عالية مسلَّم خارج السجن الأصغر... أكاديميو مصر في الخارج تحت سيف مراقبة الدولة

الاثنين 12 يوليو 202112:57 م

أفرجت نيابة أمن الدولة في مصر عن الباحثة المختصة بالتاريخ الشفاهي عالية مسلَّم، مقابل كفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه مصري (نحو 800 دولار أمريكي)، عقب ساعات من احتجازها والتحقيق معها لدى وصولها إلى مطار القاهرة قادمة من العاصمة الألمانية برلين، حيث تعد دراسات تالية على الدكتوراه.

واعتقلت عالية حالما وصلت إلى مطار القاهرة في الواحدة من ظهر الأحد 11 يوليو/ تموز بصحبة زوجها الباحث المختص بالعمران يحيى شوكت وأطفالهما الثلاثة، بعد يومين من تصريحات لوزيرة الهجرة نبيلة مكرم، حذرت فيها من أن الدارسين المصريين في الخارج يشكلون خطورة على الأمن القومي المصري كونهم يعودون "محملين بأفكار مغلوطة".

قبل عامين اجتمعت وزيرة الهجرة المصرية  مع مغتربين في كندا، وزعمت أنها طرحت سؤالاً على الحاضرين عما يمكن أن يفعلوه بالشخص الذي يدلي بكلام سلبي حول وطنه، وقالت إن أحد الحاضرين رد بأنهم سيقطعون رقبته، وأنها ردت عليه بـ "سنفرمه فرماً".

وأفادت وسائل إعلام مصرية ونشطاء على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بمصادرة السلطات هاتفها واحتجازها 17 ساعة لاستجوابها لدى ضباط الأمن الوطني بالمطار، قبل نقلها للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة في التجمع الخامس.

يذكر أنه بحسب القانون المصري، يتوقع أن تُدرج الباحثة المصرية على قوائم الممنوعين من السفر باعتبار أنها باتت مطلوبة على ذمة التحقيق في اتهامات موجهة إليها، ما سيحول دون استكمال أبحاثها وعملها الأكاديمي بالعاصمة الألمانية.

حرب على الأكاديميين 

القبض على عالية مسلم أتى بعد يومين من تصريحات استهدفت المصريين الدارسين بالخارج أطلقتها وزيرة الهجرة السفيرة نبيلة مكرم، مهدت من خلالها لإلقاء القبض على الباحثة عالية مسلم، إذ قالت إن" الدارسين المصريين بالخارج هم أخطر شريحة من المهاجرين، نتيجة عدة عوامل على رأسها الأفكار المغلوطة التي يتعرضون لها من أصحاب التوجهات المعادية لمصر"، وهو ما وصفه نشطاء على مواقع التواصل بـ "حرب مصرية على الأكاديميين".

ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها وزيرة الهجرة للمصريين في المهجر، من خلال تصريحاتها التي تشير إلى مراقبة الدولة كل ما يصدر عن المصريين بالخارج من تعليقات أو نشاطات أو أبحاث.

 ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها وزيرة الهجرة للمصريين بالخارج من خلال تصريحاتها، التي تشير إلى مراقبة الدولة كل ما يصدر من تصريحات أو أبحاث عن المصريين بالخارج، فقبل عامين قالت إنها اجتمعت مع مغتربين مصريين في كندا، وزعمت أنها طرحت سؤالاً على الحاضرين عما يمكن أن يفعلوه بالشخص الذي يدلي بكلام سلبي حول وطنه، وقالت إن أحد الحاضرين رد بأنهم سيقطعون رقبته، مضيفة أنها ردت عليه بـ "سنفرمه فرماً".

تصريحات السفيرة السابقة والوزيرة الحالية تتفق مع شهادات مصريين دارسين وعاملين بالخارج عن نشاط السفارات المصرية في العواصم الأوروبية بشكل خاص في مراقبة المصريين المقيمين والعاملين بالخارج ممن كان لهم نشاط سياسي معارض أثناء إقامتهم في مصر، كما تمتنع السفارات المصرية او تتعنت – بحسب شهادات اطلع عليها رصيف22- في إصدار الأوراق الرسمية التي يطلبها من تجد السلطات الأمنية أنه كانت له أنشطة سياسية "غير مستحبة" في السابق أو خلال إقامته في الخارج.

وتعرض أكاديميون ودارسون مصريون للقبض عليهم واحتجازهم سواء بآليات الحبس الاحتياطي أو الحكم عليهم بالسجن، لدى عودتهم لزيارة ذويهم، ومنهم الباحث المصري المختص بشؤون الجماعات الإرهابية والجهادية إسماعيل الاسكندراني، وطالب الماجستير باتريك جورج والباحث أحمد سمير سنطاوي المضرب حالياً عن الطعام بعد الحكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهم تتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإرهاب. 

وحل هاشتاغ  "Egypt’s war on academics" في صدارة أكثر الهاشتاغات تداولاً على موقع تويتر بعد القبض على الأكاديمية عالية مسلم، إذ غرد عشرات الباحثين والأكاديميين منتقدين نهج السلطات في التربص بالأكاديميين، بينما يطالب الإعلام الرسمي الحكومي الشعب بالاصطفاف خلف القيادة في أزمة سد النهضة الإثيوبي. وربط مغردون بين التوسع في القبض على الباحين والصحافيين والمعارضين، وما وجدوه "فشلاً" رسمياً في مواجهة إثيوبيا بعد إقدامها على الملء الثاني لسد النهضة بشكل أحادي ومن دون اتفاق ملزم، ما جعل السلطات المصرية في مأزق أمام شعبها، بسبب الآثار المتوقعة لسد النهضة على حصة مصر من مياه النيل.

 غرد عشرات الباحثين والأكاديميين منتقدين نهج السلطات في التربص بالأكاديميين، بينما يطالب الإعلام الرسمي الحكومي الشعب بالاصطفاف خلف القيادة في أزمة سد النهضة الإثيوبي.

وعلق المؤرخ المصري خالد فهمي على خبر القبض على عالية مسلم وقال في تغريدة عبر حسابه بموقع تويتر إن “الحكومة المصرية تواصل حربها على الحرية الأكاديمية”.وعزا الناشطون أسباب القبض على عالية إلى تصريحات الوزيرة المصرية والتي وصفوها بـ “الهراء” مطالبين الحكومة الألمانية بلعب دور في الإفراج عن العلماء والباحثين الذين يتخذون من برلين قاعدة لهم، لا سيما أن هذه ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها باحثون وأكاديميون مصريون.

السجن للعائدين 

سبق أن اعتقلت السلطات الحكومية الطالب والباحث أحمد سمير سنطاوي في  1 فبراير/شباط 2021، بتهم تتعلق بالإرهاب، وسنطاوي هو باحث وطالب ماجستير في الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في جامعة أوروبا الوسطى في فيينا (CEU) – "قد اعتُقل تعسفياً لمجرد عمله الأكاديمي الذي يركّز على حقوق المرأة، بما في ذلك تاريخ الحقوق الإنجابية في مصر"، حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير. وأعلن سنطاوي الإضراب الكامل عن الطعام بعد تلقيه خبر الحكم عليه بالسجن أربع سنوات وغرامة 500 جنيه من محكمة أمن الدولة طوارئ، وهي محكمة تتولى الحكم في القضايا المحالة إليها خلال فترات فرض حالة الطوارئ (السارية بشكل متجدد منذ 2017) في البلاد ولا يمكن الطعن على أحكامها وتصير واجبة النفاذ بمجرد صدورها.

 وفي فبراير/شباط 2020، ألقت قوات الأمن القبض على باتريك جورج زكي – وهو باحث في مجال النوع الاجتماعي لدى منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وطالب ماجستير في جامعة بولونيا بإيطاليا – لدى وصوله إلى مصر. واحتُجز منذ ذلك الحين في الحبس الاحتياطي بتهم تتعلق بالإرهاب. وطالب رئيس البرلمان الاوروبي بالإفراج الفوري عن باتريك جورج، فيما يضغط نواب بالبرلمان الإيطالي لمنح جورج الجنسية الإيطالية حتى تنشط الدولة الإيطالية في الضغط لإطلاق سراحه.

 وفي مايو/أيار 2018، أُلقي القبض على وليد سالم – وهو باحث وطالب دكتوراه في جامعة واشنطن – عقب عودته إلى مصر للقيام بعمله الميداني. وقد أُفرج عنه مؤقتاً على ذمة التحقيقات في ديسمبر/كانون الأول 2018، بعد أن أمضى سبعة أشهر في الحبس الاحتياطي، لكن السلطات منعته من السفر إلى خارج مصر. والعام 2015 اعتقلت السلطات الباحث والصحافي المصري إسماعيل الإسكندراني فور عودته إلى القاهرة من العاصمة الألمانية برلين، وحسب منظمات حقوقية فإن هذه الهجمات على الأكاديميين والباحثين  تقوض الحرية الأكاديمية المحدودة أصلاً في البلاد.

 وانتقد باحثون عدم تغير سياسة ألمانيا مع القاهرة "رغم القمع العابر للحدود التي تمارسه السلطات المصرية  ضد الأكاديميين"، مشيرين إلى المشاريع المستمرة بين ألمانيا ومصر، منها مشاريع البنية التحتية للقطارات التي تقوم بتنفيذها شركة سيمنز الألمانية أو برامج المؤسسات الدولية لتعزيز قوة الاقتصاد المصري، والتي رأوا أنها ترسل رسالة "مخيفة" إلى الأكاديميين المصريين في الخارج.

من هي عالية مسلّم؟

عالية (علياء) مسلَّم هي باحثة ومؤرخة حصلت على شهادة الدكتوراه في التاريخ من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية عن أطروحتها في التاريخ الشعبي للحقبة الناصرية،  وبالإضافة إلى ذلك هي زوجة للباحث العمراني في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية يحيى شوكت.

  وفي حوار لها عبر منصة trafo  وهي منصة للباحثين في العلوم الاجتماعية، تحكي علياء عن دراستها في التاريخ فتقول " أنا مهتمة بالنظر إلى التاريخ من خلال الأغاني. إذا كان هناك المزيد من الوقت، فأنا أتحدث عن تاريخ الناس العاديين، وأعطي أمثلة عن كيف أنظر إلى الحركات السياسية أو اللحظات الكبيرة في تاريخ العالم، مثل انقلاب 1952 في مصر أو الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال. رغم ذلك ما يثير اهتمامي هنا ليست الحرب نفسها بل تجارب الأشخاص الذين اضطروا للقتال في الحرب. وبالمثل ، في بحثي حول بناء السد العالي بأسوان في مصر في الستينيات، أعطي أمثلة محددة لبناء السد، لكني ركزت على الأشخاص الذين قاموا ببنائه. هدفي هو استكشاف التاريخ من خلال أغانيهم وإلقاء نظرة على تجربة الأشخاص العاديين وراء تاريخ العالم".

وقامت أيضاً بالتدريس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومعهد القاهرة للفنون والعلوم الليبرالية، وعقدت سلسلة ورش العمل عن"استعادة التاريخ الثوري" من خلال تدريب الطلاب والفنانين على جمع التاريخ الشفاهي في مختلف أنحاء مصر. وعملت كذلك مع عدد من الممارسين المسرحيين لتوثيق التجارب الثورية للحاضر، كما في مسرحية "أهواء الحرية". وتساهم الأنشطة الفنية التي قادتها مسلَّم في استكشاف تواريخ بديلة للتاريخ الرسمي الذي يسقط أدوار الشعوب في الأحداث الفاصلة، وإعادة تقديم هذا التاريخ الشعبي على المسرح. وتواصل عالية مسلَّم البحث عن هذه القصص والأغاني في محاولة لاستعادة وتوثيق التاريخ المفقود للحراك الشعبي في مصر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard