عار الأنبياء العاري وعار الرأسماليين المحتشم

الخميس 29 يوليو 202110:56 ص

"بعد أن خرجوا من السفينة، اشتغل النبي نوح بالفلاحة وزراعة الأرض، وكان أول مَن غرس كروم العنب. وفي أحد الأيام شربَ النبي نوح الكثير من عصيرِ العنبِ دون أن يعلم أنه تخمر، فخلع ملابسه وغلبه النوم في خيمتِه. فَدخل حام خيمة أبيه ورآه مكشوف العورة، فبدلاً من أن يغطي عورة أبيه، خَرَجَ وأخبرَ أخوَيهِ سام ويافث. فأخذَ سام ويافث رِداءً، ووَضعاهُ علَى أكتافِهِما، ومشيا إلى الخلف حتى لا يَنظرا عورة أبيهما، فستراه دون أن ينظرا إليه.

ولَمّا أفاقَ النبي نوحُ من غفوتهِ، وعَلِمَ بما فعلهُ ابنهُ حام، دعا النبي نوح وقال: يا حام، كما فضحت أبوك سيكون نسل ابنك سبب فضيحتك، فيكون عبداً ذليلاً عند إخوته".

العار المقدس

لا نعلم أحساس حام بعد تلك الحادثة، كيف نظر إلى نفسه؟ ما هي الديناميات النفسية التي أحس بها وهل شعر بالعار فعلاً لأنه قام بما قام به، أم أن الأمر لا يعدو كونه حدثاً يملك العديد من التأويلات، يتعلّق أحدها بالعار البشري من "جنسه"؟

لكن إذا دققنا جيداً، سنلمح هنا عاراً آخر، عار الأخوين سام ويافث، وهما يتقلّصان ويرغبان بالاختفاء تحت الأرض، حتى أنهما يمشيان إلى الخلف، بدون النظر، ليتجنبا "رؤية" عارهما مجسداً في "سوءة" أبيهما، النبي الذي يشعر أيضاً بالعار لانكشافه على هذا النحو لابنه الضاحك وأخويه الجبانين.

لكن من علّم نوح وابنيه الشعور بالعار؟ من أين أتى هذا البعد الذاتي للإحساس بالعار وهو بالأصل إحساس اجتماعي بحت، أي يجيء من نظرة الآخرين لنا؟

هل كان سام ويافث يجدان في نوح تعريفاً لهما؟ فأحسا بالانكشاف والخجل من حقيقته/ حقيتهما؟

لم يجرؤ الابنان على التطلع إلى أبيهما لأنهما لا يجرؤان على التطلع إلى نفسيهما، الهوية التي يشكّلها نوح النبي لابنيه مخيفة، هما لا يستطيعان التحديق بها ولا اكتشافها، حتى أنهما لا يعترفان بها، ينكرانها عبر إشاحة البصر بينما يتطلع حام، العابث، الذي لا يخاف من هويته تلك يحدّق وتدهشه حقيقة أنه ذكر، بقضيب متدلٍّ وخصيتين مجعدتين، ويضحك.

الهوية التي يشكّلها نوح النبي لابنيه سام ويافث، مخيفة، هما لا يستطيعان التحديق بها ولا اكتشافها، حتى أنهما لا يعترفان بها، ينكرانها عبر إشاحة البصر بينما يتطلع حام، العابث، الذي لا يخاف من هويته تلك، يحدّق وتدهشه حقيقة أنه ذكر، بقضيب متدلٍّ وخصيتين مجعدتين، ويضحك

وقبل ذلك، عندما تذوّق آدم وحواء من شجرة المعرفة:" بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ"، كأن معرفة جنسهما أشعرتهما بعاره، أو كأن هذه الشجرة هي معادل موضوعي للآخر الذي "يرى"، الذي يقيس عيوب المطرودين من الجنة، المرتكبين للأخطاء بعدم الاستماع، كأنها شجرة "عيون" الآخر وليست المعرفة.

مرة أخرى نلمح مشهداً قريباً من الإحساس بالذنب والعار من عدم تناسب الذات المختارة للرسالة مع المواصفات المطلوبة للرسول.

قال الحافظ ابن حجر:" وَقع عِنْد ابن إِسْحَاقَ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بِنِ عُمَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ قَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ قَوْلَهُ (ألم ذَلِكَ الْكتاب لَا ريب فِيهِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ حَيْثُ قَالَ لَهُ (اقْرَأْ).

العار هنا من الخشية من عدم انطباق الصورة على الأصل، الصورة التي رسمها الله لرسوله ومحاولة محمد مطابقتها، بداية من اسمه الذي تذكر الكتب أنه لم يكن محمداً بل "قثم"، وانتهاء بفشله في فهم الأمر الإلهي الذي لم يستطع مضاهاته. وربما بقي النبي طوال حياته يحاول ترميم هذا العار الذي شعر به عندما فشل في الاختبار الأول للنبوّة، والذي أورثه لاحقاً "حقداً" على الكتابة والنصوص، حيث أنه أمر بتمزيق الأحاديث التي دوّنت عن لسانه، ولم يثق بالنصوص المكتوبة.

العار لغة عالمية

إن الطبيعة الواقعية للرأسمالية تفترض وجود مجموعة ناجحة، تلتهم "اليوميات" والأفكار، ومجموعة أخرى فاشلة، تقتات على إحساسها بالعار من فشلها، واستحضار وترسيخ الشعور بالعار من الفقر يهدف لاستدامة التقسيم على ما هو عليه، والتزام الهدوء حيال عدم العدالة في الحياة، وإخفاء هذا العار تحت طبقات عديدة من الشعور بالفشل الشخصي والنزوع للاستهلاك التفاخري مع مشاعر الخزي التي ترتبط به.

أصبح الفقر مشابهاً لعدم التواجد، أو لعدم القدرة على التعامل مع اليوميات وبالتالي أفرز شعوراً بالانفصال عن العالم والغباء حتى.

وتعمم الأنظمة الرأسمالية، الحثّ على العمل والاستهلاك، هذا الشعور بالعار العام، للتقليل من حدة الصراع الطبقي ولامتصاص جهد القوة العاملة وتبذيره على مشاعر سلبية تخفّض من قدرتها على استخدام "طاقة الحقد".

في كل مكان، يشعر الناس بالخجل من تلقي المعونة الاجتماعية، الصدقات، المساعدات الخيرية، ويرغبون باستلامها خفية، لأن الإحساس هذا ساحق للفرد وتتطلب مقاومته الكثير من الجهد.

لقد ربط الاقتصاد المعولم بين البلدان حتى المتمايز منها والمختلف، ربطهم بسلوكيات يقف الإحساس بالعار خلفها، فيما يمكن أن نسميه "العار المعولم"، وهو ليس مرتبطاً بأفعال نقوم بها، (كأن تظهر مؤخراتنا على مواقع التواصل أو أن ينكشف أحد أسرارنا الأشد عمقاً، وهو بالتأكيد مختلف عن الشعور بالعار العربي الذي يرتبط بـ"نسائنا" و"شرفنا")، هو مرتبط بعدم الموافقة على ممارساتنا ممن اخترنا أن نتشارك معهم أخلاقياتنا وعقائدنا الاجتماعية، ممن اخترنا أن نشبههم ونتشبّه بهم أيضاً. والمشكلة هنا أن هذه "الأخلاق والعقائد" لا يمكن اختيارها، نحن نولد ضمنها فحسب، هي من تختارنا، هي من توقعنا بحبالها وعلينا أن نستمرّ في رفضها أو ترسيخها.

إذا طُلب من أحدنا أن يقوم بمسح الطاولة في حفلة أو تنظيف قيء أحد الثملين، سيشعر بالعار، لا لأن الفعل نفسه مقزز، بل لأنه ضمنياً سيشعر بالخجل من اختياره للقيام بهذا الفعل بالذات، اختياره هو، من قبل أحد ما، سيرى عاره في الاختيار فحسب

إذا طُلب من أحدنا أن يقوم بمسح الطاولة في حفلة أو تنظيف قيء أحد الثملين في سهرة رأس السنة، سيشعر بالعار، لا لأن الفعل نفسه مقزز، بل لأنه ضمنياً سيشعر بالخجل من اختياره للقيام بهذا الفعل بالذات، اختياره هو، من قبل أحد المضيفين، أو المتنفّذين، سيرى عاره في الاختيار فحسب، لا في الفعل المُخجل، في أن أحداً رأى "ضآلته" واضحة لهذه الدرجة ليطلب منه فعلاً مماثلاً.

عندما كان جان جاك روسو في السادسة عشر من عمره قام بسرقة بعض الأشياء من صاحب العمل، ودفعه العار الذي شعر به إلى إلقاء اللوم على موظفة شابة. بعد سنوات عديدة كتب روسو أنه لا يزال يشعر بالعار تجاه ما فعله، وهنا نرى كيف أن للعار قدرة هائلة على العيش ضمن الذات وكبح جماحها وتثبيطها، كيف أن قوّته يمكن أن تتفوّق حتى على الشعور بالذنب الذي يدفع البعض للقتل أو الانتحار.

لكن المدهش أن البشر يعيشون ضمن "عارهم"، يتنفسونه وينتجونه ويدافعون عن رضوخهم فيه، ويرفضون حتى فكرة الخلاص "المسيحية"، إلا عبر المزيد من الخضوع والخنوع، يدفعهم إلى ذلك المزيد من العار الذي يسير في خبز يومهم، فـ"ألا تشعر بالعار هو عار أصلاً".

وبينما نشأ عار نوح وولديه وعار النبي محمد من بعده، من انكشاف "المستور" والذي يجب أن يبقى محجوباً لأنه يتضمن صورة المقدّس كمقدّس، ينشأ عار الرأسمالية من قدرتها على حجب حقائق الاستغلال ودفعها باتجاه "المستهلك" الذي يتعرّى أكثر كلما اشترى أكثر، كلما غطى جسده بالمواد المصنّعة والأدوات سريعة العطب، بينما تبقى روحه خاوية كجراب عيد الميلاد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard