وجدت بين دفات المعاجم لكنها وصفت بأن العرب لم تسمع بها! أو سمعتها "هكذا"!

هذا النافل أو الغريب الذي لم يحتويه المعجم وطبقاته عبر "استعجامه"، يظهر على لسان لا جدّي، يشق الحرف من الكلمة ويعيد ترتيب حدودها، بدايتها ونهايتها وأصواتها، ما يفعّل إمكانيات اكتشاف ما يمكن لـكلمة "واحدة" أن تحويه من معان تحضر فقط ضمن اللغة نفسها، مثال ذلك بسام حجار، في "كتاب الرمل" مثلاً.

ماذا عما قبل المعجم؟ هناك ألفاظ، تجمع حروف أصلها ضائع، لم تصنف بعد، أو تصنيفها وتجاورها مع غيرها "غريب" و"مستعجم"، ما يفعل احتمالات لا تظهر إلا في "كتاب الرمل" البورخيسي، كنقوش على أحجار في الصحراء، كتبها مارّة وعابرو طريق

إذ يتتبع "حكاية" تتحرك بين "طريق" و"طرق" و"الطارق" والتنويعات بينها، حدوده المعجم، وبعض المتفقهين والشعراء، وبلاغة اللعب والتجريب في شعره ذاته، إن صح قول الشعر هنا.

لكن، ماذا عما قبل المعجم؟ هناك ألفاظ، تجمع حروف أصلها ضائع، لم تصنف بعد، أو تصنيفها وتجاورها مع غيرها "غريب" و"مستعجم"، ما يفعل احتمالات لا تظهر إلا في "كتاب الرمل" البورخيسي، كنقوش على أحجار في الصحراء، كتبها مارّة وعابرو طريق.

لا نعرف بدقة من هم ولا تواريخهم، لكنهم وظّفوا ألفاظاً حافظت المدونة المكتوبة على استعجامها، وأحياناً ترتيب السياقات التي ظهرت فيها، ما يحرك فينا أسئلةً شعريّة ربما، أو متحذلقة، فمن المؤلف في هذه الحالة، من كتب أولاً، أو من عدّل، أو من لفّق؟ والأهم، كيف نقرأ هكذا التباس؟

"أحد" وظهوره على نقش صفائي

يشير أحمد الجلاد مؤلف " معجم النقوش الصفائيّة"، في ورقة بحثية له منشورة هذا العام، إلى "أحد" وظهوره نقشاً صفائياً على حجر اكتشف عام 1989 شمالي الأردن، نقرأ الورقة هنا، لا كمختصين ولا لغويين، بل كمارّة في طريق غريب، نستعجم ما فيه من نقش ونستوحش ترابه، كحالة من نقشوا تلك "اللغة" ذاتها، عابرون في الصحراء، يترك كل واحد منهم "أثراً" ويمضي.

النص المكتوب على الحجر بالشكل التالي:

يشير أحمد الجلاد مؤلف " معجم النقوش الصفائيّة"، في ورقة بحثية له منشورة هذا العام، إلى "أحد" وظهوره نقشاً صفائياً على حجر اكتشف عام 1989 شمالي الأردن

كتبه (سلسة نسب من دون النص) الذي خيم حيث الماء بعد أن كان في "معركة/ رحلة" (أو في طريقه إلى "معركة/رحلة")، واعتنى بأسرته التي خيمت بجانب الماء، لذا بـ"أحد" و"اللات" ليكن آمناً، وليغنم".

ما يثير استغراب الجلّاد في النقش السابق، هو وجود "أحد" إلى جانب "اللات" في ذات الدعاء، فاللات مألوفة ومتكررة، وتحضر عادة إلى جانب آلهة أخرى مرافقة لها، أما "أحد" الذي لا ينتمي إلى الآلهة النبطيّة، فظهوره مستهجن، ولم يُعرف إله ذو اسم مشابه أو وصف يمكن أن يوضع بجانب "اللات"، إذن من هذا العابر الذي نقش "أحداً"، طالباً منه الحماية والتنكيل بالأعداء وإباحة الغنائم لمن يقرأ النقش.

هذا "الأحد" يرسم الحدّ بين الكثرة وبين أحديته ذاتها، لا يتكرر ولا يتشابه، بل لا لغط في اسمه. أحد، مفرد مذكر، ومن المستغرب اقترانه بغيره ممن يقبلون التعدد، لكن إن كان أصل من نقش يهوديّاً، فصفة أحد هنا تعود ليهوة، لكن لم وضعه بجانب "اللات"؟ يستعرض الجلاد احتمالات أخرى، كتأثيرات هيلينستيّة أو آراميّة، أو ترجمات بين العربية والآرامية واليونانيّة. لكن، ما نسأله نحن: هل "أحد" صفة أو كيان؟

يشير الجلاد في بحثه عن السياق، أن هذا الشخص، صاحب النقش، ربما كان جزءاً من الحرب على تدمر، والمياه المقصودة هي الواحة هناك، ويشير إلى تاريخ النقوش التي تتحدث عن المعارك، وربما من كتب النص يتحدث اليونانيّة، وترجم صيغة القسم إلى الصفائيّة واضعاً اللات بجانبها، داعياً إلهه الأعداء والحلفاء إلى نصرته وتغنيم من يقرأ لاحقاً.

لكن، "أحداً" ينفي ما حوله من معان، صفةً كان أو كياناً، إذ يُعطل ترتيب المعجم وتدفق المعاني ضمنه، وهذا ما يثير الحيرة، فتجاور "اللات" و"أحد"، يعني أن الذاهب أو العائد من/ إلى الحرب استدعى إلهتين، أو إلهة، و "واحداً" مجهولاً، قادر على اختزال "الكلّ" في هذا الوصف، "أحد" ينفي تعدد ذاته، لكنه يحافظ على تنوع واختلاف القرّاء، وهنا يمكن أن نفهم معنى "يغنم"، غنيمة قارئ هذا النقش تكمن في الكثرة التي تتفق على "أحد"، وتقف ضد ما يدّعيه أحد نفسه من فرادة ووحدانيّة.

لكن حيرة قارئ "أحد" يقابلها يقين من نقشه، القادر على تصنيفه وترتيبه، صفةً وكياناً، وبالطبع، لا يمكن أن نتجاهل "قلّ هو الله أحد". هنا أمرٌ بأن الله أحد، أمر يعرفه واحد، ويجهله آخر عليه تثبيته، لكن، وإثر مصادفة لا أكثر ولا أقل، تحرّك شكّ هنا، حيرة أخرى، تحيلنا إلى تجاور "أحد" المذكر، مع "اللات" المؤنثة، مع "الغنيمة"، أي كما في النقش، إذ نقرأ لدى ابن خالويه (ألف ميلادي) التالي:

"والأصل في أحد، وحد، أي واحد، فانقلبت الواو ألفاً، وليس في كلام العرب واو قلبت همزة وهي مفتوحة إلا حرفان، أحد. وقولهم امرأة أناة، أي رزان، لأن الواو إنما تستثقل عليها الكسرة والضمة فأما الفتحة فلا تستثقل، وهذان الحرفان شاذّان، وزاد ابن دريد ثالثاً: إن المال إذا زكّي ذهبت أبلته، أي وبلته".

"أحداً" ينفي ما حوله من معان، صفةً كان أو كياناً، إذ يُعطل ترتيب المعجم وتدفق المعاني ضمنه، وهذا ما يثير الحيرة، فتجاور "اللات" و"أحد"، يعني أن الذاهب أو العائد من/ إلى الحرب استدعى إلهتين، أو إلهة، و "واحداً" مجهولاً، قادر على اختزال "الكلّ" في هذا الوصف

ما يثير الحذلقة هنا أن كلمة أحد، في الترتيب الذي وضعه ابن خالويه، فعلت العناصر التاليّة: صفة مؤنثة وصفة للمال، وكلها "حروف شاذة"، وعادة ما يوصف الشاذ من اللغة بأنه مقتبس من لغة أخرى.

هنا نحن أمام تشابه عائلي لغوي مرتجل لا يحمل إلى مرجعية سوى هذا النص نفسه هنا، سبب نزول سورة الإخلاص، هو سؤال وجّه للنبي، فأجاب تبياناً للطريق وللتوحيد وصفات الله الذي لا يلتبس ولا يتشابه، ولرسم الحدّ بينه وبين غيره من أصنام متعددة، خشبية كانت أو طينيّة أو هذيانيّة.

ذات الأمر مع النقش، ظهر في الطريق في الصحراء، مقترناً بتأنيث ومال، ودلالة على درب سلكه أحدهم أو عاد منه، فإن اختزل النص القرآني الغريب وحافظ على علامة "أحد"، أفصح صاحب "النقش" وكشف اللبس عما يحويه الطريق، مفرد واحد، يقترن به تأنيث أو صفة تأنيث، وغنيمة هي حق لصاحبها، ذاك المار في الطريق، أي القارئ.

ما يثير الحذلقة هنا أن كلمة أحد، في الترتيب الذي وضعه ابن خالويه، فعلت العناصر التاليّة: صفة مؤنثة وصفة للمال، وكلها "حروف شاذة"، وعادة ما يوصف الشاذ من اللغة بأنه مقتبس من لغة أخرى

ترتبط هنا أحد إذن بالطريق وما فيه من غرائب ووحشة، و اتضح أمامنا أن خصائص هذا الطريق، لغوياً ودينياً وواقعياً، هي ثلاث، واحد و تأنيث ومال، علامات متروكة للقارئ لاحقاً، تؤنس وحشته إن مر ولو بعد ألف عام، ففي الطريق هنا لبس وحيرة، يستدعي واحداً حكماً يعبّد الطريق أو يهدد السير فيه، قرينه مؤنّث، جنية ربما، كتلك التي تظهر للمسافر طويلاً، تغويه وتدلّه، تفنيه أو تمتلكه.

فمن نقش إذن يستدعي في الطريق كل من يمتلك فيه سطوة، خصوصاً أن العبرة ليست فيه، بل في الغنيمة، في النهاية، فغنية الصحراء هي السراب، ترابٌ صار ماء، و غنيمة من يعبرها، قصرٌ ربما، وهنا نعيد النظر بالماء المذكور في النقش، أهو ماء السراب أم ماء الواحة؟ وهل وصله المسافر بعد عطش أو رحل عنه بعد ارتواء؟

ينفي النص القرآني أي قرين أو شبيه لـ"الله" "الأحد"، بعكس النقش السابق عليه، الذي يقرن "أحد" مع "اللات"، وهنا نعيد فهم "الطريق" الذي يجمع الأقران والمختلفين نصاً ووحياً، فالعابر هو "الأحد"، لا ذاك الذي يستنجد به، خصوصاً أنه متعدد، ذات الأمر إن فهمنا الطريق مجازاً، أحد، هو من يبحث، متفرداً أمام "عدة" و جمع، و هنا يتضح لم في النص القرآني ظهر فعل الأمر مفرداً، في حين أن السؤال وجّه لمحمد بن عبد الله من قبل اثنين أو أُكثر، إذ واحد فقط من يتوه في طريق وينقش/ يكتب متفرّداً، وجمع عابرين يقرأون ويتشابهون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard