محاولة لفهم جملة "ما بتهمني السياسة" التي نسمعها من شباب وشابات لبنانيين

الجمعة 30 يوليو 202108:26 م

أنجزت هذه المادة ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.


"لا كلام عن السياسة في بيتنا، نحن لا نتبع أي حزبٍ سياسي، لذا لم أتربَّ في جوّ يدعو إلى الانخراط في العمل السياسي، ولطلما كانت السياسة آخر همومي"، تقول نور كريّم، طالبة كيمياء حيوية.

تشرح الشابة اللبنانية البالغة من العمر 21 عاماً أنها لم تكن تشعر بأنها معنيّة بمتابعة الأخبار السياسية، ولم تكن نشرة الأخبار المسائية التي يجتمع حولها أفراد عائلتها بين حين وآخر تُثير أحاديث سياسية بينهم، إلى أن بدأت انتفاضة 17 تشرين/ أكتوبر، عام 2019. حينها أصبحت متحمسة لمعرفة "ما الذي سيتبع الانتفاضة وما الحدث الذي سيُغيّر الوضع اللبناني نحو الأفضل"، تقول.

"لم أكن أستخدم حسابي على تويتر أبداً قبل الانتفاضة، ولكن بدأت أتابع الأخبار السياسية عبره في الأسابيع الثلاثة الأولى، وصرت أنزل إلى الشارع مع أختي"، تروي لرصيف22. ولكن بعد ثلاثة أسابيع من الانطلاقة، شعرت أن نزولها إلى الشارع مثل عدمه، وأن الزخم الشعبي قد تراجع و"تسيّست" الانتفاضة، ما أفقدها الأمل بأن يتغير الوضع. حالياً، تقول: "لا يهمّني أن أُتابع الأخبار أبداً".

لا تمتلك نور تصوراً منطقياً لحل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اللبنانية الحالية وتعتقد أن المرشحين والمرشحات للانتخابات النيابية المقبلة (في أيار/ مايو 2022) لن يكونوا سوى "نسخة مُعاد تدويرها عن السياسيين الحاليين، حتى لو وَصَفوا أنفسهم بالمستقلين سياسياً وكانوا من دُعاة التغيير". لا تشعر أن وجهاً جديداً سيترشح "ويكون مستقلاً بنسبة مئة في المئة".

الآن، تفكّر بأنها لن تصوّت لأي مرشح، رغم أنها ستكون المرّة الأولى التي تتمكن فيها من المشاركة في الانتخابات، بعد بلوغها السن القانوني للاقتراع.

يعتقد المختص في علم النفس السياسي والباحث في جامعة كينت في المملكة المتّحدة رمزي أبو اسماعيل أن بعض الأفراد، مثل نور، مقتنعون بأن أفكارهم وأفعالهم لا يمكن أن تؤدّي إلى أيّ تغيير على الإطلاق، وبالتالي يفترضون أنهم ليسوا جزءاً من التغيير وغير مسؤولين عنه.

تنطبق هذه الفكرة على حنان شامي التي تستمع إلى أحاديث عائلتها حول المستجدات السياسية وتصريحات السياسيين، دون أن تتحمس للمشاركة فيها.

تقول الشابة البالغة من العمر 21 عاماً لرصيف22 إن "النقاش يتوقف دوماً عند خلاصة مفتوحة مثل 'خلص كلّن ما بيسووا'، لذا لا أشارك في هذه النقاشات، ولا أفهم ما الذي يؤكد كلام رؤساء الأحزاب أساساً".

تعتقد حنان أن لا مصادر موثوقة تساعد على فهم الحياة السياسية في لبنان، فالتحيّزات الشخصيّة تطغى على الوقائع، ومن الصعب معرفة حقيقة ما حدث منذ بدء الحرب الأهلية إلى اليوم.

يُشير أبو إسماعيل في حديثه لرصيف22 إلى أن بعض الأشخاص لا يشعرون بأن انتماءهم إلى مجموعة ما قويّ بما يكفي لدفعهم إلى التحرك. يتجاهلون أي إزعاج قد يولّده المحيط لديهم، بافتراض أنهم ليسوا جزءاً منه ولا مسؤولين عن التغيير فيه.

"التفكير في أن لا مجال لتغيير أي شيء وأنّ هذا أفضل ما يمكن أن نحصل عليه، يجعل الناس يشعرون بتحسن تجاه أنفسهم"، يقول أبو إسماعيل مضيفاً: "في نهاية المطاف، نهدف جميعاً إلى الشعور بالأمان في بيئاتنا، وعندما يتعذر الحصول على هذه السلامة، تتدخل عقولنا لمساعدتنا من خلال رسم تصورات قد لا تكون دائماً صحيحة ولكنها كافية لنا لنشعر بتحسن تجاه أنفسنا".

لا تشعر ياسمين أن لرأي الشباب تأثير كبير على السياسة في لبنان. برأيها "السياسة فيها زواريب وصفقات وتدخّلات خارجيّة، ولا أدري ما إذا كان هناك أشخاص من عمري يفهمون هذه التعقيدات"

يُذكر أن 4% فقط من اللبنانيين يثقون بأداء حكومتهم، بالمقارنة مع 48% من المغربيين مثلًا، بينما يقول 89% من اللبنانيين بأن الفساد منتشر في أجهزة الدولة، بحسب استطلاع رأي أجراه "الباروميتر العربي" في آذار/ مارس 2021.



العمل السياسي Vs. العمل الاجتماعي

انضمّت ياسمين زين الدين إلى الصليب الأحمر اللبناني منذ أربع سنوات تقريباً، في عمرٍ "نُريد أن نجد فيه مجموعة نتّفق معها ونقضي وقتنا معها".

كانت الخيارات المتاحة أمام الشابة البالغة من العمر 20 عاماً تقتصر على الكشّاف والصليب الأحمر والمجموعات الحزبية، فاختارت الصليب الأحمر لأنه يحتضن اختلافات أكثر من تلك التي تسعى الأحزاب إلى جمعها ضمن مؤيّديها أو المنتسبين إليها، حسبما تقول لرصيف22 وتضيف: "تعمل الأحزاب على التأثير على فئة معيّنة من المجتمع أكثر من غيرها، فيما كنتُ أريد أن أعمل مع فئات متنوّعة في كلّ لبنان".

لا تشعر ياسمين أن لرأي الشباب تأثير كبير على السياسة في لبنان. برأيها، "هناك أمور تأثيرها أكبر على تغيير الوضع الراهن. السياسة فيها زواريب وصفقات وتدخّلات خارجيّة، ولا أدري ما إذا كان هناك أشخاص من عمري يفهمون هذه التعقيدات، فيما أعتقد أن التغيير من خلال العمل الاجتماعي يمكن أن يكون أسرع وتأثيره أكبر".

تتحدّث ياسمين عن كون العمل الاجتماعي، مثل التطوّع في مؤسسة الصليب الأحمر، يضع المتطوّع في علاقة صادقة ومباشرة مع التغيير لا "زواريب" فيها، وتكون رؤية نتائج هذا العمل ممكنة.

يتوقف أبو إسماعيل عند أهمية العمل الجماعي كشرط للتغيير ويقول: "عندما يحدث أي تغيير دون مشاركة الناس، فهذا لا يعني أنه لم يكن هناك عمل جماعي، بل ببساطة أن العمل الجماعي جرى خلف أبواب مغلقة من قبل جماعات الضغط لفرض جداول أعمال تكون في بعض الأحيان لصالح مجموعات معيّنة نيابة عن أخرى". ويضيف: "بدون عمل جماعي، نسمح حرفياً بأن يأتي التغيير من الآخرين الذين يعلنون أننا غير قادرين على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا وغير قادرين على تغيير الوضع الراهن".

تعتقد حنان شامي أن العمل التطوّعي أصبح حاجة ملحّة في لبنان لتغطية التقصير في عمل المؤسسات الحكومية، حتى لو كان هذا الأمر إشكالياً. "بعد انفجار المرفأ، أتى الناس من طرابلس ومن البقاع لمساعدة أهل بيروت، ولكن بعد بضعة أيام أصبحوا يزيلون الحجارة عن الطريق لكي يصلوا إلى أشغالهم. ماذا فعلت الدولة اللبنانية هنا؟ لم تفعل شيئاً على الإطلاق".


السياسة... بين انبثاقها من الهويّة واهتمامها بالشّأن العام

ترى حنان أن الأحزاب السياسية تطغى على الهوية الفردية للشخص وتصبغها بلون الحزب، دون الأخذ بالاعتبار الاختلافات والمفارقات بين منتسب وآخر. "يصل المتحزب إلى مرحلة ينسى فيها الاختلافات التي تفرّقه عن باقي المنتسبين، والأفكار التي كان يختلف معها أو يريد تغييرها".

تتكوّن الهوية السياسية بحسب أبو إسماعيل خلال تطويرنا لمبدأ المسؤولية الاجتماعية بحيث نُصبح مدركين لتعقيدات المشاكل الاجتماعية. يختلف توقيت هذا التكوّن بين شخص وآخر، ولكنه عادةً يرتبط بمرحلة المراهقة.

"عندما يحدث أي تغيير دون مشاركة الناس، فهذا لا يعني أنه لم يكن هناك عمل جماعي، بل ببساطة أن العمل الجماعي جرى خلف أبواب مغلقة من قبل جماعات الضغط لفرض جداول أعمال تكون في بعض الأحيان لصالح مجموعات معيّنة نيابة عن أخرى"

"تتأثّر هويتنا السياسية في هذا السنّ المبكر بأقراننا ومحيطنا، الأمر الذي قد يُفسّر انتقال اعتقاد سياسي معيّن من قبل أحد الوالديْن إلى الطفل، ولكن هذا لا يتعلّق بالضرورة بتفضيلنا الأيديولوجي الحقيقي وقد لا يعكسه. يُصبح الشباب والشابات أقل ارتباطاً بمحيطهم أيديولوجياً عندما يتركون منزلهم العائليّ. حينها، يطوّرون أفكاراً تعكس طبيعتهم الحقيقية أو تبرز هويتهم الحقيقية".

ولا تتوافق السلوكيات الشخصية مع الهوية التي يعلن الشخص انتماءه إليها. على سبيل المثال، يقول أبو إسماعيل: "قد يطلق ابن أحد أعضاء الحزب التقدّمي الاشتراكي على نفسه لقب اشتراكي، بينما يقود سيارة مرسيدس ويعامل مساعدته المنزليّة بشكل سيئ، وإذا تمّ قياسه على مقياس الهيمنة، فسوف يسجّل درجة عالية من الإيمان بالهيمنة الاجتماعية والحاجة إلى التسلسل الهرمي في المجتمع. هذه حالة نموذجية من الأيديولوجيات المتضاربة بين ما تبدو عليه الهوية السياسية وما هي في الحقيقة".

يميّز أستاذ العلوم التربوية في الجامعة اللبنانية الدّكتور عدنان الأمين من جهته "بين الاهتمام بالسياسة المبني على الهويّة والاهتمام بالسياسة المبني على اهتمام فعلي بالشأن العام".

يقول لرصيف22 إن "الاهتمام بالسياسة يزيد في لبنان كلّما اقتربت السياسة من الهوية، من مَن نحن، بما في ذلك لدى الشباب". ولكن هذا الاهتمام يقلّ عند الحديث عن الشأن العام مثل الاهتمام بتبادل السلطة، تغيير السلطات أو تنظيمها أو التوازن بينها، أو عند الحديث عن السياسات، أكانت تعليمية، اقتصادية، صحية، صناعية أو غيره.

ويعتبر الأمين أن الاعتقاد بأن الشباب اللبنانيين غير مهتمّين بالسياسة هو انطباع غير دقيق، فالسؤال الحقيقي يدور حول نوع الاهتمام بالسياسة ومستوياته المختلفة. برأيه، "الاهتمام بالسياسة عالٍ لدى المجتمع اللبناني بشكل عام، ولكن ليس الاهتمام بالانتظام السياسي".

"التفكير في أن لا مجال لتغيير أي شيء وأنّ هذا أفضل ما يمكن أن نحصل عليه، يجعل الناس يشعرون بتحسن تجاه أنفسهم"

ويرى الأمين أن لحل مشكلة الاهتمام بالشأن العام، "لا بدّ من العمل على تعليم الأولاد كيف يفكّرون، ليتمكّنوا من تكوين آرائهم الخاصة وأخذ قرارات لاحقاً". يشرح أن الكثير من المثقّفين والعاملين في الشأن العام يعتقدون أنّ الحل يكمن في توحيد الهوية، وأن التربية المدنية السليمة تكمن في وضع مناهج موحّدة وكتاب تاريخ واحد وفق استراتيجيات دكتاتورية مثل تلك التي اعتمدها حزب البعث السوري والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، في حين أن "التعليم أوسع وأعقد من حشو الأدمغة بشعارات".

انعكاس التفاوت الطبقي على شكل الاهتمام السياسي

في الحديث عن تظاهرات 17 تشرين في لبنان، يشير الدكتور عدنان الأمين إلى تأثير الطبقة الاجتماعيّة والمسار الاجتماعي للأفراد على شكل انخراطهم في الحياة السياسية، وما إذا كان هذا الانخراط عفوياً وعاطفياً أو مدروساً ومنظّماً.

يقل الاهتمام بمظاهر الاحتجاج عند الفئات المهمشة والشعبية في لبنان ليس بسبب الفقر بل بسبب قوة حضور الهوية، والاستلاب نحو الجماعة، بحسب الأمين، فـ"في إدراك شباب الفئات المهمشة في لبنان، المسألة هي مسألة هويّات. هذه الفكرة قويّة جدّاً لدرجة تمنع عنهم العمل السياسي، لكنّهم متابعين وغارقين 'لفوق شوشتهم' بالسّياسة".

يعتقد البعض أن الظروف الاقتصادية الصعبة هي المسؤول الأساسي عن تهميش الشباب العرب عن مواقع القرار السياسي والحركة السياسية، لكن حتى في الدول العربية الغنية، ينخفض اهتمام الشباب العربي بالمشاركة في الشأن العام.

في استطلاع رأي أجراه مركز الشباب العربي في الإمارات، ونشر في آب/ أغسطس 2020، رأى 73% ممن شملهم الاستطلاع من جميع أنحاء الدول العربية أن السلامة والأمن على رأس أولوياتهم، ولكن 10% فقط عبّروا عن اهتمامهم بالمشاركة المجتمعيّة، فيما لم يعتبر أي من المشاركين الكويتيين أنّ المشاركة المجتمعيّة أولوية قصوى.

"عندما يستقيل المزيد من الناس من أدوارهم الاجتماعية كونهم مسؤولين عن المواقف التي يعيشون فيها، يصبح العمل الجماعي صعباً بشكل عام" يقول أبو إسماعيل، مضيفاً: "عدم المشاركة في العمل الجماعي من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي قد ينبع من قول 'إنّ التغيير قادم لكنه لن يشبهني'، لأننا نعلم جميعاً أن التغيير قادم دائماً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard