"المعلقات لجيل الألفية" إعادة إحياء للشعر العربي القديم

السبت 27 مارس 202101:02 م

"المُعلَّقات لجيل الألفية"، مشروع ثقافيّ ضخم صادر عن مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي "إثراء"، ومجلة القافلة التابعة لشركة أرامكو السعوديّة؛ هو مجلد ثنائي اللغة، يحتوي لأول مرّة على المعلّقات العشر كاملةً، بتحقيق لأبيات القصائد وترجمات أصيلة لجميع القصائد إلى الإنجليزية، بالإضافة لشرح تفصيلي جديد بالعربية لأبيات القصائد، وقسم فرعيّ خاص بمعاني الكلمات والمقابلات المعاصرة لأسماء مواقع المعلقات.

لماذا قد يهتمّ القارئ العربي والغربي بقراءة نصوص شعرية  أُنتجت قبل 1500 عام؟ ما الذي وهب المعلّقات هذا الدوام؟

كما يتضمّن الكتاب مقدّمات ثرية باللغتين العربية والإنكليزية لكل معلقة من المعلّقات العشر، توفّر خلفية عن الشاعر وإضاءات على السياق التاريخي للقصيدة.

بالرغم من أن المعلقات جذبت منذ عقود اهتماماً مشتركاً بين الشرق والغرب، والمهتمين أيضاً بالأدب العربي، من المتخصصين أو من الهواة، إلا أن الجهد الجديد المبذول في ترجمتها، شرحها وتقديمها للقارئ المعاصر في كتاب واحد، يمثل جهداً غير مسبوق وإضافة جديدة للأدب العربي.

يهدف هذا المشروع، بحسب القيّمين عليه، لإعادة تقديم نصوص الشعر العربي الخالدة للأجيال الجديدة، على اختلاف انتماءاتها اللغوية والثقافية، وعلى اختلاف حاجاتهم لقراءة هذه النصوص؛ سواء كانت للمتعة أو لأغراض الدراسة والبحث العلمي.

صفحة من كتاب "المعلقات لجيل الألفية" تتضمن المعلقة مع شرحها وترجمتها

وقد أشرف على المشروع رئيس تحرير مجلة القافلة، بندر الحربي، وراجعه لغوياً محمد أمين أبو المكارم، وأشرف على المحتوى والتواصل الدولي الدكتور حاتم الزهراني، وتكونت اللجنة الاستشارية من الدكتور سعد البازعي، الدكتورة منيرة الغدير، روجر ألن، بياتريس غروندلر، وشارك في الترجمة كل من ديفيد لارسن، سامي العجلان، سوزان بينكني ستيتكيفيتش، صالح الزهراني، عدي الحربش، كفين بالنكنشيب، هدى فخر الدين، وأشرف على التدقيق اللغوي للقسم الإنجليزي فيليب إمبلتون.

"المعلقات لجيل الألفية" هو مجلد ثنائي اللغة، يحتوي لأول مرّة على المعلّقات العشر كاملةً، بتحقيق لأبيات القصائد وترجمات أصيلة لجميع القصائد إلى الإنجليزية بالإضافة لشرح تفصيلي جديد بالعربية لأبيات القصائد

في مقابلة مع الدكتور كيفين بالنكنشيب، الذي شارك في ترجمة أربع من المعلقات إلى الإنكليزية، وكان جزءاً من فريق العمل القائم على المشروع، ركّز على دور المعلقات الكبير ليس فقط في حفظ اللغة العربية ومفرداتها، بل أيضاً على دورها في تقديم صورة متكاملة عن طبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك الأزمنة، التقسيم الاجتماعي والطبقي للأشخاص، كما طبيعة الاهتمامات العامة والخاصة والدوافع الفردية والجماعية التي تجعل الفرد أو القبيلة تتصرف على هذا النحو أو ذاك.

ويعتبر بالنكنشيب أن المعلقات الشعرية ما تزال تنبض بالحياة بالرغم من مرور 1500 سنة على إنتاجها، ذلك أن اهتماماتها إنسانية مشتركة، وتقارب المواضيع التي تحظى اليوم بالاهتمام، وإن بلغة أكثر صعوبة اليوم وبرؤى أكثر تحديثاً، لكن مواضيع مثل الحب المفقود، الهجران، الألم والشعور بالعزلة الاجتماعية نتيجة الفوارق الطبقية والعرقية، ما تزال تشكل هاجساً للفرد المعاصر، وهذا ما يجعل نصوصاً كتبت في عصر مختلف كلياً، قابلة للقراءة وللتداول.

ويضيف بالنكنشيب أن القصائد هذه بالإضافة لكونها أدباً رفيعاً إلا أنها أيضاً تحمل عنصراً توثيقياً يتجاوز الأدب والتاريخ، لتكون بمثابة شاهد مصنوع بجمالية عالية وبلغة خارقة عن عصر مضى، لكن النظر إليها عبر منظار التاريخ فقط يمكن أن يفقدها الكثير من جمالياتها وبلاغتها العميقة، هي لوحات تتألق باستمرار ولا تفقد عناصرها برغم الزمن.

يهدف مشروع "المعلّقات لجيل الألفية"  لإعادة تقديم نصوص الشعر العربي الخالدة للأجيال الجديدة، على اختلاف انتماءاتها اللغوية والثقافية، وعلى اختلاف حاجاتهم لقراءة هذه النصوص؛ سواء كانت للمتعة أو لأغراض الدراسة والبحث العلمي

أما عن محاولات تقديم الثقافة العربية بصورة جديدة، فقال بالنكنشيب إنه يحاول أن يكتب عن الأدب العربي في منصات أجنبية، كي يقدّم هذا الأدب للمهتمين به من الناطقين بغير العربية، ذلك أنه عند تصفّح المجلات الأدبية العالمية، يصطدم المرء باستمرار بأسماء مكررة، كافكا ودانتي، بينما لا نجد في مقالاً عن أحد أهم دعائم اللغة العربية والثقافة العربية، المعلقات التي حملت رؤى جمالية وبلاغية عبرت بها عصوراً كاملة وما تزال تذخر بالحكمة والموعظة والحركة.

كما يهتمّ بالنكنشيب بالصورة النمطية التي تسود العالم الغربي حول العرب، كشعب عنيف، فقير، جاهل، مهووس بالجنس وقامع لحرية المرأة، في حين تظهر المعلقات وجهاً آخر ذا قيمة تحررية عالية وشعوراً جمعياً بالانتماء إلى الإنسانية، يجب الإضاءة عليه وإنصافه، ويقول إن نظرة طلابه الجامعيين، أي الجيل الغربي الجديد، إلى الشرق الأوسط والعالم العربي قد تغيرت كلياً، فقد تخطّوا تلك الصور النمطية، وهم الآن يبدون اهتماماً أكبر بفهم الثقافة العربية بشكل أعمق وأدقّ.

كيفين بالنكنشيب: إن المعلقات بالإضافة لكونها أدباً رفيعاً إلا أنها أيضاً تحمل عنصراً توثيقياً يتجاوز الأدب والتاريخ، لتكون بمثابة شاهد مصنوع بجمالية عالية وبلغة خارقة عن عصر مضى

ولدى سؤاله  عن الصعوبات والتحديات التي واجهت فريق العمل على كتاب "المعلّقات لجيل الألفية"،تحدث بالنكنشيب  أنّ الصعوبات بالدرجة الأولى كانت تتعلّق بوعورة اللغة المستخدمة في أغلب المعلقات، والأسلوب البلاغي العالي الذي كتبت به، فكان التحدي المستمر لدى فريق العمل هو الوصول إلى ترجمة دقيقة تحافظ على دقة المعاني والقيمة الفنية للقصائد، كما أن الظروف العامة التي تتعلق بظهور جائحة كورونا، جعلت الصعوبات مضاعفة، إلا أن إصرار فريق العمل واهتمامهم بتقديم عمل مثير وجديد جعلهم ينجزون الكتاب في عام واحد.

وعن تفاعل القارئ الغربي مع الكتاب ومواضيع أخرى مشابهة تتناول التراث الأدبي العربي، فقال بالنكنشيب إن القارئ الغربي يبحث عن الجدة والإثارة، وعما يوسّع آفاقه المعرفية فيما يخص ثقافات الشعوب الأخرى، وقد لمس بنفسه تفاعلاً مدهشاً مع كتاب "المعلقات لجيل الألفية" على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً من زملائه ممن يدرّسون الأدب العربي القديم في الجامعات الغربية،  الذين أبلغوه عن نيتهم اعتماد الكتاب لتدريس الأدب العربي لطلابهم، ما يشكل خطو ممتازة على هذا الصعيد.

وبعد الحديث عن مشروع "المعلقات لجيل الألفية"، سألنا بالنكنشيب عن المشاريع الحالية التي تشغله فأخبرنا أنّه بصدد تأليف كتاب عن شعر أبي العلاء المعرّي ونظرته الفلسفية للحياة والوجود، كمحاولة لتقديم المعرّي وشعره وآرائه في الإيمان والزهد والورع، للقارئ الغربي، لأن المعرّي يمثل شخصية مثيرة للجدل وشعره يقع في خانة تجعله فيلسوفاً عصرياً وزاهداً عظيماً في الحياة، يجدر تقديمه والتعريف به للقارئ المعاصر.

يمكن الاطلاع على كتاب "المعلقات لجيل الألفية" وتحميله من خلال الرابط التالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard