ميجان وعنصرية الإمبراطورية التي لم تغب

الأحد 14 مارس 202111:36 ص

توقف العالم شرقاً وغرباً عند تصريحات ميجان ماركل؛ الممثلة الأمريكية السابقة، وزوجة ابن ولي العهد البريطاني الأمير هاري، التي فَجّرتها في حوار مع المذيعة الأمريكية أوبرا وينفري. حوار سبقته المخاوف حتى قبل التخطيط له، فثمة قلق أبداه موظفون في القصر الملكي البريطاني العام الماضي، من إدلاء ميجان بمعلومات تكشف عما تعرضت له من عنصرية داخل القصر الملكي على شاشات التلفزة الأمريكية. لكن شبكة أوبرا وينفري نفت، حينها، أي خطة لإجراء المقابلة حسبما أوردته صحيفة ديلي ميل البريطانية.

المقابلة التي بُثت في الولايات المتحدة على قناة "سي بي إس"، وشاهدها نحو خمسين مليون مشاهد عبر التلفاز والانترنت، كما أعلنت شبكة سي بي إس، سَبَرَت فيها ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري أعماق علاقتهما بالأسرة الملكية، وجوانب أخرى من الحياة الملكية التي لا تُناقش عادة في العلن. لكن أخطر ما ورد في حديث ميجان، الابنة المختلطة لأب أبيض وأم سمراء، اتهامها العائلة الملكية بالعنصرية، وكشفها عن نقاش دار داخل القصر، أثناء فترة حَملها، بشأن لون البشرة المحتمل لمولودها آرتشي، الذي يبلغ الآن عاماً، وبأن اللون سيقف حائلًا دون حصوله على لقب المَلَكية، وتلك أوضح صورة للعنصرية على أساس اللون. وهو نقاش نفت أوبرا وينفري، لاحقاً، على لسان الأمير هاري أن تكون صادرة من جدته الملكة إليزابيث أو من جده الأمير فيليب.

ليس المتهم بالعنصرية هنا شرطياً أمريكياً أبيض، بل إنها العائلة المَلَكية البريطانية، المؤسسة العريقة التي يمتد عمرها نحو ألف ومئتي عام

ليس المتهم بالعنصرية هنا شرطياً أمريكياً أبيض، بل إنها العائلة المَلَكية البريطانية، المؤسسة العريقة التي يمتد عمرها نحو ألف ومئتي عام، مؤسسة الحكم في بريطانيا، وصاحبة التأثير السياسي العميق في أجزاء واسعة من العالم، بحكم إسهامها في تشكيله وصياغته بالاستعمار حيناً وبالتحالف حيناً آخر. حتى كونت أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ وقِيل بحقها، يوماً، إن الشمس لا تغيب عنها.

صحيح أن الأوساط البريطانية اطلعت على جانب من حملات العنصرية الصحفية ضد ميجان، وهجوم وسائل إعلام يمينية عليها لسمرة لونها، حد تشبيه ابنها بالشمبانيزي، واتهامها بدعم الإرهاب لمساهمة خيرية لها ارتبطت بمسجد. وصحيح أن ثمّة إدراكاً عاماً بأن قرارها وزوجها الأمير هاري التخلي عن موقعهما المَلَكي، إنما يعود في صلب أسبابه إلى المعاناة من العنصرية، والتوقعات بشأن هذه المقابلة كانت تذهب إلى أنها ستكون مُحرجة للقصر، إلا أن أحداً لم يتوقع أن تكون درجة الحديث عن العنصرية صادمة إلى هذا الحد.

هي أسوأ أزمة مرت على الأسرة المَلَكية منذ 85 عاماً، تقول صحيفة ميرور Miror البريطانية، ما اضطر الملكة إليزابيث للتعبير عن حزنها للمتاعب التي واجهها الأمير هاري وزوجته، وتأكيدها على أنه سيُنظر في هذه المزاعم بشأن العنصرية على محمل الجدّ، في أول رد فعل صدر عن القصر بعد المقابلة.

جيل الألفية توقف أمام تصريحات ميجان وقضية العنصرية على أساس اللون. إذن، هي قضية باتت تُشكل اليوم جزءاً من الهوية العالمية لهذا الجيل.

اللافت في نتائج استطلاعات الرأي اللاحقة لتصريحات ميجان هو تباينها، استناداً إلى أماكن وأعمار المُستَطلَعين. فثمة انقسام كبير أظهرته النتائج، بين كبار وصغار السن في بريطانيا، فالصغار بين (18 إلى 24 عاماً) أبدوا استعداداً أكبر لتصديق هاري وميجان. تلك كانت إجابة 52% منهم، في حين أن 50% ممن تتراوح أعمارهم بين 45 وأكثر من 50 عامًا قالوا إنهم يصدقون المَلِكة، معتبرين أن ميجان مجرد باحثة عن الشهرة. وضمن إحدى نشرات القناة الأولى لتلفزيون بي بي سي، استعرضت ردود أفعال البريطانيين، فكان ملاحظاً أن المستطلعة آراءهم من أحياء يعيش فيها بريطانيون من ذوي أصول أفريقية أو كاريبية متعاطفين أكثر مع الدوقة السابقة ميجان.

ذلك يعني أن جيل الشباب أو هؤلاء المنتمين إلى ما يُعرف بجيل الميلينيالز (Millennials) أو جيل الألفية، الذين ولدوا في الثمانينات والتسعينات وتشكل وعيهم في الألفية الجديدة، توقفوا أمام تصريحات ميجان، وقضية العنصرية على أساس اللون. إذن، هي قضية باتت تُشكل اليوم جزءاً من الهوية العالمية لهذا الجيل.

بهذا المعنى، لا يبدو أن الأزمة بين الأسرة الحاكمة والشعب البريطاني، بقدر ما هي بينها وبين جيل جديد من الشباب، لا يتعامل بخفة مع مزاعم العنصرية على أساس اللون. وهي مزاعم لها ظلالها التي لا تزال حاضرة في المجتمع البريطاني. وبينما كانت لحظة دخول ميجان القصر المَلَكي زوجة للأمير هاري، لحظة تاريخية مناسبة، قد تُزيح عن القصر شبهات الماضي العنصرية، وتدفع القوة البريطانية الناعمة قدماً إلى الأمام، فإن العكس تماماً هو ما حدث.

الدور الأساسي لإرث تاريخ الإمبراطورية البريطاني، المبني على التفوّق الأبيض، لا يزال حاضراً حتى اليوم

في كتابها "بريتيش: عن العرق والهوية والانتماء"، تلفت الكاتبة البريطانية أفوا هيرش الانتباه إلى أن مشروع خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبي مرتبط أصلاً بظلال القومية الأصلية، وبالرغبة في التخلص من المهاجرين، موضحة أن ارتباطاً عميقاً لا يزال حاضراً بين الامتيازات والعرق في المجتمع البريطاني. "الدور الأساسي لإرث تاريخ الإمبراطورية البريطاني، المبني على التفوّق الأبيض، لا يزال حاضراً حتى اليوم؛ وهو دور الإمبراطورية الرائد في تجارة الرقيق، والأيديولوجيا العنصرية التي مكنتها، وسياسات تجنيد أشخاص من منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا، للعمل بأجور منخفضة، ثم التمييز ضدهم في التعليم والمسكن، هي معنا إلى اليوم"، تقول هيرش، والعائلة المالكة بحد ذاتها هي جزء لا يتجزّأ من هذه المنظومة.

عنصرية حاضرة وغائبة في الوقت نفسه. حاضرة إن دققنا النظر، وغائبة تحت سطوة الرضوخ للقيم الإنسانية العالمية، غائبة لدرجة أن الأمير هاري صرح في هذه المقابلة أنه لم يكن يدرك حجم المشاكل العنصرية في بلاده قبل لقاء زوجته ميجان، وبأنه الآن حين أدركها أصبح أكثر قلقاً من أن التاريخ يُعيد نفسه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard