جلال برجس الحائز على جائزة "بوكر" 2021... "الزمن العربي لم يتغير فيه إلا القشرة"

الثلاثاء 29 يونيو 202110:20 ص

روائي وشاعر من طراز رفيع، يمتلك ذاكرة مشتركة مع الكاتب والقارئ، وتمتاز أعماله بالعمق النفسي والتجليات الفلسفية، الجمع ببراعة بين الواقعي والمتخيل وإتقان الألاعيب والتقنيات السردية، وتتنوع أعماله بين الرواية والشعر والقصة وأدب المكان.

جلال برجس، أحد أبرز الأدباء العرب المعاصرين، الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" مرّتين، الأولى في العام 2015، عن رواية "أفاعي النار/حكاية العاشق علي بن محمود القصاد"، والثانية في دورتها 14 للعام 2021، عن رواية "دفاتر الورّاق".

وسبق أن صدر له في الشعر "كأي غصن على شجر" 2008، "قمر بلا مَنازل" 2011، وفي أدب المكان له "رذاذ على زجاج الذاكرة" 2011، "شبابيك تحرس القدس"، 2012، وفي القصة "الزلزال" 2012، وفي الرواية "مقصلة الحالم"، "أفاعي النار"، "سيدات الحواس الخمس" و"دفاتر الورّاق".

إضافة إلى فوزه بالبوكر مرتين، حاز برجس" على جائزة "رفقة دودين" للإبداع السردي، 2014، عن رواية "مقصلة الحالم"، وجائزة "روكس بن زائد العزيزي" للإبداع، 2012، عن مجموعته القصصية "الزلزال"، وسبق أن وصلت روايته "سيدات الحواس الخمس" للقائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية 2019.

وحول رؤيته الإبداعية وفوزه بالجائزة وجديده الأدبي كان لـرصيف22 معه هذا الحوار:

في "دفاتر الورّاق" تأتي للكتابة من القراءة، سعيد مهران في "اللص والكلاب"، أحدب نوتردام... كما تشرح في أحد مقابلاتك. هل هذا ابتداع مصائر جديدة لشخصيات حية في الذاكرة، أم تذكير للقارئ لتثبيت أو نسف فكرته عن "الشخصيات" التي أنشأها كتّابك المفضلون؟

يسعدني أن يفتتح الحوار بما أراه قلب الرواية أو مفتاحها الرئيسي. ففي دفاتر الورّاق أولي اهتماماً بالزمن، وهنا يجب أن أقول "الزمن العربي". مقاربة تلك الشخصيات ليس نسفاً لها، إنما استدعاء بسبب ذلك التقاطع الموجع بينها وبين ابراهيم الورّاق، وليس اعتباطياً أو حمولة زائدة، إنما ركن مهم من أركان الرواية، فإبراهيم كان يلوذ بتلك الشخصيات وهو في كنف عائلته وأمام أزمته النفسية وأمام ما يحدث على صعيد مجتمعه وعالمه، وما كان ذلك إلا لأنه وجد تقاطعاً بين أزمته وأزمات تلك الشخصيات.

كثير من القراء يقرأون بحثاً عن متكئ لهم في الروايات تحديداً، وصوت يرافق أصواتهم المجروحة. وإبراهيم الورّاق في الرواية واحد من هؤلاء. حين خلصتُ إلى هذه الزاوية في الرواية، وددت القول إن الزمن العربي لم يتغير فيه إلا القشرة؛ فأزمة سعيد مهران في "اللص والكلاب" هي أزمة إبراهيم الورّاق مع اختلاف الحيثيات فقط.

جلال برجس: الزمن العربي لم يتغيّر فيه إلا القشرة؛ فأزمة سعيد مهران في "اللصّ والكلاب" هي أزمة إبراهيم الورّاق مع اختلاف الحيثيات  

كيف عالجت عدداً من قضايا المجتمع الأردني، في روايتك "دفاتر الورّاق"؟

كل أزمات شخصيات الرواية نتاج للكارثة الإنسانية التي أنتجها الفساد ونموّ طبقات طفيلية انتهازية، وبالتالي استشرى الفقر، تراجعت الفرصة الإنسانية وغابت العدالة. ربما يستغرب القارئ سوداوية الشخصيات وانعكاسها على بنية الرواية، لكن هل يمكن لعازف أن يؤلف لحناً مبهجاً وهو يقف قبالة طوفان الخسارة؟ بالطبع لا.

قبل أن أكتب "دفاتر الورّاق" كنت أعي أنني أمام تحدٍّ كبير، هو أن أختزل الحياة ما بين عام 1947 و2019 بين دفّتي كتاب، وكنت أدري أني أقدم مقترحاً إنسانياً حيال خطورة تلك المرحلة، مقترحاً لا يقدم حلولاً إنما أسئلة مصيرية.

تغطي الرواية فترة زمنية طويلة، من 1947 حتى 2019، ومكانين هما موسكو وعمّان. حتى كأنما ترغب بمحاكمة "الزمان" و"المكان" لا الشخصيات. هل "عمّانك" هي "قاهرة" نجيب محفوظ وهل زمانك هو زمان ماركيز غير المعرّف؟

أزمة عَمّان في هذه المرحلة هي ذاتها أزمة القاهرة، وأزمة العالم العربي برمّته؛ فنحن ضحايا التبدلات العالمية منذ عام 1990. هنا في هذه الرواية أضع الجاني والمجني عليه في حلبة واحدة: إياد نبيل، العابر لكل المفاهيم الأخلاقية، قبالة السيدة إيميلي. ليلي ضحية المجتمع القبلي قبالة المشرفة الضحية والجانية. إبراهيم الورّاق أمام مروّجي الخوف. إن كان هناك محاكمة في هذه الرواية فهي محاكمة للجميع، للجاني وللضحية اللذين هما المكان والزمان.

اعتمدت على تقنية الأصوات المتعددة وصيغة المخاطبة مع تدخّلات للراوي العليم في الرواية، لماذا؟

كيف لا أفعل ذلك ونحن بأمس الحاجة لديمقراطية حقيقية؟ كيف لو كتبت الرواية بصوت أحادي، وزاوية واحدة خاصة وهي تقارب مجتمعاً مأزوماً. كان لابد أن أترك المجال لشخصيات روايتي أن تعبر عن ذاتها بحرية، وألا أكون ديكتاتوراً يسيطر على النص رغم تدخلات الراوي العليم التي لم تسرق من حرية السرد شيئاً. 

واستخدام لعبة الاحتمالات شكل من أشكال احترام ذائقة قرّائي والانحياز للتأويل، ولترك القارئ يبني روايته خاصة في مرحلة يختلط فيها الوهم بالحقيقة

واستخدام لعبة الاحتمالات شكل من أشكال احترام ذائقة قرّائي والانحياز للتأويل، ولترك القارئ يبني روايته، خاصة في مرحلة يختلط فيها الوهم بالحقيقة. ما عاد نافعاً أن نقدّم للقارئ كل شيء في الرواية على طبق القراءة، بل عليه أن يكون متفاعلاً مع النص لينسحب هذا التفاعل إلى الواقع.

قائمة طويلة من الأمراض النفسية. هل يمكن اعتبار المرض النفسي هو التيمة الرئيسية للعمل؟

إبراهيم الورّاق يعاني من فصام الشخصية، وما كان ذلك لولا الخلل العام الذي يقف أمامه. إنه يشعر منذ الطفولة بأنه يمشي على جسر خشبي هشّ نحو ضفّة أخرى، حاضره مأزوم ومستقبله غامض. لهذا السبب مُني بتلك الحالة الغرائبية على صعيد مرضه وسلوكه المتطرف. قلت من قبل إن إبراهيم الورّاق نموذج ذاتي للعام، فالفصام في هذه الرواية ليس فردياً فقط، إنما عام يشير إلى خطورة المرحلة. ورغم كل ذلك إلا أن الثيمة الرئيسية للرواية هي البيت بتعدد مستوياته.  

يحتار القارئ في أمر الصوت الداخلي المتكلم، هل هو شيطان أم ملاك؟ مرض نفسي أم هذيان مؤقت؟ وأين شخصية البطل الحقيقية؟

الصوت الداخلي القابع في دواخل إبراهيم الورّاق موجود في كل واحد منا، إنه الكلمة التي لم نقلها، والخطوة التي لم نسرها. وكلا الصوتين واحد في الآن نفسه، يخرج واحد كلما علا الآخر. وهنا، في هذه الرواية، يخفت صوت إبراهيم الورّاق رغم ثقافته العالية، يخفت جرّاء خوفه، فيعلو صوته الآخر الرافض والمتمرد. إن ما يحدث بين الصوتين صراع هام تقوم عليه حياتنا، فهنا، ورغم حالة إبراهيم المرضية، لا يمكنني أن أصنّف أيهما الشيطان وأيهما الملاك، لأنهما مكون واحد.

لا تحب مقولة "التناص"، لكنك أيضاً تمتلك ذاكرة مشتركة مع الكاتب والقارئ، وتستخدمها كتقنية كتابة. ما الذي قد يجمع بين شخصيات روايتك وروايات أخرى؟

في هذه الرواية تحديداً كان يجب عليّ أن أستدعي تلك الشخصيات الروائية المعروفة عربياً وعالمياً، الأمر هنا له عدة أسباب: أولهما صرخة عبر الرواية تقول إن الزمن العربي واحد لم يتغير فيه سوى القشرة التي صنعناها، والثاني إيماني بالتفاعل الذي يجب أن يحدث بين الكاتب والقارئ: كلانا يكتب روايته. 

الكثير من المصادفات في روايتك. هل تعمّدت إضفاء الصبغة البوليسية على أسلوب التشويق فيها، والذي لم نعتد عليه في الرواية الأردنيّة؟

فلنتذكر أن الذي يروي هو رجل مصاب بفصام الشخصية، يختلط الوهم عنده بالحقيقة، وبالتالي لا يمكن أن نعد هذا الفصام فصاماً فردياً، بل جميعاً نلمسه في هذه المرحلة التي نعيشها. عناصر التشويق التي رآها البعض صبغة بوليسية كانت من الضرورات السردية التي لها أن تجعل القارئ في حالة تماس مع النص، وتشوّق للمضي في دروبه، لأجل أن تصل الفكرة التي لا يمكن أن تكتمل عند القارئ إلا بعد الانتهاء الكامل من القراءة. 

والسخرية التي كانت واضحة في خطاب الشخصية الفصامية هي سخرية من الخوف، ومن شخصية إبراهيم التي أردتها أن تكون أنموذجاً يجب تجاوزه، إنها إحدى أدوات التثوير مقابل الصمت.

لماذا تحيلنا الرواية على ذوات متشظية غارقة في صراع نفسي مرير، يرتبط بذاكرة مجروحة؟ ثم ماذا عن "سردية الانتحار"؟

لأن هذا هو الواقع الذي خرجت عليه بأدوات المخيلة. هذا هو ما يحدث على صعيد حياتنا منذ زمن. أؤمن بمقاربة الواقع والخروج عليه لكن بأدوات مغايرة، إنها أدوات المخيلة. رغم أن "سردية الانتحار" واقع مؤلم لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه واقع مرفوض، إلا أنها هنا تشير إلى حجم الهزيمة التي مُني بها الورّاق؛ فما الذي سيشعر به الإنسان مقابل موت الأمل وانسداد الأفق؟ إما الذهاب إلى أقصى درجات التطرف أو إلى الخلاص/الهروب من الحياة.

جلال برجس: أزمة عَمان في هذه المرحلة هي ذاتها أزمة القاهرة، وأزمة العالم العربي برمته؛ فنحن ضحايا التبدلات العالمية منذ عام 1990

رواية ما بعد الحداثة باتت شرفة لكل أشكال الفنون والآداب، المدارس النفسية والخيال العلمي. وذهابي إلى كل تلك الجوانب هو ذهاب إلى مقاربة ومعاينة الأزمة من زوايا مختلفة وبأدوات متنوعة، كل ذلك بالطبع يخدم فكرة الرواية والمسعى السردي للرواية.

ناقشت معايير الفضيلة والرذيلة ومعنى الجريمة، فماذا عن تجليات الفلسفة في روايتك؟

الفضيلة والرذيلة أمران نسبيان نجد التعاطي مع مفهومهما بدرجات متفاوتة، ومن زوايا مختلفة، فما نراه من زاويتنا ربما يراه الآخرون من زاوية أخرى. الأمر في هذا السياق مرتبط بمفهوم الأخلاق ومستوياته. في دفاتر الورّاق نجد مستويين لهذا الشأن: واحد لدى إبراهيم المثقف والمنتمي، والثاني لدى الصوت الفصامي الراديكالي العنيف. إبراهيم اختار الصمت أمام كل أشكال التغوّل على إنسانيته، فرفض العنف، والصوت الفصامي اختار العنف، وهنا حدث الصراع قبالة إشكاليات معقدة.  

تقول إن كاتبيك المفضلين ماركيز وغالب هلسا. وتستعير من نجيب محفوظ أيضاً. ما الجامع بين ماركيز، المتخيِّل العظيم، وهلسا، الواقعي والرقيق حد الألم؟

في زمن القرية كان التلقي السردي/الحكائي/ الشفوي يأتيني من جهتين: الأولى من جدتي صاحبة الخبرة الطويلة في التنقل والترحال والمستمعة البارعة، والثاني من مفرزات الذاكرة الجمعية الأردنية، حين تتجلّى في حكايا ليالي الشتاء. هاتان الجهتان منحتاني الفرصة للتماس مع الجانب الخرافي لأي حكاية واقعية، وكيف يمكن أن يبني كل حكّاء مرويته الخاصة، وبالتالي يتطور النص السردي الشفوي.

حين وجدت هذه الأشياء عند ماركيز صرخت مذهولاً: هذه العوالم عشتها. كنت وأنا اقرأ ماركيز وتحديداً "مئة عام من العزلة" أشعر بقربي من واقعيته السحرية. ماركيز منحني التأكيد على السحرية التي عشتها في حكايا زمن القرية، وغالب هلسا، الذي ولد وعاش سنين في قرية "ماعين" التي لا تبعد كثيراً عن قريتي "حنينا"، امتلك أدواته في "تسريد" الواقع بكل براعة، وبأدوات تتقاطع رغم اختلافها مع أدوات ماركيز. ما كتبه هذان الروائيان كان بالنسبة لي تأكيداً على الصورة المتخيلة التي علقت بذهني من زمن القرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard