حجب المواقع الإباحية… كيف يلعب البرلمان الأردني لعبة الإلهاء؟

الثلاثاء 23 فبراير 202101:23 م

في الوقت الذي اعتمد فيه البرلمان الأردني الموازنة العامة لعام 2021 وما اعتراها من مشادات بين الحكومة والمعارضة حول نقاط مفصلية تهمّ المواطن الأردني، بدءاً من أزمة التعليم انتهاءً باشكالية تنامي معدل القروض. ظهر على تويتر هاشتاغ  #حجب المواقع الإباحية. وانشغل به المغردون الأردنيون حتى صار الحدث الأبرز لديهم.

وهو ما يطرح السؤال المنطقي: لماذا الآن؟ 
ما الطارئ الذي يجعل ملف المواقع الإباحية يفتح من جديد اليوم؟ هل هو غيرة على الاخلاق تذكرها البعض فجأة، أم نحن إزاء فقرة جديدة من لعبة إلهاء المواطنين التي يجيدها البعض في عمّان؟

هكذا بدأت الموجة

بدأت القصة بمداخلة من النائب المستقل علي الطراونة، تحدث فيها عن القيم الأردنية النبيلة، وشعب الاردن المحافظ المتدين، وطالب رئيس البرلمان بحجب المواقع الإباحية في الأردن.

مداخلة الطراونة لم تبقَ وحيدة كثيراً، فسرعان ما انضمت إليه مجموعة من النواب وقدمت مذكرة نيابية تطالب الحكومة بحجب المواقع الإباحية.

من يتتبع التغريدات التي نشرت على هاشتاغ #حجب_المواقع_الإباحية، يستطيع أن يقول: "واحد صفر للنواب"، فحجم التفاعل على الترند الذي غلب عليه التصفيق والدعم للمذكرة النيابية التي تطالب بحجب المواقع الإباحية كان مذهلاً.

الملاحظ هنا أن تركيبة الموقعين على المذكرة تتكون من نواب محسوبين على التيار الإسلامي، وآخرين موالين للحكومة، ولن تجد نائباً معارضاً من بينهم. وهو ما عزز شكوك الكثيرين في الهدف الحقيقي من تلك المذكرة.

وسرعان ما انتقلت المطالبات إلى ساحة تويتر عبر نواب وأشخاص بارزين في الحياة العامة ليتحول هاشتاغ حجب المواقع الإباحية إلى ترند في الأردن، ويغطي على ما يؤرق الأردنيين من تبعات فيروس كورونا الاقتصادية، ومن "الهم" الذي أفرزته تجربة التعليم عن بعد التي أثبتت فشلها، وفق مراقبين، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة التي كانت تحت مجهر الأردنيين منذ عهد الحكومة الجديدة، حكومة الدكتور بشر الخصاونة.

من يتتبع التغريدات التي نشرت على هاشتاغ #حجب_المواقع_الإباحية، يستطيع أن يقول: "واحد صفر للنواب"، فحجم التفاعل على الترند الذي غلب عليه التصفيق والدعم للمذكرة النيابية التي تطالب بحجب المواقع الإباحية كان مذهلاً.

لماذا الآن؟

رصيف22 التقت بالنائب علي الطراونة الذي تمسك بأن دافعه الأول لتلك المطالبة هو خوفه على متانة روابط المجتمع الأردني قائلاً: "يجب أن ندرك أن انتقال أطفالنا إلى التعليم عن بعد بسبب ظروف جائحة كورونا يضعهم أمام خطورة الفضاء المفتوح في الأجهزة الذكية، الأمر الذي قد يجعلهم عرضة لتصفح المواقع الإباحية بسهولة"، واختتم الطراونة حديثه: "دافع مطالبتنا كنواب للحكومة بحجب تلك المواقع أتى فقط انطلاقاً من موروث أعرافنا كمسلمين ومسيحيين في الأردن".

على صعيد آخر، هناك نواب وساسة أبدوا استياء من مثل تلك المطالبات التي لا تعدوا كونها إلهاء للمواطن الاردني عن قضاياه الاساسية، مثل النائب السابق خالد رمضان، الذي قال لرصيف22: "سياسة ممنهجة يمارسها مسؤولون ونواب يفتقدون إرادة التغيير الحقيقي، ويقومون بدفع الرأي العام للالتفات إلى ملفات جانبية ليست حاسمة في معركة تحقيق العدالة".

المتتبع للمشهد الأردني منذ اجتياح كورونا يلاحظ أن الهم المعيشي وضيق الحال أصبحا السؤال الأصعب في حياة الأردنيين، السؤال الذي يجب على نوابهم السعي للإجابة عليه، بدلاً من الشعلة التي رماها بعضهم تحت قبة البرلمان، وهم على يقين من أنها قادرة على إشعال استفزاز الرأي العام

ويستطرد: "أضحك ألماً حين تخرج مطالبات نيابية لحجب مواقع إباحية في ظل الجوائح التي يمر بها الأردن، وجميعها أهم من تلك المواقع، لكن في الوقت ذاته لا أستغرب هذا السلوك إذ لا يزال هناك غياب للصوت الداخل المنظم والمعارض تحت قبة البرلمان الأردني".

ويتفق مع هذا الرأي الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير الذي لم يستبعد وفق حديثه لرصيف22 وجود "ثقافة الإلهاء" في المشهد الأردني.

لعبة الإلهاء التي لا تتوقف

رأى الكثيرون أن ما يحدث في هاشتاغ #حجب المواقع الإباحية والعمل على دعمه من قبل نواب بارزين لم يكن وليد الصدفة، وإنما تم بوعي، هو التاريخ الحافل والمكرر لنفس اللعبة.

وهذه ليست المرة الأولى يكون اللعب على وتر الأخلاق والأعراف مقابل تنحية الأردنيين عن الاهتمام بقضايا أهم، ففي العام 2012 مع بداية الحراك الشعبي، خرجت أصوات فجأة وبدون مبرر منطقي، تطالب بحجب المواقع الإباحية، ليسحب التفاعل معها من التفاعل الشعبي مع الشعارات المعيشية التي كان يرفعها الحراك حينها، وقد وصلت تلك الدعوات إلى حد تنظيم اعتصامات أمام وزارة الاتصالات لحجب المواقع الإباحية.

الأمر نفسه تكرر بحذافيره عام 2016، وهو العام الذي كان عنوانه "محاربة الفساد والفاسدين"، وخرجت خلاله الناس إلى الشوارع تطالب بمحاكمة الفاسدين، لم تسلم منه أيضاً "فتيشة" المواقع الإباحية، لكنها أخذت حساً مختلفاً بحيث كانت ذات حس أمني "تخويفي" عندما أعلنت وحدة الجرائم الإلكترونية أن الدخول للمواقع الإباحية وتصفحها قد يعرضا الفاعل للمساءلة القانونية 

أما عام 2019 فكانت النقلة مختلفة، إذ مع انفجار أزمة المتعطلين عن العمل في عهد حكومة عمر الرزاز، حتى صارت موضع اهتمام الأردنيين، طفا على السطح تسريب  كتب تعيينات حكومية لأقارب نواب مسؤولين، لينشغل الناس بالحديث عن فلان الذي عيّن قريبه وعلان الذي عيّن نجله، وباتت أرقام مرتباتهم محور الاهتمام، وتوارت تماماً أزمة البطالة وما صاحبها من زخم في البداية.

المتتبع للمشهد الأردني منذ اجتياح كورونا للأردن منذ قرابة العام، يلاحظ أن الهم المعيشي وضيق الحال أصبحا السؤال الأصعب في حياة الأردنيين، السؤال الذي يجب على نوابهم السعي للإجابة عليه، بدلاً من الشعلة التي رماها بعضهم تحت قبة البرلمان، وهم على يقين من أنها قادرة على إشعال استفزاز الرأي العام تزامناً مع إقرار الموازنة العامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard