نحو الرئيس "المقدّس" والقوات الأمنية "المعصومة"؟ جدل في موريتانيا بسبب مشروع قانون جديد

الاثنين 26 يوليو 202111:09 ص

تعيش الساحتان السياسية والحقوقية في موريتانيا، هذه الأيام، حالة من الجدل بسبب مشروع قانون جديد صادقت عليه الحكومة الموريتانية وقدّمته إلى البرلمان، في انتظار الموافقة عليه. ويتعلق مشروع القانون بحماية الرموز الوطنية، وتجريم المساس بـ"هيبة الدولة"، الذي يرى فيه الكثيرون من المراقبين اتجاهاً نحو التكريس القانوني لعدم انتقاد المؤسسة الرئاسية، وتقديس شخص رئيس البلاد، وتحصين المؤسسات الأمنية من أي انتقاد من طرف المعارضة.

وكانت لجنة العدل والداخلية والدفاع في الجمعية الوطنية، قد عقدت يوم الخميس 22 تموز/ يوليو 2022، اجتماعاً برئاسة رئيس اللجنة لمناقشة مشروع القانون النائب محمد ولد الرزيزيم،

واستمعت اللجنة خلال الاجتماع إلى عرض قدمه وزير العدل، محمد محمود ولد الشيخ عبد الله ولد بيه، استعرض فيه البنود الأساسية لمشروع القانون، وذلك قبل تقديم أعضاء اللجنة لآرائهم وملاحظاتهم حوله.

ويُنتظر أن يُعرض مشروع القانون خلال الأسبوع الحالي، للموافقة عليه من قبل البرلمان في جلسة علنية، على الرغم مما أحدثته مواده من حالة غضب في أوساط الناشطين الموريتانيين، والصحافة، والسياسيين.

لماذا يخلق المخاوف؟

يتضمن القانون ثماني مواد رأى البعض أن بعضها يعدّ ضربة قاتلة لحرية التعبير، وانتكاسة حقيقية في مشوار الحريات في موريتانيا. وحسب المحامي الموريتاني محمد المامي مولاي أعلي: "يشكل هذا المشروع تراجعاً خطيراً للحريات العامة، وخاصةً حرية التعبير؛ فهو من ناحية يكرس تمييزاً واضحاً بين المساس بعرض المواطن العادي، والمساس بعرض رئيس الجمهورية بدرجة أولى، وعرض المسؤولين العموميين بدرجة ثانية، كما سيمنع توثيق عمليات القمع والتعذيب إن قامت بها قوات الأمن، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدستورية المكرسة للمساواة، والضامنة للحريات".

وأشار المحامي إلى أن: "بقية مقتضياته موجودة في قوانين أخرى، وهي مجرد تكرار لا أهمية له، باستثناء المساس بالعلم، والنشيد، وهو مقتضى جديد يسد فراغاً كان قائماً، وإن جاء في شكل غامض جداً لا يتناسب مع الوضوح المطلوب في المقتضيات الجزائية".

وتُعد المادة الثالثة منه، من أكثر المواد المقلقة للناشطين، إذ تنص على أنه: "يعتبر مساساً بالأمن الوطني كلُّ نشر أو توزيع، لمواد نصية أو صوتية أو مصورة عبر استخدام تقنيات ووسائل الإعلام والاتصال الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، تستهدف النيل من الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة، وقوات الأمن، أو زعزعة ولائهم للجمهورية".

ويعاقب على ارتكاب هذه "الجرائم" بالسجن من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، وبغرامة مالية تتراوح ما بين مئتي ألف أوقية وأربعمئة ألف أوقية.

ويُعد كذلك مساساً بالأمن الوطني، تصوير صور أفراد أو تشكيلات القوات المسلحة وقوات الأمن، ونشرها، وتوزيعها، أثناء أداء مهامها، من دون إذن صريح من القيادة المسؤولة، ويعاقب على ارتكاب ذلك بالسجن من سنة إلى سنتين، وبغرامة مالية تتراوح بين مئة ألف أوقية ومئة وخمسين ألف أوقية.

ولا تُطبَّق أحكام الفقرة السابقة إذا كانت الصور قد التُقطت أثناء الاستعراضات العسكرية العامة، أو الصور المنشورة على المنصات، والنوافذ الرقمية الرسمية للأجهزة العسكرية والأمنية".

ويرى الناشطون أن هذا التشريع يأتي لحجب انتهاكات المؤسسات الأمنية لحقوق الإنسان، وقمع المظاهرات، وتجريم التغطيات الميدانية، خاصةً وأن المادة استثنت ما يصدر من طرف المنصات الرسمية للأجهزة الأمنية فحسب.

الرئيس المقدّس؟

وأثارت المادة الثانية كذلك انتقاداً واسعاً، إذ نصّت على تخصيص حصانة للرئيس، وعدّته من رموز الدولة، إذ تقول: "يُعد مساساً بهيبة الدولة، ورموزها، كل من يقوم عن قصد، عبر استخدام تقنيات ووسائل الإعلام والاتصال الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، بالمساس بثوابت الدين الإسلامي ومقدساته، أو بالوحدة الوطنية، والحوزة الترابية، أو بإهانة شخص رئيس الجمهورية، أو العلم أو النشيد الوطنيين".

#لن نسكت،الموريتانيون يرفضون مشروع قانون يجعل شخص رئيس الجمهورية "مقدسا" ويعطي شبه حصانة للمؤسسات الأمنية

وسيعاقَب مرتكب هذه الأفعال، في حال المصادقة البرلمانية على المشروع، بالسجن من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة مالية من مئتي ألف أوقية إلى خمسمئة ألف أوقية. هذا بالإضافة إلى مواد أخرى مثيرة للجدل.

وفي حديث لرصيف22، قال النائب البرلماني محمد الأمين سيدي مولود: "يجرّم مشروع القانون الجديد ما يسمّى 'النيل من الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة، وقوات الأمن، أو زعزعة ولائهم للجمهورية'، وهذه ميوعة واضحة، إذ يمكن أن يفسّر الكلام عن ضعف رواتب عناصر الأمن والجيش، على أنه محاولة لإضعاف ولائهم، أو المّس بمعنوياتهم. كما أن تجريم المشروع لتصوير أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن أثناء أداء مهامهم ونشرها وتوزيعها، فيه لغم آخر، لأنه لم يفرّق بين تحرك الجيش وقوات الأمن توفيراً للأمن، وبين ممارسة أعمال مخالفة للقانون مثل القمع، وضرب المواطنين".

اعتبره ناشطون أسوأ مشروع قانون تشهده موريتانيا إذ يجعل مؤسسة الرئاسة محمية من أي انتقاد ويجعل الأمن محصّنا من توثيق تجاوزاته

وأكد البرلماني أن مُشرِّع القانون "قسّم المواطنين إلى ثلاثة أقسام: رئيس جُمع مع المقدسات الدينية، والحوزة الترابية، ومسؤولين ‘بُوِّبَ’ عليهم من دون غيرهم، ومواطنين عاديين، بل من ‘الدرجة الثالثة’، من هذه الزاوية، وهذا يناقض العدل، والواقع، وسباحة خارج الزمن. لقد جاء هذا النص من سياق تم تجاوزه قبل نحو ربع قرن".

وأشار سيدي مولود إلى أن "هذا القانون هو مجرد حلقة جديدة ضمن حلقات من قوانين سبقته، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب، مثل قانون المعلومات الذي يهمل مغالطات المسؤولين، وتزوير الواقع، ويسجن المدونين حين ينشرون معلومات غير دقيقة، وقد لاحظتم جميعاً ما تمّ من تضييق بعد صدور هذا القانون الظالم، إذ تبنته الأغلبية المحكوم بها، مع الأسف، فمررته من دون أي تعديل، على الرغم من تصويت الأقلية ضده".

"القانون الأسوأ"

القانون الذي عُدّ استمراراً في نهج تقنين الديكتاتورية في موريتانيا، كتب حوله البعض عبر وسم #مان_ساكتين (لن نسكُت)، ووصفه المحامي والنائب البرلماني العيد محمدن بأنه "القانون الأسوأ"، إذ كتب على صفحته على فيسبوك قائلاً: "مشروع القانون الجديد الذي يحمل عنوان ‘حماية الرموز الوطنية’ يتضمن مقتضيات خطيرة على الحريات، ويحمي مرتكبي جرائم التعذيب، ويميِّز بين المواطنين. خلاصة؛ ربما يكون القانون الأسوأ خلال العشرين سنة الأخيرة".

وعبّر الناشط الموريتاني سيدي ولد محمد الأمين عن غضبه من القانون، وقال: "في بلد يتغول فيه رئيس الجمهورية، هل تعتقدون أن التقاليد الديمقراطية ستترسّخ فيه؟

هل تعتقدون أن أي أمل للديمقراطية فيه سيتحقق، ونحن أمام عبادة فرد.

وها هو ولد الغزواني يكمل ما بدأه أسلافه من العساكر بتقديم قانون يضفي قداسة أكثر على هذا الكائن الأسطوري، بتجريم الإساءة إليه بعقوبات خاصة تختلف عن العقوبات المقررة أصلاً للإساءة إلى أشخاص عاديين، وكأنه يريد أن يؤكد أن رتبته تفوقنا جميعاً نحن الأشخاص الآخرين من غير القادة! وها هو يحمي قطيعه؛ عساكره وأمنه من التصوير بتجريم ذلك، ليقول لنا إنهم مواطنون يفوقوننا، ولديهم حقوق أكثر منا، وحماية فوق حمايتنا. في هذه الحالة لن نقول له سوى: لن نركع".

وكتب الصحافي الربيع ولد إدوم: "محاولة حماية الشرطة، خلال انتهاك حقوق المواطنين وتعذيبهم بهدف منع التعبير من خلال قانون، هو خلل كبير في فهم الأمور، ويجب التراجع عنه في أسرع وقت. المواطن (الشعب) هو ركن من أركان الدولة قبل الدستور والقوانين. وبالتالي فهو أهم من جميع المؤسسات، ولا يمكن حماية من ينتهك إنسانيته. يجب على أي قانون يحمي الرموز الوطنية أن يعزز حماية الشعب وحريته وكرامته الإنسانية".

وأضاف: "تصوير التعذيب وتوثيقه من صميم مسؤوليات أي صحافي أو مواطن. وهو سلوك يعبر عن تطور أخلاق البشر، ومن أهم قيمهم في العصر الحديث، ولا يمكن تقييده إلا في حدود ضيقة جداً، ولا تكون طبعاً في صالح مرتكبي التعذيب. هذا ما تقوله مواثيق الصحافة، وقوانين الحرية، ومواثيق حقوق الإنسان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard