أكثر من ربع قرن من السّجال الفكري... العقل العربي: مستقيل أم مُقال؟

الاثنين 24 مايو 202101:43 م

"يجب أن تشكّ وتجحد، فمن دون الشك والجحود لا نقد. لكن من دون النقد كيف ننقّح ونهذب؟ إذا توارى النقد لم يبق إلا ‘أوصانا’ وهذا لا يكفي. يجب أن نضع التقريظ والنقد في كفتي الميزان. ومع ذلك فلست أنا الذي اخترع النقد، ولست أنا تيس الخطيئة. يجب أن أنتقد لأن النقد أصل الحياة". (من رواية الإخوة كارامازوف لفيودور دوستويفسكي)

تزخر المدوّنة العربية بالعديد من المصادمات والمبارزات الفكرية، بدءاً من سوق عكاظ والمعلّقات الشعرية وصولاً إلى النقّاد المعاصرين للروايات والدراسات مروراً بالسجالات الفقهية بين الكلاميين: الحنابلة، المعتزلة، والقرآنيين.

في العصر الحديث، وبعد الاستئثار الماركسي بالمدارس الإنسانية طوال عقود، ظهرت، مطلع القرن العشرين، المدرسة السلوكية كردّ فعل أمريكي على العلوم الإنسانية الأوروبية. ومع هبوب رياح الاستقلال في المنطقة، طال تأثير هذه المدرسة العديد من المفكرين العرب الذين انطلقوا محاولين الإجابة عن سؤال النهوض الحضاري عبر نسج البورتريهات ونحت المفاهيم.

في هذا الحقل، أنتج علي الوردي دراسة في طبيعة المجتمع العراقي (1965)، وشيّد جمال حمدان شخصية مصر (1967)، وحتى وقت قريب حاول المنصف ونّاس تفكيك الشخصية التونسية (2009). في هذا السياق، باشر محمد عابد الجابري، عبر توظيف "الإبستمولوجيا" (فلسفة العلوم)، الإعداد لمشروع "نقد العقل العربي" (1982). بالتوازي، وعلى منوال "تهافت التّهافت" لابن رشد، ردّ جورج طرابيشي بمشروع مضاد سخّر له أكثر من ربع قرن من حياته تحت عنوان كبير "نقد نقد العقل العربي".

العقل "الجابري": خلدوني هيغلي؟

في كتابه "تكوين العقل العربي"، يعتبر الجابري أن الفكر العربي هو "أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معيّنة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذات، الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام وتعكس واقعهم أو تعبّر عنه وعن طموحاتهم المستقبلية كما تحمل في باطنها، في ذات الوقت، عن عوائق تقدّمهم وأسباب تخلّفهم الراهن".

يواصل الجابري تصنيف العقول جغرافياً/ حضارياً إلى عقل عربي، يوناني، وأوروبي معتمداً على مدى استيعاب هذه العقول للـ"المعقول" و"اللا-معقول"، لكنه استثنى باقي الشعوب والحضارات. فكتب: "صحيح أنّه كان في كل من مصر، الهند، الصين وبابل وغيرها حضارات عظيمة، وصحيح كذلك أن هذه الحضارات قد مارست العلم: أنتجته وطبّقته. ولكن صحيح أيضاً أن البنية العامة لثقافات هذه البلدان، مهد الحضارات القديمة، هي -حسب معلوماتنا الراهنة -بنية يشكّل السّحر أو ما ينحو نحوه، وليس العلم، العنصر الأساسي الفاعل فيها. إن الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة هي وحدها التي أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريّات في العلم. إنها وحدها -في حدود ما نعلم- التي مارست ليس فقط التفكير بالعقل بل أيضاً التفكير في العقل".

في هذا المستوى، تطفو أسئلة كثيرة: هل يعلم الجابري الأحاديث النبويّة عن الرقية الشرعية وعن العين التي تُدخل الجمل القدر والرجل القبر؟ هل اطّلع على سورة البقرة وقصة هاروت وماروت والسحر الذي يفرّق بين المرء وزوجه؟ حسناً، هل سمع عن كونفوشيوس، "نبيّ" الصينيين وعن نظريّاته السياسية والإدارية؟

أثار طرابيشي هذه التساؤلات في كتابه "نظرية العقل" وأسهب فقال: "والشاهد نستقيه على كل حال لا من مرجع ثانوي أو عارض، بل ممّن يمكن اعتباره الممثل الأوسع تمثيلاً للعقل الحضاري العربي الإسلامي، أي من صاحب المقدّمة، التي تقوم لهذا العقل مقام ‘الموسوعة’ بالمعنى الحديث للكلمة. ففي الفصل الذي خصصه ابن خلدون لـ"علوم السحر والطلسمات" يقول: واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن".

ولو اعتمدنا قسمة الجابري حول تأثير السحر، ستُنفى عن الثقافة العربية صفة "العقلانية" التي أكسبها إيّاها. كذلك الأمر في ما يخصّ باقي الأمم. يستطرد طرابيشي: "ما دام مفكّرون دينيون من أمثال القديس أغسطينوس والقديس توما الإكويني وبسكال يُدرجون في تاريخ الفلسفة الغربية، في عداد الفلاسفة، فلماذا لا يُدرج في عداد هؤلاء كبار الروحانيين الهنود أمثال شنكرا ورامانوجا؟ وما دام أحد لا يماري في أن أفلوطين فيلسوف، فلماذا يتجاهل فيسلوفاً مثل لاو-تسو، مؤلف كتاب "الطاو والطو"؟ وإذا كان هوبز يحتلّ موقعه في رأس قائمة الفلاسفة السياسيين فبأي حق يستبعد منها كونفشيوس أبو الفلسفة الصينية؟".

نظّر الجابري لثنائية المشرق الروحاني والمغرب العقلاني، وفضلاً عن ذلك، دعا إلى التمييز بين مستويين: المستوى "العالم" الذي يعتمد الخطاب المنظّم المكتوب من طرف "العلماء"، والمستوى "العامي" الذي يعاد إنتاجه بوسائل غير علمية، أي بوسائل العامة "التي تعتمد الحكاية والنقل الشفهي أساساً لها".

هكذا، استثنى الثقافة السائدة أو ما يسمّى بالثقافة الشعبية من "ثقافة العلماء"، مكتفياً بالثقافة المكتوبة أو المدوّنة، وحاصراً الأخيرة ببداية "عصر التدوين"، أي بالقرنين الأول والثاني بعد الهجرة، وأهمل واقع أن القرآن نُقل شفاهةً بين "القرّاء" لنصف قرن تقريباً، وأن الحديث بدأ تدوينه مع البخاري في القرن الثالث هجري.

تزخر المدوّنة العربية بالعديد من المصادمات والمبارزات الفكرية، بدءاً من سوق عكاظ والمعلّقات الشعرية وصولاً إلى النقّاد المعاصرين للروايات والدراسات مروراً بالسجالات الفقهية بين الكلاميين... ولكن ما دار بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي شيء آخر

في هذا الصدد، كتب طرابيشي في كتابه "إشكاليّات العقل العربي": "كان علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت خزائن العلم لهم، فنحن هنا لسنا أمام صورة مطابقة للواقع التاريخي بقدر ما نحن أمام حاجة إيديولوجية إلى بناء واقع تاريخي كهذا". وبهذا، رأى طرابيشي أن الجابري عمد إلى "التوظيف المركزي الإثني لنظرية العقل" وهو ما اعتبره انحرافاً إيديولوجياً عن البحث الإبستيمولوجي الذي اعتمده في البداية.

بالرغم من التوجه اليساري للجابري (قومي اشتراكي)، إلا أنّه تبنّى أطروحة ابن خلدون اليمينية: الدولة. والنتيجة هي غلبة السياسي الخلدوني الهيغلي على حساب المفكّر الناقد. كما حاول، كفاعل سياسي يرزح تحت ضغط الجماهير، التأسيس لفكرة قومية عربية متصالحة مع تاريخها ومحيطها الإسلامي العربي. لهذا نراه مثلاً يتحفظ في كلامه على عبارة "الموروث الإسلامي" ويكتفي بكلمة "الموروث" أثناء ظهوره الإعلامي.

"العقل العربي": المشروع والمشروع المضاد

يرتبط مفهوم العقل المستقيل بالجابري ومشروعه. هي محاولة جريئة من بين محاولات أخرى سابقة في البحث في أسباب تراجع الحضور العربي الإسلامي في المحفل الإنساني وحالة الخمول والجمود المستمرّة منذ قرون مضت.

لكن مرة أخرى يخطئ الجابري التصويب. إذ عمد في مرحلة أولى إلى ربط أسباب هذه الاستقالة بأسباب خارجيّة كتركة ما قبل الإسلام: التيّارات الغنوصية، العرفانية، والهرمسية. ثمّ في مرحلة ثانية، انتصر إلى عصر التدوين وروّاد تسنين العقيدة القومية، والعبارة لطرابيشي، من أمثال ابن حزم وابن تومرت وابن تيميّة.

ولمّا كان الأخير، أي ابن تيميّة، قد حرّم الكيمياء وأفتى بأنّ "الكيمياء أشدّ تحريماً من الرّبا" (كتاب مجموع الفتاوي)، فلا عجب فيما مضى إليه الجابري الّذي يعتبر أن "أبرز سمات الفكر الهرمسي هو أنّه فكر لم يعد فيه الفصل بين الدين والعلم كما كان قائماً من قبل... دمج العلم في الدين والدين في العلم علامة من العلامات البارزة التي يكشف فيها ‘العقل المستقيل’ عن نفسه وهويّته"، ويقول إن جوانب كثيرة من الموروث القديم "انتقلت واندمجت في الثقافة العربية الإسلامية" مشكّلةً بذلك "اللّامعقول العقلي" في الثقافة العربية، أو ما يدعوه أيضاً بـ"العقل المستقيل".

قطع مشروعا محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي معاً شوطاً هاماً في التقدّم بالمنهج النقدي نحو مرحلة جديدة في تفكيك أسباب "التراجع" العربي، بعيداً عن عقليّة "الآخر هو الجحيم"

هل ورّط الجابري "عقل"ـه العربي من حيث أراد تبرئته؟ هل ناقض نفسه بنفسه؟ يرد طرابيشي على اتهام العرفانيّة وأخواتها بإقالة العقل وإنهاء العقلانية الأفلاطونية اليونانية: "انعكاس لمخطّط ذهني مسبق يريد أن يتعامى عن رؤية دور المسيحية كإيديولوجيا صاعدة ثم سائدة في ظاهرة استقالة العقل، أو إقالته... هكذا آل الأمر بالفكر اليوناني في ختام مغامرته المعجزة إلى أن يقدّم مشهداً كئيباً لمقتلة العقل، وبعبارة مقتضبة واحدة: أخلى العقل مكانه للوحي... فالمسكوت عنه عنده هو دور المسيحية نفسها في تقويض قلعة العقلانية اليونانية، وفي إجبارها العقل على الاستقالة، أو بتعبير أدق إقالته..." (العقل المستقيل في الإسلام).

وبهذا، يحمّل طرابيشي الثقافات العرفانية الشرقية، بمختلف ألوانها، مسؤولية نسبية عن أفول العقلانية وظهور الأفلاطونية المحدثة، ويشير إلى دور "الوحي" الذي أتى مع المسيحية في إقالة العقل اليوناني.

في الجزء الثاني من طرح الجابري حول أسباب استقالة العقل/ إقالته، وبعد ذهابه إلى دور الموروث القديم، ينتقل إلى التدليل على حضور هذا الموروث، فيما يشبه حصان طروادة، في الفكر العربي الإسلامي. يقول: "الأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ ذلك الموروث القديم قد دخل كجزء لا يتجزّأ في الثقافة العربية الإسلامية التي تشكّل أهم عنصر في الشخصية العربية منذ أن أخذت تعي ذاتها في عصر التدوين ذاته".

وبينما يستنكر الجابري المركزية الأوروبية وسطوها على تاريخ الفلسفة، يعمد هو الآخر إلى إنكار الفعل التراكمي للتراث الحضاري الإنساني في دعوته النبيلة لإعادة كتابة التاريخ العربي ومصالحة الحاضر مع الماضي. لكن الطريق نحو "الدغمائية" (اليقينية) مليء بالنوايا الطيبة، الخلدونية أساساً (ذات الطابع السياسي).

ينسب الجابري نفسه إلى المدرسة الرشدية (ابن رشد). لكن وكما ردّ ابن رشد تهافت الغزالي بتهافت التهافت، ردّ طرابيشي على نقد الجابري بنقد النقد، متهماص إياه بتبني "مركزية لا واعية مقابلة تريد بدورها أن تنكر دور الذات في أفول العقلانية العربية الإسلامية لتعلّق على مشجب الآخر ‘عصر الانحطاط’... وعلى هذا النحو أيضاً تُعطى براءة الذمة للعقل العربي الإسلامي. فتآكله لم يتم من الداخل ومن جرّاء تطور عضوي سالب، بل من الخارج، وجرّاء غزو اجتياحي من قبل اللامعقول المشرقي المصدر" (العقل المستقيل في الإسلام).

ثم يتساءل طرابيشي: "تُرى أنكون من المغالين إذا قلنا، بعد جميع الأغاليط والمغالطات الآخذ بعضها برقاب بعض كالسلسلة، إن الإبستيمولوجيا الجغرافيّة للجابري (يعني تغريب العقل وتشريع اللا عقل) لا تضطلع بدورها كمنهج للتفسير إلّا بقدر ما تحلّ المصادرة محلّ البرهان، والفرض الذهني محل الواقع العيني، وإلّا بقدر انقلاب أدلة الإثبات إلى أدلة نفي وبالعكس، وتحرّي محاكماتها، لا بالاستناد إلى الوقائع والنصوص، بل قفزاً فوق الوقائع والنصوص، وتلفيقاً لها وتزييفاً عند الاقتضاء؟".

على امتداد صفحات نصّه الطويل، يكرّر طرابيشي ملاحظته حول عدم كشف الجابري عن مصادره كاجتراره ما جاء في كتاب أحمد أمين "ضحى الإسلام"، وحتى أعمال المعاصرين كطه عبد الرحمن وفهمي جدعان، و"تلاعبه" بأقوال ابن النّديم وإيشع القطيعي، فضلاً عن "الرتوشات" التي أضافها على أفكار السابقين في إطار محاولته إعادة صناعة الوعي وتوجيهه.

ربما عمل الجابري بنصيحة فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي جيل دولوز: "أعتقد أنّه من غير المجدي لمفكّر ما أن يعلن عمّا أخذه وما وجده عند كتّاب آخرين، بما أنّه لا يجد عند هؤلاء إلّا ما وضعه هو نفسه في نصوصهم". يتقاطع هذا الرأي مع التوجّه الشيوعي المضاد لحقوق الملكية والاحتكار الرأسمالي للمعرفة. لكن يصحّ هذا لو لم يستند الجابري في مشروعه إلى استدلالات وإحالات ذكرها في مراجع فصوله. أما وقد فعل، فهذا كان طرف الخيط الذي أمسك به غريمه حيث بدأ بمراجعتها ومن هنا كانت انطلاقة المبارزة التي دامت لأكثر من ربع قرن ووصفها طرابيشي بـ"حوار بلا حوار".

ما جرى في هذه الملحمة الجابريّة-الطرايبشيّة يمكن وصفه بقول المليونير الأميركي وارن بافيت: "إذا تبعك شرطيّ لمسافة 500 ميل، ستتحصّل على مخالفة". فماذا إن كان هذا الشرطي مفكّراً موسوعياً كطرابيشي؟

على قدر ما أثاره هذا سجال المفكريْن من ضجيج في الأوساط الأكاديمية ولا يزال، أحيا الاثنان ثقافة حوار الأفكار والأطروحات. ولئن اكتفى الجابري واختزل استقالة العقل في العامل الخارجي، إلا أن له الفضل في فتح مبحث مهم للنّهوض العربي، أي إشكاليّات العقل والتفكير، وما يعنيه ذلك من نقد عميق في علم معرفة المعرفة.

ونتج عن ذلك أيضاً غوص طرابيشي هو الآخر في الأسباب الداخلية لتعطّل "ميكانيزمات" العقل العربي التي ظهرت في قراءة نقديّة منفصلة عن سلسلة نقد النقد بعنوان "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث (2010)".

قطع المشروعان معاً شوطاً هاماً في التقدّم بالمنهج النقدي نحو مرحلة جديدة في تفكيك أسباب "التراجع" بعيداً عن عقليّة "الآخر هو الجحيم" كما قال سارتر، على أمل أن تواصل أعمال مشابهة مشوار النهوض الموعود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard