من التجوّل كالزومبي إلى التبوّل في الخزانة... سلوكيات غريبة قد تحدث أثناء النوم

الجمعة 30 أبريل 202106:15 م

لطالما كان الناس مفتونين بقصص الأفراد الذين يتجولون أثناء الليل بعيون مغمضة وبأذرع ممدودة "كالزومبي"، ويقومون من دون وعي بالأنشطة الروتينية، مثل ارتداء الملابس أو تناول الطعام، ناهيك عن بعض التصرفات الغريبة، مثل نقل الأثاث، التبوّل في الخزانة أو ممارسة الجنس، هذا وقد يذهب البعض لحدّ الخروج من المنزل وتشغيل محرّك السيارة، وكل ذلك وهو في حالة نوم عميق.

واللافت أنه عندما يستيقظ الشخص المعني من سباته، فإنه لا يتذكر على الإطلاق ما قام به خلال فترة النوم.

نظريات مختلفة

شغلت ظاهرة المشي أثناء النوم حيرة العديد من الأطباء والباحثين عبر التاريخ.

فقد كان العلماء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر يعتقدون أن السير النومي (somnambulism) هو علامة على انفصال الروح عن الجسد، وفي القرن الرابع عشر، منح البابا كليمنت الخامس مخرجاً قضائياً للأشخاص الذين يسيرون أثناء النوم، بحيث تمّ إعفاؤهم من المسؤولية الأخلاقية عن الأفعال التي قد يرتكبونها عند المشي أثناء النوم.

لطالما كان الناس مفتونين بقصص الأفراد الذين يتجولون أثناء الليل بعيون مغمضة وبأذرع ممدودة "كالزومبي"، ويقومون من دون وعي بالأنشطة الروتينية، مثل ارتداء الملابس أو تناول الطعام، ناهيك عن بعض التصرفات الغريبة، مثل نقل الأثاث، التبوّل في الخزانة أو ممارسة الجنس

وفي أوائل العصر الحديث، اعتقد الناس أن المشي أثناء النوم كان مظهراً من مظاهر الاختلال العقلي، كما ظهر في شخصية "السيدة ماكبث" لشكسبير، والتي كانت تعاني من نوبات مشي أثناء النوم، فتجول خلالها في القلعة وهي تتذكر صوراً مروعة من ماضيها، وتكون مرعوبة من مشهد يديها الملطختين بالدماء.

وفي رواية "دراكولا" الشهيرة (1897) يتحدث الكاتب برام ستوكر عن الفتاة الشقراء لوسي، والتي تعاني من السير النومي، الأمر الذي جعلها تقع ضحية مصاص الدماء دراكولا.

بمعزل عن الروايات والأفلام، حاول بعض علماء النفس درس وتحليل هذه الظاهرة، ففي العام 1907، تحدث فرويد عن ظاهرة السير أثناء النوم إلى جمعية التحليل النفسي في فيينا، وكان يعتقد أن المشي أثناء النوم مرتبط بتحقيق الرغبات الجنسية، معرباً عن اندهاشه من قدرة الشخص على تحريك جسده من دون مقاطعة حلمه.

واعتبر فرويد أن جوهر هذا الاضطراب السلوكي يعود إلى رغبة الشخص المعني بالذهاب للنوم في المكان الذي كان يعيش فيه في فترة الطفولة.

أما في الخمسينيات من القرن الماضي، فقد زعم العلماء أن الأشخاص الذين يسيرون أثناء النوم لا يعانون من أي اضطراب نفسي بل هم ببساطة يمثلون أحلامهم، إلا أنه تم دحض هذه النظرية مع اكتشاف نوم حركة العين السريعة REM، حيث يكون الدماغ أكثر نشاطاً وتكون الأحلام أكثر كثافة، وبالتالي وجد الباحثون أن المشي أثناء النوم لا يتزامن أبداً مع هذه المرحلة من دورة النوم.

ظاهرة شائعة

يندرج المشي خلال النوم في خانة "الباراسومنيا"، أي الأشياء غير الطبيعية التي قد تحدث للناس أثناء نومهم، وهو واحد من السلوكيات التي يمكن أن تحدث أثناء النوم العميق، والمعروفة باسم "حركة العين غير السريعة" أو non-REM.

واللافت أن هذه الظاهرة، التي تحدث غالباً في غضون ساعة أو ساعتين بعد النوم، شائعة نسبياً، حيث يقدر أن 7% من الأشخاص يمشون أثناء النوم في وقت ما خلال حياتهم، وعندما يستيقظون يتعذر عليهم تذكر ما حدث معهم تماماً.

هذا ويبدو أن المشي أثناء النوم هو من السلوكيات الشائعة جداً عند الأطفال، وتحديداً لدى أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات.

وفي العادة يتم التخلص من السير النومي قبل سنوات المراهقة، لكن هذه الظاهرة يمكن أن تحدث للبالغين/ات أيضاً، بحيث يمشون أثناء النوم بخطوات ثقيلة، ويقومون بحركات بسيطة أو معقدة من دون أن يستجيبوا لما يدور حولهم.

وقد تستمر هذه الحالة من ثوان معدودة إلى حوالي نصف ساعة، وبعدها يمكن أن يعود الشخص إلى السرير من تلقاء نفسه، أو يستيقظ ويجد نفسه في مكان غريب، دون أن يمتلك أي فكرة عمّا قام به أثناء النوم.

أسباب متعددة

تنشأ اضطرابات النوم مثل السير النومي عندما تكون الأنظمة الفيزيولوجية الطبيعية نشطة في أوقات غير مناسبة.

وفي حين أنه لم يعرف بعد ما هي الأسباب الرئيسية الكامنة وراء ظاهرة المشي أثناء النوم، إلا أنه من المرجّح أن يحدث ذلك عندما تكون بعض أجزاء الدماغ، خاصة الجهاز الحوفي (المسؤول عن العواطف) والقشرة الحركية (المسؤولة عن الحركات الحركية المعقدة) مستيقظة، بينما يكون باقي الدماغ نائماً.

يبدو أن حالات السير خلال النوم مرتبطة بالعوامل الجينية والوراثية، بحيث من المحتمل أن يكون الشخص أكثر عرضة للسير أثناء النوم إذا كان أحد أفراد أسرته يعاني من المشي أثناء النوم أو من نوبات الذعر الليلي، والتي يمكن أن تستمر لمدة 10 إلى 20 دقيقة، ويعود بعدها الشخص إلى النوم العميق.

من جهة أخرى، يعتقد العلماء أن هناك علاقة بين المشي أثناء النوم وحمض غاما أمينوبيوتريك GABA، الذي يعمل كناقل عصبي في الجهاز العصبي المركزي، فيخنق نشاط الجهاز الحركي في الدماغ ويتيح النوم الطبيعي عبر تنظيم حركة العضلات أثناء النوم.

via GIPHY

بالإضافة إلى ذلك، يشير العلماء إلى وجود بعض العوامل التي تزيد من احتمال المشي النومي، كالحمى، انقطاع التنفس أثناء النوم، وبعض الاضطرابات النفسية، مثل الهلع واضطراب ما بعد الصدمة.

أما بالنسبة إلى العنف الذي يختبره البعض عند المشي خلال النوم فقد يكون نتيجة عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية تؤثر على التحكم في الانفعالات.

وفي معرض الحديث عن الأسباب النفسية، يعتقد بعض علماء النوم أيضاً أن الإجهاد الذي قد يختبره المرء أثناء النهار يمكن أن يساهم في المشي أثناء النوم، بخاصة وأن العديد من الأبحاث أكدت أن التوتر والقلق يؤثران بشكل سلبي على جودة النوم.

بمعنى آخر، يمكن أن يؤثر تراكم الضغوطات والمشاكل الأسرية والمهنية على طريقة نوم الفرد، الأمر الذي يزيد من احتمال ظهور أعراض "الباراسومنيا"، وعليه يمكن لتقنيات التكيّف والاسترخاء تقليل التوتر اليومي وتمهيد الطريق للنوم الهادئ في الليل.

هل هناك حاجة لفعل أي شيء؟

لا تعتبر الجمعية الأميركية للطب النفسي أن السير أثناء النوم هو اضطراب، إلا إذا حدث بشكل متكرر وتسبب بتقويض قدرة المرء على العمل أثناء النهار.

صحيح أنه في السنوات الماضية كان البعض يحذر من إيقاظ الشخص الذي يمشي أثناء النوم، على اعتبار أن ذلك من شأنه أن يسبب له نوبة قلبية أو ضرراً في الدماغ، إلا أنه لم يتم تأكيد هذه الفرضية، ومع ذلك يجب التنويه إلى أن محاولة إيقاظ الشخص المعني بطريقة مفاجئة قد تؤدي إلى استجابة عنيفة وغير مقصودة أو تشويشه، وعليه من المهم التعامل معه بلطف وإرشاده إلى الفراش بغية السماح له بقضاء ليلة مريحة.

كان العلماء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر يعتقدون أن السير النومي (somnambulism) هو علامة على انفصال الروح عن الجسد، وفي أوائل العصر الحديث، اعتقد الناس أن المشي أثناء النوم كان مظهراً من مظاهر الاختلال العقلي

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض الأشياء التي يمكن القيام بها للمساعدة في تقليل مخاطر الإصابة جرّاء المشي أثناء النوم، ولعلّ أهمها خلق بيئة آمنة عن طريق الاحتفاظ بالأثاث في نفس المكان وعدم ترك الأشياء مبعثرة على الأرض لتقليل خطر التعثر، كما يمكن أن تساعد الحواجز على الباب الرئيسي في منع الأفراد من الخروج من المنزل أثناء النوم.

via GIPHY

هذا ويمكن تغيير بعض العادات الروتيني التي من شأنها إحداث فرق كبير في مسألة اضطرابات النوم وبخاصة السير أثناء النوم، كالالتزام بجدول نوم معيّن، الابتعاد عن تناول المشروبات التي تحتوي على مادة الكافيين وتوفير بيئة نوم هادئة ومريحة، أما الأهم فيبقى محاولة الابتعاد قدر الإمكان عن مصادر الإجهاد والتوتر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard