أحلامنا المشوّهة التي ستغدو ذاكرة أبنائنا

الأربعاء 24 مارس 202109:04 ص

"قفز الأرنب، ركض الأرنب

كنت قريباً منه ألعب

يا بحرية هيلا هيلا

هييلا.. هيييلااا"

كيف لأغنية يرددها مشجعو كرة القدم في الملاعب السورية أن تستهلّ مقالاً يتحدث عن الذاكرة؟ الحقيقة أنهم كانوا يرددونها، جامعين لحن الأغنية الشهيرة لمارسيل خليفة مع قصائد سليمان العيسى التي شبّوا عليها في المدارس حين كانوا متساوين؛ قبل أن تفرزهم الحياة إلى مستويات وطبقات أفقية وشاقوليه، مازجين بين ما حلموا به وما تخيلوه وبين واقعهم، تاركين للذاكرة أن ترتب ما تناثر من حيواتهم هنا وهناك. الذاكرة البشرية الانتقائية التي تحكمها طبيعتها والأثر الذي تتركه بعد التذكر، ثم السلوك الناجم عن ذلك. لذا، نستطيع أن نصدق العبارة الشائعة "نحن نتذكر ما نريد أن نتذكره فقط". عندما سحب الجمهور أغنية مارسيل إلى الملاعب، كان يريد نقل الحماس المتولّد عند سماعها إلى اللاعبين، لتتحول المباراة إلى معركة مصيرها الانتصار المحتوم- الذي نشأنا عليه في أغاني الثمانينيات والتسعينيات- على أي عدو قد يجرؤ ويقترب منا. ذلك قبل أن تتحول حياتنا إلى سلسلة هزائم أبدية حين خرجنا من فقاعة الحماسة في الأغاني إلى دبوس الواقع الفقير. أراد الجمهور أن يعود إلى الانتصارات ولو في مجرّد أغنية. يمكن لنا أن نذكر مثلاً رائحة الخبز كل صباح وننسى ساعتين من الانتظار تحت مطر خفيف أو ثقيل لا فرق، أن نذكر أسعار الأثاث في منازلنا ونسميهم هكذا: بدل أن نقول براد نقول مليون ليرة، بدل أن نقول غسالة نقول مليون ومئتان وننسى أنّ البراد والغسالة والفرن ربما يكونان مجرّد بديهيات عند أية أسرة في أي مكان آخر من هذا العالم، أن نتذكّر أغنية وديع الصافي "بلدي" وننسى أن البلد قد تحوّل إلى قاعة انتظار، نتذكر فقط ما نريد أو ما يجعلنا قادرين على الاستمرار ولو ليومٍ آخر جديد.

ما يهمنا في هذا الحديث هو كيفية تعاملنا مع ذاكرتنا. بجرد بسيطة، نلاحظ أن أغلب النصوص الأدبية كانت تستند إلى أحداث واقعية مرّ بها الكاتب قبل أن يُعمل الخيال في قصته لتصبح أكثر تشويقاً: دوستويفسكي في المقامر، موراكامي في الغابة النرويجية، جوليان بارنز في الإحساس بالنهاية وغيرهم وغيرهم. جميعهم جعلوا من أحداث واقعية مروا بها حجر أساس يُبنى عليه، ثمّ أضافوا خيالهم حتى يخففوا من حدة ما مروا به أو يزيدوه حدّة، والغاية واحدة: إيصال فكرتهم إلى المتلقي. حسناً، ماذا ستتذكّر أجيال الحرب السورية؟ وكيف ستتعامل مع ذاكرتها؟ وماذا ستضيف أو تحذف؟

ماذا سيذكر بيت لم يبق فيه إلا دَرَج صاعد نحو السماء، معلّق هكذا في الفراغ؟ ماذا ستروي العتبة حين لا يكون ثمة شيء خلفها؟

أسئلة كهذه ليست صحيحة بالشكل الكافي، ينبغي عليها أن تكون: ما هو سلوك جيل الحرب السورية المرتكز على ما سيذكره من الحرب؟ أو ما هو سلوك أجيال الحرب السورية المرتكز على ما ستحذفه أو تضيفه من ذاكرتها؟

يمكن أن نكون متشائمين ونجيب بمفردة واحدة: كارثة. ثم نضع نقطة بعدها، كما فعلتُ بالضبط، ثم نغرق في صمت عميق. ويمكن أن نجتهد قليلاً ونجعل الأمر كما في الحكايات؛ كأن نتحدث عن ذاكرة المدن ما بعد الحرب مثلاً ونسهب بالحديث عن الأنقاض والجثث وندعم حديثنا بصور ونشترك في لعبة الـ "قبل وبعد"؛ قبل الحرب وبعد الحرب، قبل التشرد وبعد الفقد، قبل الفقر وبعد انقطاع الكهرباء والماء، قبل الخمارات وبعد الجوامع، قبل الضحكات المنتهية بالدمع وبعد الدمع المنتهي بالضحك، قبل الملهاة وبعد المأساة. ثم نراهن على أن المدن لن تذكر إلا الشوارع حيث لا جدران تحجب أحداً عن أحد. حيث الجميع ضاحك ومبتسم وعابس وغاضب وشارد. بعدها يمكن أن نتوسّع في الحديث لننتقل إلى ذاكرة البيوت: الجدران والشرفات والبلاط والعتبات والنوافذ والأبواب والأسرّة والخزائن والأسرار. ماذا سيذكر بيت لم يبق فيه إلا دَرَج صاعد نحو السماء، معلّق هكذا في الفراغ؟ ماذا ستروي العتبة حين لا يكون ثمة شيء خلفها؟ من يقنع النوافذ بعابرين جدد؟ كيف تصمد الأصوات في الفراغات المهدّمة؟

للأمانة، لم أُجب على السؤال. راوغت وتحدثت بعاطفة وأغفلت الجواب تماماً، لأنني ببساطة لا أعلم. أو لا أريد أن أعلم. أو لأنني خائف. خائفٌ فقط ووحيد وذاكرتي تطاردني ولا أريد أن أتنبأ بما يمكن أن نفعله لاحقاً، لا أريد أن أتخيّل حتى. يكفيني ما فعلناه ببعضنا سابقاً.. يكفيني تماماً.

عُرّفت الذاكرة بأنها إحدى قدرات الدماغ التي تمكنه من تخزين المعلومات واسترجاعها، وتقع ضمن حقول علم النفس الإدراكي وعلم الأعصاب، وقُسّمت إلى فرعين رئيسيين: الذاكرة طويلة الأمد والذاكرة قصيرة الأمد.

أين نضع نوعي الذاكرة الرئيسيين في هذا المقال؟ هل يمكن وضع ذاكرة ذوي الأطراف المبتورة والأمهات فاقدات الأبناء والآباء مهتوكي العرض والأطفال منقوصي الكلى والزوجات المقهورات دائماً على أزواج لم يعودوا بيننا ضمن قسم الذاكرة قصيرة الأمد؟ أم نضع من كتب It is a boy على برج خليفة أو من أصبح رجل أعمال كبير وافتتح سلسلة مطاعم في دول مجاورة بعد سنين قضاها يدعوا إلى الجهاد وإقامة الخلافة ضمن قسم الذاكرة طويلة المدى؟ ثم نكتب بالخط العريض تحتهما "كي لا ننسى".

من نحاسب حين يقول لنا أبناؤنا لاحقاً: ليس هذا ما وعدتني به حين كنتُ فكرةً، مجرّد فكرةٍ في رأسك.

"بابا بابا يومك طابا

دمت ربيعاً دمت شبابا

يا بحرية هيلا هيلا

هييلا هيلاااا"

ماذا نفعل بآبائنا حين يتحدثون عن زمن كان "الخير فيه كثير" على حدّ تعبيرهم، والناس تحب بعضها هكذا لمجرد الحب فقط ودون مقابل؟ كيف نصدق أن هؤلاء الآباء قد أنجبوا وربّوا أولاداً براغماتيين بالمطلق، يحكمهم قانون واحد فقط: البقاء للأدهى. حسناً، يمكن أن نعزو السبب الآن إلى قلة التربية. كلام جميل، أخيراً يمكن أن نتنفس بهدوء ونتابع حياتنا محمّلين غيرنا سبب تصرفاتنا، كما هو الحال دائما.

في الحقيقة، كان يمكن ذلك لو لم نتذكر أن الآباء كانوا دوماً يقلّون الحديث عن ظروف مشابهة لما عشناه ونعيشه اليوم. مثلاً، ترى أحدهم يذكر حقبة الثمانينات بعبارتين أو ثلاث فقط، ثم يعود ثلاثين أو أربعين عاماً قبلها ويستطرد. تخيل اختزال عشرة أعوام بعبارتين. تخيّل فقط.

وتذكّر الآن ما ستذكره بعد ثلاثين أو أربعين عاماً حين ستختصر عشر سنين بجملة واحدة. من نحاسب حين يقول لنا أبناؤنا لاحقاً: ليس هذا ما وعدتني به حين كنتُ فكرةً، مجرّد فكرةٍ في رأسك. بماذا نجيب حين يسألوننا عن الرضا والهدوء والاكتفاء والخير؟ بماذا نجيب حين يسألوننا عن الفرح الذي وعدناهم به حين كنا نحلم بهم؟

القضية هنا أن حلمك أصبح ذاكرة ولدك. ذاكرة مشوهّة آتية من زمن مشوّه. ماذا سيبني عليها حين سيحلم؟ أم أنّ ذاكرتك أصبحت حلماً لابنك؟ كلّ هذا والخيال لم يقم بعمله بعد.

"خلف القلعة قلعة نحنا

ع جناح الدنيي مطارحنا

يا بحرية هيلا هيلا

هييلا هييييلااا"

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard