كيلٌ بمكياليْن... حملة رفع التجاوزات في العراق تطال الفقراء وتغضّ الطرف عن المتنفذين

الجمعة 27 أغسطس 202112:35 م

استبشر المواطنون خيراً، بُعيد إطلاق حملة إزالة التجاوزات في مختلف المحافظات العراقية، وانتظروا إنهاء ظاهرة التفلّت الناتجة عن النفوذ، والتسلط الحزبي الذي يشهده العراق، منذ عام 2003. إلا أن بارقة الأمل هذه خفتت، بعد أن لوحظ أن الحملة تطال فئات دون أخرى، وتقوم على أساس الكيل بمكيالين.

فعلى سبيل المثال، شهدت منطقة البلديات، في شرق بغداد، حملةً لرفع التجاوزات على الأراضي العامة، في منطقة شعبية فقيرة، فيما غُضّ الطرف عن مناطق الوجود الحزبي والسياسي، حسبما يقول ابن المنطقة، الناشط سجاد اللامي (32 عاماً).

كانت الحكومة قد أطلقت، منتصف العام الحالي، حملةً لإزالة التجاوزات عن بعض الأراضي الحكومية التي تنوي الدولة استثمارها.

وفي الـ11 من آب/ أغسطس، أطلق رئيس الوزراء العراقي حملة صارمة لرفع التجاوزات السكنية والتجارية كافة، عن الأراضي الحكومية، والأرصفة العامة، سُمّيت بحملة عبير، تيمناً برئيس بلدية كربلاء الذي قُتل بطلق ناري، إثر نشوب مشاجرة بينه، وبين قاتله، حول إزالة أبنية متجاوزة للقانون، في منطقة المعملجية، جنوب محافظة كربلاء، في العاشر من الشهر الجاري أيضاً.

دوافع حملة إزالة العشوائيات

أفاد مصدر في دائرة بلدية الدورة في بغداد لرصيف22، أن هدف استمرار الحملة، هو إيقاف الاستهانة بأملاك الدولة.

وأضاف: "ترِدُنا العديد من الشكاوى بخصوص كسر أنابيب المياه، والصرف الصحي، والتعدي على خطوط الطاقة الكهربائية، وتعود هذه السلوكيات بالضرر على المواطن أولاً، ثم على الدولة، إذ تكلّف الأخيرةَ الملايين، سنوياً، لإصلاحها، بالتعاون مع الدوائر المعنية".

ويلفت الباحث الاجتماعي علاء حسن إلى أن "الدولة تحاول إيصال رسالة إلى المجتمع، عبر هذه الحملة، مفادها عدم العبث بالممتلكات الحكومية، واحترام الأرصفة العامة".

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد مهدي لرصيف22، "إن الدولة تبحث عن استثمارات جديدة أيضاً، وتحاول إصلاح الاقتصاد العراقي من خلالها، كما أنها تبحث لتأسيس مناطق جديدة ضمن مشروع ‘داري’ الذي يهدف إلى القضاء على الأزمة السكنية".

وكان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قد أطلق منتصف تموز/ يوليو الماضي، مبادرة إسكانية تهدف إلى توزيع أكثر من 500 ألف قطعة أرض، في مختلف أنحاء العراق، بمفاضلة عادلة، لم يعلن عن موعدها.

إطلاق "حملة عبير"

لم تكن الحكومة جادةً في إزالة العشوائيات كافة، قبل مقتل المهندس عبير الخفاجي، وركزت على بعض التجاوزات التي تريد الدولة استعادتها، لأغراض مختلفة، أو على التجاوزات على أرصفة شوارع، وسط العاصمة، إلا أنها كثفت جهودها بعد مقتل رئيس بلدية كربلاء، لتشمل التجاوزات كافة في محافظات البلد كلها.

ونفذت العجلات التابعة لقواطع البلدية، حملةً صارمة لرفع التعديات عن الأملاك العامة، وأطلق مواطنون تسمية "الشفل الأصفر"، على هذه العجلات، في إشارة إلى لون السيارات المستخدمة في الهدم، ونوعها.

وطالت حملة عبير، بغداد التي يجتمع فيها الزخم السكاني مع البطالة، ما أثار ردود فعل متباينة. ويؤكد الناشط سجاد اللامي أن الحملة لم تستهدف تجاوزات منطقة الفضيلية، لأنها تعود للتيار الصدري، كما لم تستهدف بعض أحياء منطقة البلديات، لتمركز بعض مقرات الأحزاب فيها.

ويُذكر أن غالبية أراضي منطقة الفضيلية، والأحياء المحيطة بها، هي أراضٍ شخصية وزّعها النظام السابق على موظفيه، وبعد 2003، جُمّد التصرف بها، ليستولي عليها التيار الصدري، ويوزعها على عناصره.

وأزالت بلدية المنصور عربات الباعة الجوالين المنتشرة على الأرصفة العامة، وسط بغداد، من دون أن تأبه لشدّة وطأة الأزمة الاقتصادية الحالية.

على سبيل المثال، شهدت منطقة البلديات، في شرق بغداد، حملةً لرفع التجاوزات على الأراضي العامة، في منطقة شعبية فقيرة، فيما غُضّ الطرف عن مناطق الوجود الحزبي والسياسي

يقول الشاب العشريني الحائز على درجة الماجستير علي عباس، إن دوافع الحملة الظاهرية إيجابية، لكنها لم تأخذ بوجهة النظر الأخرى، إذ "تعكر البطالة صفو حياتنا، وتدفعنا لنؤسس عملاً بسيطاً على الأرصفة، لتأمين قوت يومنا"، مطالباً مجلس الوزراء والبلديات بإيجاد حلول، أو استثناء ذوي الظروف القاهرة.

ووصلت الحملة إلى مناطق مركز محافظة صلاح الدين، وقضاءَي سامراء، وبيجي حيث رُفعت التجاوزات العشوائية، وهُدمت التجاوزات السكنية بحماية الأجهزة الأمنية.

يقول الناشط الصحافي عبد الله القيسي، إن "غالبية سكان العشوائيات، هم الذين هُدمت بيوتهم في أثناء الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، ولا يملكون مصاريف رفع الركام عن أراضيهم، ويسكن بعضهم في بيوت التشينكو (الصفيح)".

وفي محافظة البصرة، واجهت الحملة رفضاً شعبياً كبيراً، خاصةً في ظل إهمال تطوير البنى التحتية، وعبّر مواطنون بصريون عن رغبتهم في تحسين الواقع الخدمي في المحافظة، قبل الشروع في رفع التجاوزات.

وأشار ناشطون إلى ضرورة استغلال المساحات المجروفة، بما ينفع المجتمع، كتوسيع المساحات الخضراء، وتشييد الملاعب، قبل أن تستثمرها الأحزاب السياسية لمصلحتها الشخصية.

وتشهد محافظة البصرة تزايداً في أعمال العنف، والثارات العشائرية، وسط توتر أمني شديد يؤكد ضعف المؤسسة الأمنية في السيطرة عليه، وفي ظل زيادة واضحة لقوة الجماعات المسلحة، وسيطرتها على المدينة التي تُعد القلب الاقتصادي للبلد.

هذا الواقع، دفع الناشط المدني عبد الأمير الوائلي للمطالبة ببدء الحملة، من قمة الهرم، وإزالة التجاوزات من ساحة صلاة الفضيلة، وسيد يوسف، وجامع الحساوية، وهي أماكن تابعة للتيار الصدري، وحزب الدعوة، وتيار الحكمة.

تحديات تنفيذ الحملة

تواجه حملة عبير تحديات عدة منذ انطلاقتها، ولعل الاعتداءات، والتهديدات بالقتل الموجهة إلى المنفذين، أبرزها. وكان نجل عبير الخفاجي قد أكّد بعد لقائه الكاظمي، تلقي والده تهديدات عدة، لرفضه السماح بالتعدي على أراضي الدولة، لأغراض تجارية.

كما يشار إلى تعرض كوادر الحملة لمحاولات استهداف عدة، منذ بداية الأزمة، ما دفع بحكومة الكاظمي إلى مؤازرتهم بقوات أمنية.

وكانت قائمقامية بعقوبة، في محافظة ديالى، قد طالبت بقوة أمنية من بغداد، لحماية منفّذي توجيهات مجلس الوزراء، بعد تلقيهم تهديدات مباشرة بالقتل.

وتشير مصادر إلى أن أغلب هذه التهديدات، يطلقها مقربون من العشائر، والأحزاب المتنفذة المستفيدة من استمرار التجاوزات، إذ يشيّد هؤلاء المتنفذون عمارات سكنية، ويؤجرونها للمواطنين، وكذلك يقيمون محالَّ تجارية، ومولاتٍ صغيرة، لبيع المنتجات الاستهلاكية، وينشئون مواقف للسيارات تنتشر في مناطق شارع فلسطين، والجادرية.

يقول الباحث الاجتماعي رعد ميسان "إن الجهات الحكومية تتجنب الاقتراب من هذه التجاوزات خوفاً من أصحابها"، مستشهداً بعملية إطلاق النار على عمال البلدية، في أثناء إزالة تجاوز أحد المحالّ التجارية، في شرق بغداد، قبل أيام.

وفي 24 آب/ أغسطس، وفي أثناء إزالة التعديات في مدينة الصدر، الواقعة تحت سيطرة التيار الصدري، أُطلقت النيران على سيارات البلدية، في أثناء رفعها تجاوزات أحد المحالّ التجارية. وقبلها بنحو أسبوعين، في يوم إطلاق "حملة عبير"، شهد قضاء خانقين، شرق ديالى، أحداثاً مشابهة.

ردود الفعل

يقول الباحث الاجتماعي رعد ميسان إن الدافع الرئيسي وراء أي قانون، هو المصلحة العامة، والابتعاد عمّا يضر بحقوق المواطنين.

ويضيف: "كان في إمكان رئيس الوزراء تلافي الانتقادات التي يواجهها الآن، لو أعلن البدء بالقضاء على مافيات الأراضي التي تستولي على أملاك الشعب، تحت عنوان المولات، والمطاعم، على ضفاف نهر دجلة، بدل المباشرة بدُور الفقراء والمعوزين، من منطلق أن أملاك الدولة هي من الشعب، وللشعب".

"الجهات الحكومية تتجنب الاقتراب من التجاوزات التي يقيمها مقرّبون من العشائر والأحزاب المتنفذة، خوفاً من أصحابها"

ويقول الباحث السياسي دريد العنزي لرصيف22: "نحن ندعم صراع الدولة ضد الميليشيات، والفوضى، ولكن الصورة الحالية تنذر بسيادة الأخيرة على الواقع الفعلي، وعدم منع الحكومة لانتهاكات الأحزاب، أسوة بتجاوزات عامة الشعب، دليل على ذلك".

وتستغل الأحزاب السياسية الحملة الحكومية، لتحسين صورتها، وانتقاد التصرفات الحكومية، على الرغم من أن نواب هذه الأحزاب لم يطالبوا بحلول للمشكلات القائمة خلال الدورة النيابية الحالية، أو السابقة.

ويشير العنزي إلى أن هناك فساداً، ورشاوى يتلقاها مسؤولون محليون، مقابل تغاضيهم عن تجاوزات المتنفذين.

ووفقاً لمؤشر الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية، يحتل العراق المرتبة 166 من أصل 167 دولة، كأكثر الدول فساداً في العالم.

وتشير استطلاعات الرأي العام، التي تقوم بها وزارة التخطيط، إلى عدم رضا الجمهور عن أداء الزعامات السياسية، وممارسات القيادات.

وتشير دراسة تحليلية نشرها الدكتور أحمد قاسم في تموز/ يوليو 2020، بعنوان "التحديات الاجتماعية للواقع المعاش في العراق"، إلى أن السبب في عدم رضا الجمهور عن أداء الحكومة، هو اتخاذ القرارات، وإقرار المشاريع، ثم التراجع عنها، نتيجة الضغوطات المختلفة، في دليل على تخبط الحكومة، وتسرعها، وعدم اتخاذ إجراءات مدروسة، ومحسوبة النتائج، وهو ما يؤكد ضعف الدولة، وعدم قدرتها على المضي في توجهاتها، ومشاريعها.

ودعت "منظمة إصلاحيون الثقافية"، الحكومة إلى إيقاف عمليات الهدم، إلى حين توفير البدائل، مشيرةً إلى أن الحكومات المتتالية لم تتبنَّ برنامجاً واقعياً، لتخطيط الأراضي السكنية، وتوزيعها، طوال الفترة الماضية، ومطالبةً بـ"بدائل قانونية تضمن للإنسان حياته"، مثل "وجود سكن لائق، حتى نمنع العشوائيات"، و"وجود أسواق، حتى نمنع وجود البسطات".

كما ندّد منتدى تكريت المجتمعي، بعملية إزالة التجاوزات السكنية، وعربات الباعة الجوالين، وطالب بإعادة النظر في هذا القرار، تحت عنوان "قطع الأعناق، ولا قطع الأرزاق"، في إشارة إلى تأثيرات حملة عبير على حياة الطبقات الفقيرة.

وأشار تقرير أعدته منظمة الأمم المتحدة، بمشاركة منظمة التغذية والزراعة "فاو"، ومنظمات أخرى، تحت عنوان "أثر فيروس كورونا المستجد على الأمن الغذائي في العراق"، إلى ارتفاع نسب الفقر في البلد إلى ما يقارب 40%، بعد أن كانت قبل الأزمة الوبائية 25%، من عدد السكان، ويشغل معظمهم أعمالاً مؤقتة، كالباعة الجوالين.

وسترتفع هذه الأعداد أكثر، بعد إتمام عمليات الهدم، ورفع التجاوزات، لتصل إلى ما يقارب الـ50%، أي نحو 20 مليون مواطن عراقي.

بدائل وحلول

يقول الخبير الاقتصادي والأستاذ السابق لمادة الاقتصاد في كلية الإدارة والاقتصاد محسن عبد الهادي، "إن البدائل مطروحة حالياً، كتنفيذ مشروع داري فوراً، وإعادة توجيه الحملة لتشمل التجاوزات على الأرصفة حصراً، في انتظار إيجاد قانون لتوزيع الأراضي على المواطنين".

ويشير إلى أن توزيع الأراضي لن يكون كافياً في ظل الأزمة الحالية، وفقر سكان العشوائيات، وتالياً عدم استطاعتهم بناء منازل مناسبة للعيش، ومن الممكن توفير قروض قليلة الفائدة، وتسهيل إطلاقها للراغبين، بفوائد رمزية، أو إنشاء مجمعات متدنية الكلفة، في خطوة ستعود بالفائدة على المواطن والحكومة معاً.

ويتابع أن البلد لم يشهد أي تحسن، أو تنفيذ للسياسة الإسكانية التي تضمنتها خطة التنمية المستدامة 2030، الهادفة إلى محاولة القضاء على عاملَي التشرد والفقر، بنسبة صفر بالمئة.

ويقترح الباحث رعد ميسان "استثمار الأراضي البعيدة عن مراكز المدن، والمملوكة للدولة، لإسكان الفقراء حصراً، ولعدم إتاحة المجال أمام ضعاف النفوس".

وأضاف أنه يمكن للحكومة اعتماد الحل التركي في ما يخص الباعة الجوالين، إذ من الممكن تخصيص أراضٍ حكومية، لإقامة بازارات يومية، أو أسبوعية، ستساهم بدورها في التقليل من ظاهرة التشرد، وتحسّن المستوى المعيشي لهذه الفئة.

وكانت لجنة الخدمات النيابية قد أعلنت الشهر الماضي، عن حاجة البلاد إلى أكثر من خمسة ملايين وحدة سكنية، لإسكان ما يقارب ستة ملايين مشرد في العراق.

من الصعب التنبؤ بمسار الحملة الحالية، خاصةً بعد فشل الحملات السابقة في مواجهة التسلط الحزبي والعشائري، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، فالاستمرار فيها، على الرغم من أنها غير عادلة لبعض فئات المجتمع، يشير إلى مخاطر اجتماعية كبيرة ستلحق بالمجتمع، خاصةً في ما يخص الباعة الجوالين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard