بعد فكّ الحجْر وتراجع الإصابات... بيروت ترقص وتغني برغم الغلاء الفاحش

الثلاثاء 25 مايو 202101:21 م
Read in English:

As Covid-19 Cases Decline... Beirut Parties On Despite Inflation and Chaos

يخرج الناس من منازلهم ليملأوا شوارع بيروت بكل ما حرموا منه منذ أكثر من عامين. في محلة مار مخايل تُخرج الفتاة جسدها من النافذة وتصرخ كمن تحرّر من معتقل. على السيارات يجلس الشبّان ويطلبون من المارّة أن يغنّوا معهم. في الحمراء تعلو الموسيقى في ساعات الفجر الأولى وتملأ شارع مقدسي بينما يسهر الناس على الأرصفة. الحياة تكتظ في نفس المكان الذي شهد الموت والانفجار والانهيار الاقتصادي. والعابر لا يمكنه أن يستوعب ماذا يحدث، تحديداً إذ إن “الحياة الطبيعية” كانت قد اختفت واسترجاعها بدا كأنّه شبه مستحيل.

في حانة زكريا في شارع الحمراء تقول غيدا ع. إنها رأت وجوهاً جديدة شابّة تسيطر على المكان وإن هؤلاء هم الذين عاشوا مرحلة المراهقة في فترة الحجر الصحّي، يخرجون اليوم ويعوّضون عن كل ما حرموا منه من حياة اجتماعية.

ما نشهده اليوم ردّة فعل طبيعية متطرّفة في وجه الوضع المتطرّف والسجن الجسدي الذي خضناه بسبب تفشي وباء كورونا وطبعاً هناك انفجار بيروت

تشرح رين (20 عاماً) العودة إلى الحياة الطبيعة لرصيف22: “بدأ الحجر المنزلي بعد سنتي الدراسية الأخيرة في الثانوية، وبالتالي حتّى اللحظة لم أختبر الحياة الجامعية في الواقع بل من خلال الصفوف الافتراضية. كما أن هذه هي المرّة الأولى التي أخرج فيها وأسهر مع أصدقائي الذين لم اكن قادرة على رؤيتهم قبل أن يأخذ أهلنا اللّقاح ونضمن سلامتهم”.

في شارع الحمراء تتنقّل رين مع أصدقائها من مكان إلى آخر، يحرصون على انتقاء الحانات الأرخص خصوصاً بعد ارتفاع أسعار الكحول، ويتجنّبون تناول الطعام في الخارج، تعلق رين: “لم تكن لدينا فرصة للحصول على وظائف أثناء الحجر، والوظائف الصيفية التي كنا نجمع مصروفنا الخاص منها أغلقت أبوابها، وبالتالي كل المال الذي في جيوبنا هو من ذوينا، ولذلك علينا الالتزام بميزانية. نختار الأماكن الأرخص، وحين تكون جيوبنا ممتلئة نشتري قناني البيرة ونجلس على الدرج أو على حافّة الأرصفة”.

الخروج من السجن النفسي والجسدي

في شارع الجمّيزة يقول خ. م (29 عاماً)، وهو مدير في أحد المطاعم، واصفاً المشهد: “بالنسبة لنا نحن الذين خضنا مرحلة المراهقة ضمن عالم طبيعي، نستغرب المشهد الذين نراه اليوم رغم قدرتنا على فهمه. ما يحدث هو أنه منذ الأسبوع الماضي وبعد الإعلان عن انتهاء الإقفال العام، توجّهت الحشود الشابّة وملأت المطاعم والحانات. هذه الحشود هي عبارة عن جيل جديد لم يختبر بعد كل هذه المشاعر والحرية الجسدية وحُرم من التواصل البشري الضروري لفترة طويلة. كما أنه لم يحظَ بأيّام طبيعية سوى لفترات متقطّعة وقليلة. طوال فترة عملي في مجال السهر لم أر هذا الاندفاع الذي نشهده اليوم. حين تقصد مجموعة من الناس المطعم ولا تجد مكاناً تفترش الشارع وتسهر فيه. ليلة السبت الماضي تجمّعت السيارات وبدأ أصحابها بالتسابق على الرغم من الزحمة. الدكاكين تحوّلت إلى حانات صغير تلبي طلبات الروّاد الذين لم تتسع لهم الأماكن في محلّتي مار مخايل والجمّيزة. ما نشهده اليوم ردّة فعل طبيعية متطرّفة في وجه الوضع المتطرّف والسجن الجسدي الذي خضناه بسبب تفشي وباء كورونا، وطبعاً هناك انفجار بيروت وتأثيراته على تفاصيل حياة الناس”.

تعلّمت قبل حوالى العام أن الحياة تتغلّب على الوباء وعلى الانهيار الاقتصادي وعلى الانفجار

انفجار بيروت وتأثيراته

كانت هدى (27 عاماً) في منزل صديقتها في منطقة الجعيتاوي حين حدث انفجار 4 آب. في ذلك اليوم تقول إن حياتها الاجتماعية تغيّرت، فما قبل الانفجار ليس كما بعده، تقول: “قبل الانفجار كان القلق المرتبط بوباء كورونا يسيطر عليّ إذ التزمت الحجر المنزلي ولم أخرج حتّى حين سمحت القوانين لنا. لكن بعد الانفجار سيطرت الصدمة على واقعي، وصار الموت الذي شهدته ونجوت منه معياراً لحياتي، وكردّة فعل تحوّلت من إنسانة تحب البقاء في المنزل إلى إنسانة لا تريد العودة إليه. منذ العام 2019 ونحن محرومون من الحياة الطبيعية ومن التواصل مع الخارج حسب رغبتنا. ولهذا السبب صرت أبحث عن كل لمحة تشعرني أنني موجودة عبر لقاء الأصدقاء والغرباء، أو عبر احتساء القهوة أو كما أفعل حالياً من خلال الخروج كل ليلة إلى الشارع والاستماع إلى الموسيقى في الحانات مع الناس الذي أحبّهم بعد رفع حظر التجوّل”.

وتختم: “بين كورونا والانفجار والانهيار الاقتصادي، صار العالم الخارجي المهرب الوحيد من الإحباط. ما بدّي اقعد بالبيت وفكّر بكل المصائب الي حلّت علينا”.

 نتأقلم ونجد وسائل جديدة تناسب قدراتنا من أجل إكمال حياتنا، ونبتكر بأسلوب عفوي يوميات جديدة ليست هي نفسها التي كنّا قد اعتدناها، لكنّها كافية

القلق الاقتصادي والسهر في المنزل

يسيطر الإحباط بجزء كبير على الأفراد الذي خسروا وظائفهم وأعمالهم الخاصّة، فبينما تعوّض الفئة العمرية التي لا تحمل أعباءً اقتصادية الحجر المنزلي بالخروج والسهر، تبقى الفئة الأكبر قلقة من الوضع العام، وتحديداً المادي، وعن هذا الأمر تقول رشا. ش (34 عاماً) وهي المعيلة الأساسية في منزلها: “خرجت قبل مدّة مع صديقتي للسهر في بيروت، ومنذ تلك الليلة قرّرت الالتزام بالمنزل، لأن فاتورتنا بلغت 350 ألف ليرة لبنانية رغم أننا لم نبالغ بتناول الطعام أو باحتساء المشروب. وعلى الرغم من أنّني أتلقى نصف راتبي الشهري بعملة الدولار ازدادت فواتير المنزل وتحديداً الطعام مع تدنّي سعر الليرة، وبالتالي باتت قدرتي الشرائية محدودة ضمن منزل يضمّ أربعة أفراد”.

كوسيلة منها للاستمتاع وفي الوقت عينه الحفاظ على وضعها الاقتصادي، قرّرت رشا أن تستمر في سهرات المنزل التي كانت قد لجأت إليها خلال فترة الحجر الصحّي، وبدّلت أنواع الكحول الأجنبية بأخرى محليّة لا يتخطى سعر القنينة الواحدة منها 35 ألف ليرة لبنانية.

وعن عودة الحياة الطبيعة نوعاً ما أو ما يعادلها، تقول: “الطبيعة البشرية تتأقلم، لو أن أحدهم أخبرنا قبل سنوات عن كل ما كان سيحدث لما كنا صدّقنا. المراهقون يعودون إلى الشوارع. كبار السن يأخذون اللقاح ويخرجون من مخابئهم. الأطفال يلعبون مجدداً. وعلى الرغم من الانهيار الاقتصادي الذي يردع بعضنا من الاستمتاع بالحياة خارج المنزل، نتأقلم ونجد وسائل جديدة تناسب قدراتنا من أجل إكمال حياتنا، ونبتكر بأسلوب عفوي يوميات جديدة ليست هي نفسها التي كنّا قد اعتدناها، لكنّها كافية. تعلّمت قبل حوالى العام أن الحياة تتغلّب على الوباء وعلى الانهيار الاقتصادي وعلى الانفجار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard