بعد خداع واستدراج… الموساد يرهب صحافياً فلسطينياً داخل جهاز أمني إسباني

السبت 10 أبريل 202104:55 م

شكا صحافي فلسطيني طالب للجوء في إسبانيا تعرضه لاستجواب غير قانوني وتهديد من قبل أحد عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي داخل مقر أحد أهم الأجهزة الأمنية في إسبانيا.

وفق ما نشرته صحيفة "بوبليكو" الإسبانية، في 9 نيسان/ أبريل، فإن المراسل والمصور الفلسطيني في"التلفزيون العربي"، معاذ حامد، تعرض في شباط/ فبراير الماضي إلى "تحايل واستدراج" إلى أحد مقار الحرس المدنيّ - أكبر هيئة للأمن العام على المستوى الوطنيّ في إسبانيا- في العاصمة مدريد، قبل السماح لعميل من الموساد باستجوابه في غرفة مغلقة.

 ويعيش حامد مع زوجته وطفليه في بلدة ليموا بإقليم الباسك (شمال إسبانيا)، منذ أن فر من اضطهاد الحكومة الإسرائيلية التي اعتقلته وأوقفته إدارياً عدة مرّات. 

 وصرح معاذ للصحيفة الإسبانية أن شعور الأمان الذي كان يتمتع به منذ وصوله إلى إسبانيا تبدد في 11 شباط/ فبراير الماضي، حين وضعه "الحرس المدني" تحت تصرف أحد عملاء الموساد - الجهاز الاستخباراتي الإسرائيلي السيىء السمعة- في غرفة معزولة داخل أحد مقارّه الرئيسية حيث أُخضع لاستجواب سري وتعرض للتهديد.

"فضيحة كبيرة سيكون لها تداعيات واسعة"... صحافي فلسطيني يشكو استدراجه من قبل جهاز أمني مرموق في إسبانيا، وإرغامه على الخضوع لتحقيق سري قاده عميل من الموساد.

استدراج وتحايل

بدأت فصول القصة الأولى قبل شهرين من واقعة الاستدراج، بالتحديد في 9 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حين تلقى حامد اتصالاً أول من "نيكولاس"، وكيل خدمات معلومات الحرس المدني بإقليم الباسك، الذي أراد "الدردشة" معه عن عمله كصحافي وماضيه وحياته في إسبانيا.

ولأن هذا إجراء شائع من قبل خدمات المعلومات الإسبانية مع اللاجئين والمهاجرين الساعين إلى التمتع باللجوء، لم يرتَب حامد. قال للصحيفة: "أدركت أنه كان يقوم بعمله وليس لدي ما أخفيه، لذلك أبلغته موافقتي".

حتى حين استقبله العميل نيكولاس بأحد المقار الأمنية في مقاطعة بسكاي القريبة، لم يشعر الصحافي الفلسطيني بأي أمر غير طبيعي. هناك، التقى عميلاً آخر، خافيير، وأجاب عن أسئلتهما وشرح أسباب تقدمه بطلب للجوء في إسبانيا، وطريقة خروجه من فلسطين وما إلى ذلك. علماً أن فيلق الشرطة الوطنية سبق أن طرح عليه غالبية هذه الأسئلة لدى تقديمه طلب اللجوء - المعلق حتى الآن- في نيسان/ أبريل عام 2019.

لاحقاً، تواصل نيكولاس مع حامد مطالباً إياه بلقاء ثانٍ، لكن هذه المرة في العاصمة. رفض معاذ بلطف لبعد المسافة وانشغاله في العمل. بعد أيام، تلقى مكالمة أخرى من خافيير الذي طلب بلطف أن يلتقيا في 11 شباط/ فبراير. ذهب معاذ منتهزاً فرصة تغطيته بعض الأحداث بمدريد لـ"التلفزيون العربي".

كان اللقاء مقرراً في أحد أبرز مقار الحرس المدني. لكن معاذ شعر بالقلق إزاء بعض التفاصيل غير المعتادة. مثلاً، استقبله رجل في زي رسمي وأدخله المبنى دون أن يرى هويته، أو يسجل دخوله، أو حتى المرور بأي تفتيش أمني، كما هو متبع. رافقه هذا الموظف إلى الطابق الثالث، حيث كان خافيير، وشخص آخر قدّم نفسه على أنه "عمر"، بالانتظار.

 القلق بات شريكاً للصحافي الفلسطيني وزوجته خوفاً من رفض طلبهم اللجوء في إسبانيا، ومخاوف على سلامتهما في حال ترحيلهما قسرياً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لما اعتادوه من انتهاكات متكررة على يد الجيش الإسرائيلي

عميل إسرائيلي

وفق رواية حامد للصحيفة الإسبانية، كانت الغرفة مظلمة والنافذة الوحيدة فيها مغلقة. بعد التأكد من أن معاذ لا يسجل المقابلة عبر هاتفه المحمول، قيل له إن "عمر" فلسطيني الأصل ويعمل لصالح المخابرات البلجيكية. لكن حامد سرعان ما أدرك أن تلك كذبة حين لاحظ اللهجة الإسرائيلية القوية لـ"عمر". 

تعمّد حامد الإجابة بالعبرية، وهذا ما أدهش عمر وخافيير، ثم طلب الصحافي الفلسطيني منهما إبراز بطاقات الهوية الخاصة بهما، لكنهما رفضا. أدرك حامد حينذاك أن هذا الـ"عمر" إسرائيلي.

 بشكل مفاجئ، غادر خافيير الغرفة وترك الصحافي الفلسطيني في يد "عمر" صاحب اللهجة الإسرائيلية.

 شعر حامد بالخوف الشديد حينذاك وتذكر مصير الصحافي السعودي جمال خاشقجي الذي قُطعت أوصاله في القنصلية السعودية في إسطنبول، ولا يزال قتَلَته الحقيقيون بلا عقاب.

 انتهز ما يظن الصحافي الفلسطيني أنه عميل إسرائيلي الفرصة، وتمادى في الضغط على حامد، موجّهًا إليه اتهامات غير مباشرة ملمحًا إلى أنه مطلع على اتصالاته وتحركاته منذ فترة طويلة. من الاتهامات التي وجهها إليه: التورط في تمويل الجماعات الإسلامية المرتبطة بالمقاومة الفلسطينية والمصنفة "إرهابية".

أوضح حامد أيضاً أن العميل الإسرائيلي لفت إلى تعثره اقتصادياً واستفسر عن مصادره في تركيا، بمن فيهم زاهر جبارين، أحد قادة حركة حماس المطلوب في عدة أوامر اعتقال دولية. يقول حامد إنه طالما اشتبه في أنه يتم التنصت عليه عبر هاتفه، وقد تأكد من ذلك في ذاك اليوم.

بحسب رواية معاذ حامد، ركز العميل الإسرائيلي على تقرير لحامد، يكشف فيه النقاب عن نظام الشركات الوهمية في أوروبا الشرقية التي يوظفها الموساد لتجنيد ودفع رواتب مخبريه هناك. قال حامد إن "عمر" كشف الاسم الحقيقي لمصدر التقرير الرئيسي وأبلغه به.

كان رد حامد على كل هذه الادعاءات هو النفي.

ورفضت السفارة الإسرائيلية في إسبانيا الرد على الصحيفة الإسبانية. وكذلك فعل العميلان نيكولاس وخافيير اللذان ذكرهما معاذ حامد. كما لم يرد الحرس المدني على أي سؤال للصحيفة حول مزاعم الصحافي الفلسطيني. وامتنعت وزارة الداخلية الإسبانية عن الرد. وقالت السفارة البلجيكية في إسبانيا إنها تعلم بشأن عميل واحد على الأقل للموساد يتظاهر بأنه تابع للمخابرات البلجيكية في إسبانيا.

فقدان الأمان

قبل وصوله إسبانيا، تعرض حامد 10 مرات للاعتقال الإداري في السجون الإسرائيلية، علاوة على مرتين في سجون السلطة الفلسطينية. وبين عامي 2004 و2014، أدرجته إسرائيل في القائمة السوداء للممنوعين من السفر إلى الخارج. وتمكن من مغادرة فلسطين بعد معركة قضائية طويلة.

حامد، الذي تعرض لإطلاق النار خمس مرات أثناء تغطيته الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، انتقل إلى إسبانيا بعد خمس سنوات قضاها في إسطنبول، كي يتخلص من العداء المتزايد تجاه اللاجئين في تركيا.

وفيما أوضح أن استجوابه انتهى بعد قرابة الساعتين، مع إشارة/تهديد من العميل الإسرائيلي المزعوم بلقاء آخر بينهما، أكد أنه وزوجته يعانيان صعوبة في النوم حالياً.

لدى الزوجين قلق خاص من رفض طلب لجوء الأسرة في إسبانيا، وقلق حيال سلامتهما، خاصةً وسط تخوفهما من ترحيل قسري إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يرجح تكرار الاعتداءات من الجيش الإسرائيلي على منزلهما وعلى أقاربهما وعليهما.

واستنكرت الصحيفة الإسبانية في ختام تقريرها عدم تحمل إسبانيا "مسؤوليتها كاملةً في توفير الشعور بالأمان لطالبي اللجوء الفلسطينيين".

وعبر حسابه في تويتر، وصف رامي عبده، مؤسس ورئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، "إخضاع الصديق  معاذ حامد بشكل تحايلي لاستجواب الموساد الإسرائيلي في مدريد داخل أحد المقار التابعة لجهاز الاستعلامات الأمنية الإسبانية" بأنه "فضيحة كبيرة سيكون لها تداعياتها الواسعة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard