"غنّوا كما سمعتهنّ يُغنين": عن حقّ الربّات بأن يمتلكن أجساداً

الثلاثاء 29 يونيو 202111:50 ص

يُقال إنه لم يبق أصنام في بلاد الإسلام، ومنذ اشتداد دعوة محمد، حُطّمت الأصنام ولم يبق منها حجر على حجر، حتى قبل ذلك، ومع انتشار المسيحية، هيمنت صورة العذراء على التمثيلات المؤنثة المقدّسة، ونُفيت، مع تأسيس الديانات التوحيدية، خصائص الشهوانية والميوعة الجندرية، ووصمت الربّات والملهمات بالفساد والشيطنة، في حين اشتدت تماثيل الرجال وتمثيلاتهم، حتى الوثنية منها.

ولم يبق لنا سوى صور وحكايات وأوصاف عن تلك الربات والجنيات، كحالة اللات، واحدة من بنات الله الثلاث، التي يُقال إن واحداً من أصنامها في الطائف كان على شكل حجر غرانيتي أبيض، كما تسللت أيضاً إلى ثقافتنا الحالية لعنات وصفات ما زالت إلى الآن ترتبط بتلك الربّات الملعونات، المنفيات من رحمة الرب المذكّر، كتلك التي تلتهم الأطفال الذكور "Succubus"، وغيرها من ذوات العزّة والبطش والغواية.

ضمن السياق السابق، حاولت الحركات النسوية والفنانات خصوصاً، حين التعامل مع تاريخ الفن والتمثيلات الثقافية، أن يُعدن لتلك الربات والجنيات مكانتهن، خصوصاً القادمات من الشرق الأوسط، المدفونات في الكتب والمخطوطات.

ليست كلّ الربات نساء طاهرات، أمهات محتملات وزوجات مطيعات، كما تقترح الصورة التقليدية، هناك طيف واسع تغطيه هذه الكائنات ما زال قيد النبش والبحث، كائنات نحتاجها الآن لإعادة النظر في تاريخ التمثيل الثقافي والفنّي

فتلك الكائنات على اختلاف قدسيتها وخصائصها، يتم التعامل معها ككتلة واحدة، في إهمال لخصائصها الجندرية وميوعة الحدود التي تقترحها، فليست كلّ الربات نساء طاهرات، أمهات محتملات وزوجات مطيعات، كما تقترح الصورة التقليدية، هناك طيف واسع تغطيه هذه الكائنات ما زال قيد النبش والبحث، كائنات نحتاجها الآن لإعادة النظر في تاريخ التمثيل الثقافي والفنّي، وكسر الاحتكار الذكوري، الذي صمّم الهويات الثنائية ودافع عنها، ورفض وحارب، بل وقتل كل من هو مختلف.

تلك الجنيات والربات بانتظار من يجدهن ويحررهن من المنمنمات ويعيد تجسيدهن أمامنا، و هذا بالضبط ما بدأت به الفنانة الإيرانية مورة شين الأحيار، إذ أطلقت منذ عام 2016، وضمن إقامة فنية في الولايات المتحدة، مشروع "هي التي ترى المجهول"، الذي تبحث ضمنه وتؤرشف تاريخ الربات والوحوش والكائنات في الشرق الأوسط، و ترصد تمثيلاتها و أشكالها، لتقوم لاحقاً، بإنجاز نسخ ثلاثية الأبعاد منها.

بعدها، تقوم بطبعها باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد، لنرى أنفسنا في النهاية أمام تماثيل متقنة، للمنفيين/ات والمختلفين/ات، مزيج المذكر والمؤنث وميوعة الحدود الجنسية.

هي محاولة لاستعادة تلك الكائنات من الصفحات ومجازات الحكايات، وإدخالها عالم الملموس، هي تماثيل ذات هالة وهيبة، تختلف في قدسيتها وحكاياتها وأغانيها عن تلك التقليدية، التي ما زالت وصاياها إلى الآن تنفذ بحدّ السيف في بعض الأماكن.

يأجوج ومأجوج: بعيداً عن خراب العالم

يظهر يأجوج ومأجوج في الحكايات القرآنية بوصفهم أقواماً سيلتهمون كل ما على الأرض، لكن، بسبب "رحمة" ربانية، بُني فوقهم جدار من قبل ذي القرنين، وهم أسراه حتى الآن، ويقال إنهم يلعقونه كلّ يوم في سبيل اختراقه، لكن ما إن يناموا وتعود الشمس للظهور، حتى يعود الجدار لسماكته الأصلية.

السؤال الساذج هنا: لم اللعق؟ لم لا يحطمونه بأيديهم وفؤوسهم، ولم حُكم عليهم بأن يبقوا بعيداً عن عالم البشر إلى نهاية العالم، اللحظة التي سيلتهمون فيها كل شيء؟

تتجلى إجابة السؤال حين النظر إلى المنحوتة التي أنجزتها الأحيار، فبين تمثيلات هذه الأقوام، نجد شكلهم في كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"، أشبه بأفاع أو أنصاف تنانين، ذوي رؤوس متعددة وأياد صغيرة، منفيين في جوف الأرض ومعزولين عنا.

الجدار هنا يغير من موقفنا من هؤلاء الأقوام، ولا نتحدث عن جندريتهم، بل تصنيفهم كـ"آخر" لا بد من نفيه وفصله كلياً عن عالمنا، في الفيديو المرافق للمنحوتة، نشاهد البيكسلات وهي تتكون وتتجمع، و كأنها حكايات هذا "الآخر" الذي يحاول تكوين جسده ولحمه، نقاط/ لحم تتسلّل من التكدس وراء الجدار نحو العالم الرقمي، ليكتسب شكله المستحق، ويجسّد اختلافه وصوته، الأهم، ربما تكدّس الرؤوس في جسد واحد، علامة على تعدد الهويات في هذا الآخر، وتعدد أصواته وميوله، فحين نحدق به لا نرى عدواً يهدد وجودنا، بل احتمالاً من احتمالات "الأنا"، لا مرآة تعكس واحداً فقط، بل تعكس "الكثرة" التي هي الأصل.

حمّى: الخلاص برؤوس ثلاثة

مثير للاهتمام أن نعلم أن حمّى ليست فقط كلمة لوصف درجة الحرارة المرتفعة التي تعتري شخصاً ما، وما يترافق معها من هلوسات في بعض الأحيان، إذ نقرأ في كتاب "البلهان" أن حمّى هي جنية مسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الجسد، وتصوّر ككائن ذي نهدين وثلاثة رؤوس وذنب أشبه بأفعى.

ترى الأحيار أن حمّى مسؤولة عن إعادة التوازن إلى العالم، وهي خلاصنا في عالم يلتهمه الاحتباس الحراري، وتقول إن كان إيلون ماسك سيهرب إلى المريخ، فنحن الباقين، خلاصنا في حمّى، تلك القادرة على إعادة التوازن إلى عالمنا المادي. فالحرارة هنا أسلوب لضبط الحياة وتدفقها في الزمن.

 حمّى ليست فقط كلمة لوصف درجة الحرارة المرتفعة التي تعتري شخصاً ما، وما يترافق معها من هلوسات في بعض الأحيان، إذ نقرأ في كتاب "البلهان" أن حمّى هي جنية مسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الجسد، وتصوّر ككائن ذي نهدين وثلاثة رؤوس وذنب أشبه بأفعى

لا نسمع أغاني حمّى وهلوساتها إلا في لحظات ما قبل القضاء عليها بالدواء، هذه والكلمات، محاربة عبر التاريخ، كل ما يُقال حين تكون حمّى حاضرة لا يؤخذ به، وكلنا نعلم كلمات عمر بن الخطاب حين قال إن محمداً بن عبد الله محموم، وكلامه هذر لا يسمع، ربما حاولت حمّى أن تغنّي أو تهمس له بما فيه خلاصنا الكلّي أو تجيب عما ترك مُعلقاً من أسئلة، لكن، لم يسمع تلك الكلمات أحد إلى الآن.

عيشة قنديشة

تعتبر عيشة قنديشة واحدة من أشهر الجنيات، هي المسؤولة عن الأنهار، ويقال إنها حين تريد رجلاً، فهي تخلق شقاً في جسده، لا تتلبسه، بل تفتح جسده إلى الخارج، كي يستقبل الجن والعفاريت، ليكون جسد الرجل المفتوح أشبه ببوابة بين عالمنا وعالم الجن، والحل الوحيد لهذا هو التعاون معها، إذ لا يمكن طردها، بل يجب الإصغاء لها والانفتاح على العالمين، وإلا المصير هو الجنون والأسى.

لعيشة وجهان، شعر طويل، عجز كبير وساقين أشبه بساقي غزال أو عفريت، وهما دائماً مغمورتان بالمياه، أشبه بساقي بلقيس الملكة، ففي إحدى الحكايات الضعيفة يقال إن لها ساقين مشعرتين كتلك التي نراها لدى عيشة.

تعتبر عيشة قنديشة واحدة من أشهر الجنيات، هي المسؤولة عن الأنهار، ويقال إنها حين تريد رجلاً، فهي تخلق شقاً في جسده، لا تتلبسه، بل تفتح جسده إلى الخارج، كي يستقبل الجن والعفاريت

هذا الانفتاح لجسد الرجل يعاكس ذاك المرتبط بالمتخيل التقليدي لانفتاح جسد المرأة، فالجسد المؤنث ما إن يفتح حتى تخرج منه الشرور، فداخله غامض ومجهول، أما جسد الرجل المفتوح في حالة عيشة، فهو مساحة للعبور والاختلاف، الداخل والخارج يتشابهان ويتبادلان الأدوار، وهنا تتبنى الأحيار عيشة بوصفها سبيلاً للنجاة من التجارب السيئة، واكتشاف الرجولة السامة ومحاولة الانعتاق منها، هي تمثيل للقدرة والفاعلية لا للعار والعيب.

مار قهقهة أو الأفعى الضاحكة: التدمير لأجل الولادة

تظهر الأفعى الضاحكة "مار قهقهة" في كتاب "البلهان" كوحش ذي جسد أفعى ورأس امرأة، تحيط بالمدينة وتقتل كل ما فيها من بشر وشجر وحيوان، يمكن النظر إلى مار بوصفها التمثيل الأنثوي للغضب، الذي وإن كان مدمراً فهو يعد بحياة جديدة. المثير للاهتمام أن أحدهم اكتشف طريقة لقتلها، يكفي فقط وضع مرآة أمامها، لتنفجر ضحكاً حتى الموت.

ترى الأحيار أن هذه الأفعى مثال عن المرض العقلي، واختبار تجربة العيش في جسد امرأة في الشرق، وما تتعرّض له من قسوة وتعنيف، أما قهقهتها التي تتفعّل بمجرد النظر في المرآة، فهي وسيلة ثورية لاستعادة الهيمنة على الجسد، وخيار التدمير هنا هو استعادة للسيطرة على الأنا، واتخاذ قرار (إنهاء الحياة) بوصفه شأنا شخصياً خاصاً بجسد المرأة فقط.

اقتران المرأة بالأفعى له جذور قديمة، بل يرى البعض أن الأفعى بالأصل امرأة لُعنت بسبب غواية آدم، فأصبحت أفعى تزحف دوماً على بطنها، لكن كونها تغير جلدها، هي حيوية، متغيرة دوماً، تعبر الزمن وتنجو فيه دوماً، وكأنها تولد من جديد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard