ضرب وتهديد ثم ترحيل… أنقرة من احتضان السوريين إلى طردهم

الاثنين 9 أغسطس 202102:50 م

في تقرير دوري تنشره إدارة معبر باب الهوى على موقعها الرسمي في بداية كلّ شهر، ذُكر أنّه في شهر تموز/ يوليو الفائت، تمّ ترحيل 1168 مواطن سوريّ من تركيا نحو بلادهم، وبمتابعة رصيف22 التقارير الشهريّة تبيّن، وحسب الأرقام الرسميّة الصادرة عن إدارة معبر باب الهوى، أنّ 10397 شخصاً قد رُحلوا إلى سوريا منذ بداية العام الحالي، وحتى نهاية شهر تموز/ يوليو. وأن السلطات التركية قامت بترحيل رجال ونساء من دون تمييز.

أما معبر "باب السلامة" على الحدود السورية التركية، فقد "عاد" من خلاله إلى سوريا 399 شخصاً خلال شهر تموز/ يوليو الفائت، وتزعم إدارة المعبر أن  386 منهم "عادوا بشكل طوعي".

فيما ذكر المركز السوري للعدالة والمساءلة، في تقرير له نُشر في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2020، أنّ السلطات التركيّة قامت بترحيل أكثر من 16 ألف سورياً إلى إدلب خلال العام 2020، وهو عدد يقل عمّا سُجل في العام 2019، حين تمّ ترحيل أكثر من 63 ألف شخص، حسب المنظمة الحقوقيّة.

"لم نكن نعلم أنّ الحكومة التركيّة تُرحّل السوريين، حتى العام 2019، حين أصبحوا يقبضون على السوريين في الشوارع ويرسلونهم إلى الحدود [من] دون إنذار مسبق"

عودة طوعيّة؟

في حديث مع رصيف22، قال الناشط السياسي المقيم في تركيا أحمد المحمد (اسم مستعار لأسباب أمنيّة)، "لم نكن نعلم أنّ الحكومة التركيّة تُرحّل السوريين، حتى العام 2019، حين أصبحوا يقبضون على السوريين في الشوارع ويرسلونهم إلى الحدود [من] دون إنذار مسبق".

في أواخر شهر تموز/ يوليو من العام 2019، نفى وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أن تكون تركيا قد رحّلت أي سوري، قائلاً إنّ الأشخاص الذين يريدون العودة طواعيّة إلى سوريا يمكنهم التوقيع على "استمارة عودة طوعيّة" تسمح لهم بالعودة إلى "مناطق آمنة". لكن توثيقات المنظمات الحقوقيّة، وقصص المُرحَّلين قسراً تشير إلى غير ذلك.

ضرب وإكراه

"رُحِّلت مع حوالي 35 سوريا على متن حافلة كبيرة. كبّلوا أيادينا... وضربوا بعض الرجال على متن الحافلة بالهراوات عندما طلبوا استخدام المرحاض أو شرب المياه. تحدثنا فيما بيننا... لم يكن أيّ منّا يريد العودة إلى سوريا".

 جاءت هذه الشهادة في تقرير نشرته منظمة هيومان رايتس ووتش، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2019، وجاء في التقرير أيضاً إنّه في أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، "أبلغت منظمة العفو الدوليّة عن 20 حالة مماثلة بينما قالت نقابة المحامين في إسطنبول إنّها تلقت 180 شكوى حول سوء استخدام الشرطة لاستمارات العودة الطوعيّة بين أوائل تموز/يوليو و20 آب/أغسطس (2019)".

يذكر التقرير المنشور على موقع هيومان رايتس ووتش أنّ جميع المحتجزين لدى السلطات التركيّة في اسطنبول وأنطاكية، والذين وَثّقتْ قصصهم، أكدوا احتجازهم تعسفاً في مراكز ترحيل اللاجئين، وإجبارهم على توقيع استمارات لم يُسمح لهم بقراءتها، "ولكنهم يعتقدون أنّها استمارات طوعيّة للعودة. قالوا إنّ المسؤولين الأتراك ضربوا وهدّدوا من رفض التوقيع في بعض الحالات".

"رُحِّلت مع حوالي 35 سوريا على متن حافلة كبيرة. كبّلوا أيادينا... وضربوا بعض الرجال على متن الحافلة بالهراوات عندما طلبوا استخدام المرحاض أو شرب المياه. تحدثنا فيما بيننا... لم يكن أيّ منّا يريد العودة إلى سوريا"

يشرح أحمد المحمد لرصيف22 أنّه من الممكن أن يتم ترحيل السوريين من تركيا "لأيّ جرم مهما كان صغيراً"، مثل القبض على الشخص وهو في ولاية أخرى، أو لأنه غير مكان إقامته المكتوب على هويّة الإقامة. ويوضح "في حالات قليلة يعيدونه إلى ولايته (محل سكنه) الأصليّة، أما في غالب الأوقات فإنّهم يُرسلون إلى الحدود السوريّة مباشرة".

ويضيف أن السلطات التركية باتت تلزم كلّ شخص تعتزم ترحيله على أن "يوقع على ورقة موافقة على الترحيل، من أجل إخلاء المسؤوليّة القانونيّة. والكثير من الناس لا يعرفون اللغة التركيّة، فيوقّعون على كلّ ما يقدمه لهم رجال الشرطة والأمن. ويمكن أن يبقى من يرفض التوقيع في السجن لفترات طويلة، حتى يوقّع على هذه الورقة".

وُثقت حوادث عن إرسال مراهقين في السادسة عشر من عمرهم إلى سوريا، بعد أن عاشوا ست سنوات أو سبع في تركيا "حتى أنّ لغتهم العربيّة أضعف من لغتهم التركيّة"

أما محمود اليوسف (اسم مستعار لأسباب أمنيّة)، وهو ناشط مدني مقيم في تركيا وعمل خلال السنوات السابقة بملفات متعلّقة بترحيل السوريين من تركيّا، فقد قال لرصيف22 إنّه "يحق للحكومة التركيّة أن ترحّل أيّ مواطن سوري، حتى إن كان السبب شكوى من أحد الجيران -وهذه حوادث حدثت فعلاً ووُثقت- باستثناء الحاصلين على إقامة عمل، لأنّه من أجل ذلك تحتاج السلطات إلى موافقة المُشغّل، وهو أمر يتعلق بدفع الضرائب. تقدير نسبة السوريين الحاصلين على إقامة عمل هي أقل من عشرة بالمئة، ما يعني أن تسعين بالمئة من السوريين في تركيا يواجهون خطر الترحيل في أيّ لحظة. والحصول على إقامة عمل ليس بالأمر السهل في تركيا، فمعظم العاملين في منظمات مدنيّة وتنمويّة لا يحصلون على إقامات العمل ليكون ترحيلهم سهلاً".

ويوضح اليوسف أنّ الذين يتم ترحيلهم "من كلّ الأعمار والفئات"، حيث وُثقت حوادث عن إرسال مراهقين في السادسة عشر من عمرهم إلى سوريا، بعد أن عاشوا ست سنوات أو سبع في تركيا، "أيّ أنهم يكادون لا يعرفون شيئاً عن سوريا، وحتى أنّ لغتهم العربيّة أضعف من لغتهم التركيّة. هذه جريمة كاملة الأوصاف" حسب تعبير اليوسف.

قتل على الحدود

في يوم من أيام العام 2019، قُتل هشام صطيف المحمد، المنحدر من مدينة السفيرة في ريف حلب، برصاص قوات الجندرمة التركيّة، وهو يحاول العودة إلى تركيا بعد أن تمّ ترحيله قسرياً إلى سوريا من دون سبب يعلمه، حسب والد هشام، الذي قال في مقابلة صحفيّة إنّ ترحيل هشام قد تمّ رغم عدم وجود "أي شي عليه بالإضبارة"، مضيفاً إنّ زوجة هشام وأطفاله بقوا في تركيا دون أي معيل.

قتلت قوات حرس الحدود التركيّة في الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري، 20 مدنياً سورياً بينهم ثلاثة أطفال، بحجة حماية الحدود التركيّة، رغم أنّ الحكومة التركيّة ادعت في أوقات عديدة أنّها تتبنى سياسة الحدود المفتوحة مع السوريين الهاربين من الحرب الدائرة في البلاد، ومع ذلك قامت الحكومة التركيّة ببناء جدار عازل على الحدود يفصل مدينة القامشلي السوريّة عن مدينة نصيبين التركيّة، ويُذكر أنّ معظم سكّان المدينتين من الأكراد، الذين تشن تركيا حرباً واسعة ضدّهم، بلغت ذروتها باحتلال مدينة عفرين وضواحيها في الشمال السوري.

يقول المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبدالله، لرصيف22: "عدا عن أن الترحيل يشتت حياة الناس ويفكّك عائلاتهم، فإنّه يعرّض حيوات المُرحَّلين إلى الخطر، وذلك لأنّ معظم الأشخاص يحاولون العودة إلى تركيا مرة أخرى، فيتم في كثير من الحالات إطلاق النار عليهم من قبل حرس الحدود التركي، والحالات الموثّقة كثيرة، وأحياناً العبور يكون من مناطق زرعت فيها ألغام أرضيّة".

حسب منظمة هيومان رايتس ووتش فإنّ تركيا تستخدم "القوة المُفرطة" تجاه اللاجئين السوريين على حدودها، فيما حثّت منظمة العفو الدوليّة تركيا منذ سنوات بالتحقيق في قتل طالبي لجوء سوريين. وكان مركز توثيق الانتهاكات في الشمال السوري قد وثّق مقتل 462 لاجئاً سورياً، بينهم 59 امرأة و85 طفلاً حاولوا عبور الحدود حتى نهاية شهر أيار/ مايو من العام 2020.

حيث يميل المال

في تعليق لرصيف22 على ما سبق، قال الحقوقي محمد العبدالله، "إن استمرار ترحيل السوريين، حتى وإن كان للمناطق (الآمنة) في إدلب والشمال السوري والتي تتبع السيطرة التركيّة، هو عمل مخالف للقانون الدولي، على مبدأ عدم الإعادة القسريّة. وانتهاك للاتفاق المُعقد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، باعتبار أن تركيا قد تلقت مساعدات ماليّة للإبقاء على هؤلاء الأشخاص فيها".

مع تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية، فتحت تركيا أبواب معابرها أمام السوريين وفي المقابل أخضعت مساحات من الاراضي السورية لسيطرتها، وكسبت احتراماً وتقديراً وتدفقات مالية دولية لإعانة اللاجئين أسهمت في دعم اقتصادها، والآن؛ مع توالي فشل مؤتمرات المانحين للاجئين السوريين والازمة الإنسانية في سوريا، وانتشار الدعوات الأوروبية لإعادة السوريين إلى بلادهم التي لا تزال تمزقها الحرب، تسير تركيا من جديد على النهج الأوروبي، بعد ان ظهر لها أن احتضان اللاجئين، ربما صار قضية خاسرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard