أورويل ورحلة البحث عن اللاشمولية

الاثنين 26 أبريل 202102:36 م

حين ينوي المرء قراءة أحد أعمال الكاتب جورج أورويل، وقبل أن يشرع بالقراءة فعلاً، يجد نفسه محاصراً بين معسكرين أيديولوجيين؛ بالإضافة إلى "البروباغندا" التي ترخي بظلالها الثقيلة على عقل القارئ وروحه. فليس على هذا إلا أن يأخذ نفساً عميقاً ويبدأ القراءة. ولعلّ واحدة من أهم الأفكار التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تقييم أعمال أورويل، وبالأخص عمله الأشهر "1984" هي أنه في إطار الحرب الأيديولوجية والسياسية الناشئة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، تم تحريف وتوجيه الأعمال الأدبية التي تتحدث عن المصير الأسود للإنسان عن سياقها الأصلي، وتم تحويل الوظيفة الإنذارية لهذه الأعمال إلى هجاء لنظام بعينه وهو النظام الاشتراكي. وقد وردت هذه الفكرة الهامة على لسان الكاتب ممدوح عدوان في عمله الشهير "حيونة الإنسان".

من الملفت بأن أورويل نفسه كان قد احتج على هذا السلوك بعد إصدار روايته "1984". وفيما يلي ما قاله بخصوص هذه الرواية بالتحديد: "ليست روايتي الجديدة موجهة كهجوم على الاشتراكية أو على حزب العمل البريطاني، الذي أعتبر من مؤيديه. بل هي فضح للانحرافات التي يتعرض لها الاقتصاد المركزي، والتي قد تتحقق جزئياً في الشيوعية والفاشية. ولا أعتقد أن نوع المجتمع الذي أصفه سوف يقوم بالضرورة. ولكنني أعتقد، ربما بالطبع مع قبول أن الكتاب هجاء، بأن شيئاً ما مشابهاً له يمكن أن يقوم. وأعتقد بأن الأفكار الشمولية قد مدت جذورها في عقول المثقفين في كل مكان. ولقد حاولت أن أمدّ هذه الأفكار إلى نتائجها المنطقية. إن المشهد الذي تدور الرواية فيه مرسوم في بريطانيا من أجل التأكيد على أن الشعوب الناطقة بالإنكليزية ليست جوهرياً أفضل من أي شعب آخر، وأن الشمولية، إن لم تقاوم، يمكن أن تنتصر في أي مكان".

تم تحريف وتوجيه الأعمال الأدبية التي تتحدث عن المصير الأسود للإنسان عن سياقها الأصلي، وتم تحويل الوظيفة الإنذارية لهذه الأعمال إلى هجاء لنظام بعينه وهو النظام الاشتراكي.

لا يظننّ أحد بأن الهدف من التقديم السابق هو الدفاع عن أورويل. فهو ليس اشتراكياً، وفي الوقت ذاته هو ليس من أنصار الرأسمالية. ويحمل كلامه وتصريحاته المتفرقة هنا وهناك الهجوم على المعسكرين معاً. وليس من المصادفة أن يكون كلامه السابق "... وأن الشمولية، إن لم تقاوم، يمكن أن تنتصر في أي مكان" هو تعبير عملي عن هذه الحقيقة. بأي معنى نقول ذلك؟

باختصار شديد، تعني الشمولية وجود جهاز دولة مركزي مسيطر على مختلف جوانب الحياة، ويفرض أيديولوجية معينة على البلد المعني. وإن كان هذا النموذج قد وجد تعبيراته التقليدية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، فإنه يجد تعبيراته الحديثة عند الغرب أيضاً. وإذا كان النموذج التقليدي من الشمولية محدوداً بحدود البلدان المعنية، فإن النموذج الشمولي الغربي الحديث كسر حدود البلدان وطال تأثيره العالم أجمع. ولم تكن شعاراته الديمقراطية سوى شعارات برّاقة متضمنة لعمليات شديدة المركزة طالت جميع جوانب الحياة. يجد هذا الكلام تعبيراته العملية عبر المركزية العالية القائمة منذ عقود على المستوى الاقتصادي العالمي عبر مؤسسات كصندوقي البنك والنقد الدوليين وغيرها من المؤسسات الأخرى التي وصلت بها الحالة إلى تلك الدرجة التي تفرض عندها برامج اقتصادية معينة على بلدان تبعد عنها مئات آلاف الكيلومترات.

يمكن أن نضيف إلى ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعدّ تعبيراً عملياً ومباشراً عن هذه المركزية أيضاً، فهي مِلك لجهات دولية محدد، تتحكم بأدق معطياتها، وتملك حق الحذف والحظر والمحاسبة وكذلك إلغاء الحسابات والجهة الناشرة من أساسها في حال تطلب الأمر ذلك. وحسب الباحث في مجال التأثير بالوعي الاجتماعي "سيرغي قره مورزا"، يُعتبر النموذج الغربي نموذجاً شديد المركزية، وأداته في تحقيق هذه المركزية هي "الميديا". ويعتبر القائمون على هذه الأداة بكل أشكالها (تلفزيون- إذاعة- مواقع التواصل الاجتماعي) هم المتحكمون بالرأي العام والوعي الاجتماعي. ولا يخفى على أحد محاولة الغرب فرض أيديولوجيته "العلمانية" على شعوب العالم عبر هذه الأداة بالتحديد.   

وفق ما تقدّم، يمكن القول إن النموذج الغربي هو "نموذج شمولي مطوّر"، وإن الهجوم على الشمولية كنموذج في بناء الدولة لا يشكّل هجوماً أحادياً على الاشتراكية وحدها كما يجري التداول، بل هو، في عمقه، هجوم على المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وعند هذا الحد تظهر مشكلة أورويل- ليست مشكلته وحده- وهي في هجومه على الشمولية. أين المشكلة في ذلك؟

المشكلة الجوهرية هي في كون الهجوم على الشمولية هجوماً على مركزية جهاز الدولة. تلك المركزية الضرورية لعملية التنظيم الاجتماعي والوطني، والتي لا يمكن الاستغناء عنها بشكل مطلق ونهائي كما تُظهر الحياة، إنما بشكل نسبي يجمع جدلياً بين المركزي واللامركزي في الإدارة، عبر صيغة تلائم ظرف البلد المعني وتضمن استقراره ووحدته. وبالطبع، فإن دور كهذا لجهاز الدولة يجد أكثر تعبيراته جودةً عندما يُدار من قبل الطبقة المنتجة والفاعلة، وهنا مربط الفرس. إذ أنه لا مشكلة بوجود جهاز دولة مركزي بل القضية هي بمن يدير هذا الجهاز.

يعتبر النموذج الغربي نموذجاً شديد المركزية، وأداته في تحقيق هذه المركزية هي "الميديا"

وبهذا المعنى، تتجلى رواية "1984" بوصفها محطة على طريق رحلة البحث عن اللاشمولية، تلك الرحلة التنقيبية التي بدأت منذ زمن بعيد والتي لم تكتشف لنا أي نظام لا شمولي حتى حينه. من المؤسف أن النقاش حول أورويل ما زال يأخذ في أكثر الأحيان شكلاً متكرراً يجادل عبره الطرف الأول أن أورويل يهاجم المعسكر الاشتراكي، ليأتي الرد من الطرف المقابل بالدفاع عن الاشتراكي وشتيمة الرأسمالي. ورغم أن الشكل السابق من النقاش هو نتيجة موضوعية مباشرة لـ"البروباغندا الإعلامية والأيديولوجية المبرمجة باتجاه واحد ومحدد، إلا أننا نؤكد أن هذه النقاشات هي في الحقيقة نقاشات لا طائل منها، وليست ضرورية في زمن اليوم، لأنه لا يوجد عاقل واحد يقول بأن الاشتراكية التي طبقت في القرن الماضي لا تحتوي أخطاء. وحول الرأسمالية لكم هذه: هي لا تحتوي أية أخطاء إطلاقاً! بل "كلها على بعضها" خطأ، ووصولها لهذا الأفق المسدود التي أصبحت مؤشراته وتفاصيله واضحة ومتاحة للجميع هو أكبر دليل على ذلك.

على أية حال، تبقى القراءة وحي القارئ، وملاذه الوحيد المتوفر دوماً، والذي لا سبيل غيره لتعرية تلك "البروباغندات" الإعلامية الكبيرة، وإزاحة دخانها الكثيف، ورؤية الأمور على طبيعتها وبمشكلاتها الحقيقية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard